أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (59)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (59)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 11:39
المحور: الادب والفن
    


ظلت العاصمة خلفنا، ونحن في طريقنا إلى سوسة. كان نهاراً طويلاً، لكن كل شيء فيه حُفر في الذاكرة: سيدي بوسعيد، البيوت البيضاء بنوافذها الزرقاء، كراسي المقهى المطلة على البحر، ورائحة القهوة التي بقيت ترافقنا حتى بعد أن غادرنا المكان.
قالت وهي تتابع الطريق:
سنصل مع مغيب الشمس إلى سوسة، هل استمتعت بالرحلة؟
جداً... أتعبتك معي.
ابتسمت وقالت:
أنا أيضاً كنت محتاجة لهذه الرحلات.
أنت لم تذهبي إلى العاصمة.
ولا إلى المنستير، ولا المهدية، ولا الحمامات.
لماذا؟
لم أجد الفرصة... ولا رفيقاً لهذه السفريات.
قلت ضاحكاً:
ألم أقل لك؟ أنت مثلي... سائحة.
كانت تقود السيارة بثقة، فيما كانت الشمس تجمع آخر خيوطها فوق الطريق العريض. اقتربت سوسة، ولم أعد ألتفت إلى يافطات الطريق. كنت أعرف أننا وصلنا من شعوري وحده.
دخلنا القنطاوي، فقالت:
انزل هنا، اذهب إلى الشقة. سأمر على البيت، وقد أتأخر قليلاً، فلا تقلق.
حسناً.
يمكنك أن تتجول في القنطاوي، وإن تهت فاتصل بي.
قالتها وهي تضحك. وضعت قدمي الأولى على الرصيف، ثم سحبت الثانية من السيارة. التفتت إليّ، حدقت بوجه باسم، رفعت حاجبيها، وأخرجت طرف لسانها بحركة طفولية لا تفسير لها سوى البراءة. ضحكت، ولوحت لها، ومضت.
كان الجو داخل الشقة بارداً كعادته. باب الشرفة مغلق، وكذلك نافذة الغرفة. أسرعت إلى إبريق الشاي، صديقي القديم، ووضعته على نار هادئة، ثم دخلت تحت دش بارد هذه المرة.
لا أحتاج الآن إلا إلى كوب شاي ثقيل... يليق بيوم طويل.
بعده فكرت: لماذا لا أذهب إلى الجمعية؟ سأشتري بعض الصابون أحمله معي إلى العراق، وربما بعض الغلال إن كانت ناضجة.
الجمعية ليست بعيدة. بضع خطوات فقط.
كان الممر مزدحماً بالمتبضعين. وقفت أمام رفوف المنظفات. نفس الصابون، لكن بروائح مختلفة. أخذت من كل رائحة قطعتين. أربع روائح... ثماني قطع.
انتقلت إلى قسم الأغذية. اشتريت بعض الجبن، وزجاجتي حليب، وبعض الغلال. البيض موجود في الشقة، فلا حاجة للمزيد. دفعت الحساب وعدت أحمل أكياساً كثيرة، حتى شعرت أن يدي لم تعودا تكفيان لها.
وضعت كل شيء في مكانه داخل الثلاجة، أما الصابون فاستقر في حقيبتي الكبيرة، استعداداً للعودة.
كان الشاي لا يزال ساخناً.
سكبت كوباً آخر، وتمددت على السرير.
رحلة العاصمة جميلة...
بل ليست العاصمة وحدها الجميلة.
بعض الرحلات لا تُقاس بالكيلومترات، بل بمن كان معك.
حتى رحلتي إلى هنا، التي تجاوزت أربعة آلاف كيلومتر، لم أشعر بطولها كما توقعت، لأنني هذه المرة لم أكن ألتحق بقاطع في الجبهة.
سنوات الحرب علمتني طرقاً أخرى. كنت أقطع المسافة بين البصرة وغرفتي التي بناها لي أبي، أكثر من ألف كيلومتر ذهاباً وإياباً. ثم أصبحت الطريق بين زاخو والغرفة نفسها تتكرر كل شهر تقريباً. كانت طرقاً يرافقها الخوف، وأخبار الشهداء، وصوت المدافع.
