|
|
يوميات الحرب والحب والخوف (55)
حسين علي الحمداني
الحوار المتمدن-العدد: 8754 - 2026 / 7 / 2 - 15:59
المحور:
الادب والفن
طقس جميل، حالة استرخاء يعيشها الإنسان. يشعر بنقاء الطبيعة وطيبة البشر. المقاهي تنتشر عند الرصيف، طاولات كثيرة، لغات عدة، لكنهم جميعاً يتنفسون هواء البحر. - تعال نجلس هنا، عند هذه الطاولة. جلسنا، هو يوم بلا برنامج. كانت تنظر لي وأنا أشعل سيجارة. النادل استقبل طلبها، سمعتها تقول: قهوة تركية. لا يهم نوع القهوة، طالما أن البحر أمامنا. - كأنك تفكر، حسوني؟ - بل أتأمل البحر وهذا الجو الجميل. - لا تقارن، حسوني، بين مدن وأخرى، ولا بين سنوات مضت وسنوات جاءت. الحياة هكذا. - لا، لم أقارن. لكن أجد أن هذا المنتجع، ربما التونسي لا يستطيع الإقامة فيه، لكنه يعمل فيه. - كل المدن السياحية توفر هذا. مسألة مادية أولاً، وهي فوق قدرة ابن البلد. - تدرين، مرة لاحظت مرشداً مصرياً كان معنا. قلت: جميلة الفنادق وحدائقها وخدماتها. نظر لي وقال: هذه للقادمين سياحة، المصري يسكن شقة ستين متراً في حارة بلا خدمات. - ممكن هذا، حسوني، موجود. مصر نفوسها كثيرة، ومواردها قليلة، صعب عليهم. - أنتم، تونس، تختلفون. نفوسكم تقريباً ثابتة من سنوات عديدة، ما في انفجار سكاني يرهق الدولة. قرأت: العائلة التونسية بالغالب أب وأم وطفلان. النادل وضع القهوة، وقنينة ماء وقدحين. - شعارنا، حسوني: نوعية وليس كمية. ظهرت بائعة الياسمين، تحسست جيبي، ثمة عملات معدنية. لم آخذ ورداً، بل طوق ياسمين صغير. نظرت حنان كأنها تقول: وردة تكفي. أحنت رأسها، فطوق الياسمين يطوق رقبتها. كنت أنظر إلى عينها تلمع، فغطت على ذلك برشفة قهوة. - أنت رائع، حسين. - وأخيراً سمعت كلمة حسين. ضحكت حنان: اسم حسوني حلو. - أنت محارب رومانسي. الكثير من الذين يعيشون الحرب كجنود يخرجون أكثر عنفاً. - الحرب، لمن شارك فيها، أحياناً كثيرة لا تنتهي عنده. يظل يعيش كل لحظاتها. محظوظ من يعيد ترتيب ذاكرته. - وأنت فعلت هذا. - شوفي، حنان، نحن في بلد يمنح أبناءه إجازة قصيرة بين حرب وأخرى. - إجازة؟ - إي، إجازة. سنة، سنتان، ما بين حرب الثماني سنوات وحرب الكويت أقل من سنتين بستة أيام، تصوري. - قوم نمشي ونحكي أحسن. - أردت أن أقترح عليك هذا. غادرنا إلى نهاية رصيف المرسى. سفن صغيرة كثيرة، بمقاعد متقابلة، يعلوها علم تونس. ثمة مجموعة يحملون علم المغرب يصعدون إحدى هذه السفن وهم يغنون بلهجتهم. - لم تقل لي في رسائلك عن هذا الألم؟ - أي ألم؟ كانت أصابعها تتحس طوق الياسمين وهي تقول: - ألم وقساوة سنوات الحرب. - ما هي؟ كانت معروفة لكل العالم. أنتم، أقصد المتعاطفين معنا، كنتم تنظرون لنا أبطالاً، صح؟ - أبي كان يقول عنكم: أبطال. كنت أسمع هذا منه، كما قلت لك. حتى سقوط بغداد كان متأثراً ونظر لي. - وأنت؟ سحبتني من يدي وهي تقول: - النافورة بعد نصف ساعة تشتغل. لا تسألني ولا تتحدث عن الحرب. شعرت أنها أزاحت عني كابوس الحرب. أردت أن أطلب منها ذلك، طلبته عندما قلت لها: وأنت؟ لا تريد أن تفرغ ما في ذاكرتها تلك اللحظة. - شوفي، هذه ميدالية مفاتيح جميلة، سآخذ منها اثنتين. البائع يراقب يداي وهي تنتقي اثنتين متشابهتين، ربما استغرب. همست لي حنان: - متشابهتان. لم أرد عليها، دفعت للبائع الثمن، ومشينا. قالت: - متشابهتان. - أعرف، واحدة لي، والثانية لك. أم ترفضين ذلك؟ ابتسمت، كأنها تقول: كان يجب أن أعرف هذا ولا أسألك. الخروج من المرسى صوب النافورة يتطلب المرور من بوابة بُنيت بحجر، شكلها مأخوذ من بنايات تاريخية رومانية، يعلوها قوس حجري هو الآخر. رجل ضخم يرتدي ملابس الرومان ويحمل رمحاً، يوحي أنه حارس البحر. من هذا القوس حتى النافورة مسافة قصيرة جداً، لم نتحدث فيها. كانت هي تلامس عقد الياسمين، وكنت أنا أداعب وجه الميدالية الذي نقش عليه شراع أبيض، مؤطر بلون أزرق. عندما وصلنا النافورة، كانت الشمس تغادر إلى البعيد. موسيقى هادئة تمهد للماء أن يستيقظ من غفوته، تتصاعد الموسيقى، فيرتبك الماء ويتراقص. أسمعها تقول لي: هذه موسيقى بلا أغنية. - الموسيقى لغة العالم، الجميع يفهمها. ظلت هي تداعب بأصابعها طوق الياسمين، وكنت أتمنى أن تكون في كل مدينة نافورة بماء ملون، وموسيقى هادئة تذكر الجميع: إن الشمس غابت هنا، ستشرق هناك. ساحة النافورة مكتظة، انتهت الموسيقى. البعض يذهب، وآخرون يبقون. لم نكن من الباقين. اخترنا الجلوس في حديقة وزعت مقاعدها بتباعد، كأنها تحمي خصوصية من يجلس. اخترنا أول مقعد صادفنا. لم نكن متعبين، لكن كنا بحاجة للجلوس. - تحبين الياسمين كثيراً. - أول مرة أرى الياسمين، شاهدته كثيراً في الصور. يكفي أنه أبيض ليُحب. - لم تكتب لي يوماً إنك ستطوقني بعقد ياسمين. - لأني لا أعرف كيف يكون عقد الياسمين، لم أتخيل ذلك، رغم أني كنت أتمناه. - ما الفرق بين ناس تونس الذين صادفوك وبين بقية سفرياتك؟ - سؤال قوي، أعزمك على عصير فيما بعد. - فقط عصير؟ - عشاء خفيف وعصير؟ ضحكت وهي تقول: - أجب عن السؤال.