أما اليوم، فقد كان للطريق صوت آخر...
صوت عود يعزف في مقهى سيدي بوسعيد، وضحكة رفيقة، وموسيقى تحفظها الذاكرة بدلاً من دوي الحرب.
نهضت.
لماذا لا أتجول قليلاً في هذا المنتجع؟ لن أرهق نفسي بأناقة السائح. هنا لا أحد يسأل من تكون. الجميع منشغل بنفسه أو بمن يحب.
جلست تحت شجرة تتدلى منها مصابيح صغيرة ملونة. اشتريت عصيراً من البائع القريب. كانت موسيقى النافورة تصلني خافتة، فآثرت أن أبقى في مكاني، أسمعها من بعيد.
فتحت هاتفي.
نشرت صورة من شارع الحبيب بورقيبة، وكتبت: "صباح اليوم في شارع الحبيب بورقيبة."
ثم نشرت أخرى من مقهى القلعة في سيدي بوسعيد: "ظهر اليوم... قهوة عربية على حافة البحر."
أخذت أتصفح الصور.
واحدة ونحن نصعد درجات المقهى.
كنت أحصيها وأنا أصعد...
ست وخمسون درجة.
هذه الصورة عند الدرجة التاسعة عشرة.
وهذه عند الخمسين.
يومها لم نكتب في رسائلنا أننا صعدنا ستاً وخمسين درجة لنشرب فنجان قهوة، لكن الصورة احتفظت بما نسيته الكلمات.
حين عدت إلى الشقة كانت الساعة تشير إلى العاشرة والنصف ليلاً.
بدأت أصعد السلم.
واحد...
اثنان...
ثلاثة...
أربعة...
توقفت.
جلست على الدرجة الرابعة. فتحت هاتفي، قرأت التعليقات، شربت ما بقي من العصير، وأشعلت سيجارة.
كنت أحدق في الرصيف المقابل، وأحاول أن أقنع نفسي بالصعود.
خمسة...
لا...
أبقى هنا.
أشعلت سيجارة ثانية.
وقبل أن تنطفئ، سمعت وقع خطوات تقترب.
أطفأتها داخل قنينة العصير الفارغة.
رفعت رأسي.
لم أرها أولاً...
رأيت ظلها يسبقها.
أعرف ظلها كما أعرف اسمي.
وقفت أمامي، ونظرت إليّ مبتسمة.
جالس هنا؟
لم أقل شيئاً.
تكفلت عيناي بالإجابة، وفضحتني ابتسامة صغيرة كشفت أنني، رغم كل ما عبرته من حروب وأسفار، ما زلت ذلك الطفل.
مدت يدها، أمسكت بذراعي برفق، وقالت وهي تصعد معي:
خمسة... ستة... سبعة...
كانت تنظر إليّ كأنها لا تعد درجات السلم، بل تعيدني إلى نفسي.
قلت معها:
ثمانية... تسعة...
وحين بلغنا الباب، قلنا معاً، ونحن نبتسم:
عشرة.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (58)
- يوميات الحرب والحب والخوف (57)
- يوميات الحرب والحب والخوف (56)
- يوميات الحرب والحب والخوف (55)
- يوميات الحرب والحب والخوف (54)
- يوميات الحرب والحب والخوف (53)
- يوميات الحرب والحب والخوف (52)
- يوميات الحرب والحب والخوف (51)
- يوميات الحرب والحب والخوف (50)
- يوميات الحرب والحب والخوف (49)
- يوميات الحرب والحب والخوف (48)
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)
- يوميات الحرب والحب والخوف (46)
- يوميات الحرب والحب والخوف (45)
- يوميات الحرب والحب والخوف (44)
- يوميات الحرب والحب والخوف (43)
- يوميات الحرب والحب والخوف (42)
- يوميات الحرب والحب والخوف (41)
- يوميات الحرب والحب والخوف 41
- يوميات الحرب والحب والخوف (40)


المزيد.....




- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (59)