- باقي السفرات يسألوننا عن الحرب، باتت مهنتنا عندهم. حتى ترحيبهم مبني على أننا حاربنا. عالم يشعرون أن البطل من يصنع الحرب، لا من يسعى لتجنبها. - البطل من يتجنب الحرب، كلمة قوية برشة. - لهذا يريدوننا دوماً نحارب، لا يريدون العراقي سائحاً. لاحظتِ رجل القارب يقول: هاربين. - إي، سمعته. - غريب أن يأتي العراقي سياحة. أبقوا هناك، احملوا البنادق ونحن نصفق لكم. نهضت إلى محل قريب جداً، أخذت عصيراً، عدت مسرعاً. - جاء بوقته العصير، حسوني. - هنيئاً. - مستعد لرحلة الغد، حسوني؟ - في شوق للمهدية، عاصمة الفاطميين. - لن نذهب مبكراً، الطريق قصير. وفيها ساحل بحري جميل. - تونس كلها ساحل. تعرفين؟ نظرت من الجو، البحر يحضن تونس فعلاً. - الجغرافيا يا حسوني وقفت مع تونس، جارنا البحر. هل أنت جائع؟ - لا، لا زال طعم مرق الدجاج والأرز لم يغادرني. - مضت ساعات كثيرة. - ليس الآن، أمامنا وقت. هل أنتِ جائعة؟ هزت رأسها بالإيجاب، فضحكت وقلت: تعرفين؟ في وجبة الغداء كنتِ تتظاهرين بالأكل، لهذا أكلت حصتك. وضعت رأسها على كتفي وقالت: أعرف هذا، حسوني. أنا كنت أراقبك وأنت تأكل. - صغيرتي الجميلة بحاجة إلى وجبة عشاء خفيفة، هيا انهضي. نظرت لي وقالت: سندويش صغير، نأكله ونحن نمشي، ونشرب الشاي من إبريقك. اختارت الطريقة الأجمل: نأكل ونحن نمشي. تذكرني عندما كنت أشتري بعشرة فلوس "لفة عمبة" نأكلها ونحن نمشي عائدين من المدرسة الابتدائية. وفي الحصار أيضاً، الناس تشتري "لفة فلافل" تأكلها على الرصيف. هذه المرة سندويش همبرغر بصمون مدور طري، يشبه ضفة دجلة صباحاً، مع حنان التي كتبت لي صيف 1995 إنها تناولت سندويش همبرغر، قسمته نصفين، وأكلت بالنيابة عني نصفها. عام 1995، عام الجوع في بلدي. كنا نتوسل السماء أن تمطر حليباً. لا أريد أن أفسد مساء القنطاوي بذاكرة متعبة. أنظر وأنا أقف على الرصيف بانتظار الطلب. أيضاً كنا بالطابور عام 1995 نستلم حصتنا التموينية التي تكفينا أسبوعاً. طابور هذه المرة أيضاً، لكنه مختلف تماماً. بورق أنيق يشبه الياسمين لُف السندويش به. هذا لها، وهذا لي. لن آكل سريعاً، سأنهي الأكل وأنا أردد: في نهاية السلم المؤدي للشقة... تسعة، عشرة... وصلنا. افتح الباب، أسرع إلى إبريقي الأنيق، أعمل شاياً خفيفاً، أغسل يدي ووجهي، أمشط شعري بأصابعي. يكون الشاي قد نضج. كوبان، ونجلس عند الشرفة التي تطل على بحر يجمع ثلاث قارات. تكون هي تستمتع بشرب الشاي الذي صنعته يداي. أسمعها تقول لي: - يبدو أنك تعودت على الشاي الخفيف. - الشاي الثقيل تعلمته في سنوات الحرب، الجنود يشربونه هكذا. - يسهرون، يحتاجون ذلك. - في الحرب، الجندي لا يتمنى أن يأتي الليل. الليل هو الخوف عند الجندي. - فهمت، الليل يعني هجوماً، أو يُكلّف هو بالهجوم. - وهو لا يريد لا هذا ولا ذاك. - قبل سنتين كانت آخر مرة تسألني أمي عنك، لم أجبها لأنني لا أعرف أين أنت. - كنتِ تتابعين أخبار العراق؟ - بالحق ذكرتني، كانت أخبار العراق رئيسية. جاء الربيع العربي، تراجعتم عن صدارة الأخبار. - شفتِ؟ العالم يبحث عن أخبار الفوضى. الحروب يحبها حفارو القبور وتجار السلاح والفضائيات. - هي تجارة لهم، "عيشتهم". أنت تتابع الأخبار؟ - في العراق، الأخبار طبق رئيسي لأي شخصين في المقهى. جاء الفيس بوك، فزادهم أكثر. - أصب لك شاياً آخر، حسوني؟ أومأت برأسي بالموافقة. نهضت بهدوء، وطوق الياسمين يميل مع حركتها. نظرت إلى القمر، كان جميلاً، لكنه ليس أجمل منها. وضعت الكوب أمامي وهي تقول لي: كأنك تنظر إلى القمر. - أي قمر؟ رفعت حاجبها نحو القمر. - لا، القمر بيني وبينه كوب شاي. ضحكت بقوة، وقالت: هذا غزل أم معاكسة؟ - تعرفين أن القمر مظلم؟ - إي، أعرف أنه مظلم، بس شو نعمل للشعراء؟ جعلوه منيراً. - بينما القمر الذي أعرفه يضحك، ويشرب شاياً. علت ضحكتها أكثر وهي ترتشف ما تبقى من الشاي، وقالت: - يبدو لي أن الشاي أكثر نفعاً من القهوة التي ورثناها من الفرنسيين. - ونحن ورثنا الشاي من الإنكليز. - خرج الفرنسيون والإنكليز، وبقيت القهوة والشاي وكلماتهم في لهجاتنا. انتصف الليل، نهضت صوب الأريكة أبحث عن الشرشف الأبيض. حملته بيدي، نظرت لي وقالت: سأغطي وجهك. آخر ما لمحته عيناي: طوق ياسمين يتدلى مبتسماً.
#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟
رأيكم مهم للجميع
- شارك في الحوار
والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة
التعليقات من خلال
الموقع نرجو النقر
على - تعليقات الحوار
المتمدن -
|
|
|
|
نسخة قابلة للطباعة
|
ارسل هذا الموضوع الى صديق
|
حفظ - ورد
|
حفظ
|
بحث
|
إضافة إلى المفضلة
|
للاتصال بالكاتب-ة
عدد الموضوعات المقروءة في الموقع الى الان : 4,294,967,295
|
-
يوميات الحرب والحب والخوف (54)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (53)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (52)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (51)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (50)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (49)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (48)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (47)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (46)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (45)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (44)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (43)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (42)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (41)
-
يوميات الحرب والحب والخوف 41
-
يوميات الحرب والحب والخوف (40)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (39)
-
يوميات الحب والحرب والخوف (37)
-
يوميات الحرب والحب والخوف (36)
المزيد.....
-
فنان مصري يعلن وفاة زوجه ويتفاجئ عقب توجه للمستشفى
-
في ذكرى ميلاده.. هيرمان هيسه: الروائي الذي جعل من البحث عن ا
...
-
الممثل والناشط داني غلوفر يعلن إصابته بمرض الزهايمر
-
حديقة -سوكولنيكي- في موسكو تستضيف مهرجان -فولكوفو- للأسلوب ا
...
-
افتتاح وجهتين ترفيهيتين جديدتين لعشاق الألعاب الجريئة في منت
...
-
انطلاق فعاليات مهرجان -اللوحة الروسية المغربية- للفنون التشك
...
-
دار أزياء تواصل ترجمة الهوية السعودية بلغة الموضة العالمية
-
أمل لمرضى الشلل.. -ميتا- تعلن عن نظام ذكاء اصطناعي لترجمة ال
...
-
من البلاط القيصري إلى -حرب النجوم-.. حقائق تروي قصة -الكوكوش
...
-
مشروع روسي جديد لدعم السينما المحلية بتمويل من الأفلام الأجن
...
المزيد.....
-
كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م
...
/ حميد عقبي
-
كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة
/ حسين جداونه
-
رسالة الى عام 3026
/ ايه رياض الجبوري
-
نافذة ـ قصص قصيرة جدا
/ حسين جداونه
-
جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال
/ كمال التاغوتي
-
اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث
...
/ السيد حافظ
-
سِنّمار
/ كمال التاغوتي
-
مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد
...
/ عيسى بن ريمة
-
يونان أو قهر النبوّة
/ كمال التاغوتي
-
إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي
/ ريتا عودة
المزيد.....
|