أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (56)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (56)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 15:42
المحور: الادب والفن
    


الطريق إلى ولاية المهدية سهلٌ جداً، والمسافة ليست بعيدة. يشبه الطريق بين الخالص وبغداد، وشوارعه عريضة ومريحة. لم أعد أتابع قراءة اللافتات الجانبية، كما كنت أفعل في المدن التونسية الأخرى. كان المدخل جميلاً، يوحي بأنك توشك على الدخول إلى حضارةٍ تعانق فيها الأزمنة بعضها بعضاً. تتجاور المعالم الرومانية مع آثار الدولة الفاطمية في تمازجٍ لا يتكرر كثيراً.
كانت وقفتنا الأولى عند قصر الجم. سبقنا إلى المكان فوجٌ من السياح، يتقدمهم مرشد يشرح لهم تاريخ هذا الصرح. لم أفهم اللغة التي كان يتحدث بها، وظننتها الفرنسية.
أخذت حنان تترجم لي:
هذا كولوسيوم الجم، ثالث أكبر مسرح روماني في العالم. يعود تاريخه إلى أكثر من ألفي عام، وهو ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو.
قلت لها:
قلتِ إن هؤلاء من فرنسا؟
لا، هؤلاء إيطاليون، يزورون حضارة بناها أجدادهم.
أتجيدين الإيطالية؟
قليلاً، لكن هذه المعلومات أعرفها منذ زمن. لا تنسَ يا حسوني أنني تونسية.
فضلنا أن نسير مع الفوج الإيطالي. كانت وجهتنا "البردج"، الحصن العثماني الكبير الذي يعود إلى القرن السادس عشر. ومن فوق أسواره يمتد البحر لوحةً بانورامية لا يملّها النظر.
نظرت إليّ وقالت:
قف هنا، هذه صورة تجعلك تعيش عصر السلاطين العثمانيين.
تطوع أحد السياح الإيطاليين ليلتقط لنا صوراً من زوايا متعددة. هؤلاء يمنحونك شعوراً بأن العالم أجمل مما نظنه، ويعيشون الحياة بخفةٍ وبهجة.
ثم وصلنا إلى باب زويلة، البوابة الضخمة المؤدية إلى المدينة العتيقة بألوانها البيضاء والزرقاء، وإلى جامعها الفاطمي الكبير. هنا يبدو التاريخ ملكاً للجميع؛ للرومان، والفاطميين، والعثمانيين، ونحن نقف بينهم نلتقط صورنا أمام شواهد الزمن.
قالت لي:
نذهب إلى المرسى يا حسوني، إلى "دار البحر" التي شيدها الفاطميون. الطريق قريب. سترى أحجاراً منحوتة كانت تحمي السفن الحربية. كنا نصنع وسائل قوتنا وحمايتنا بأيدينا، ولا ننتظر من يحميها لنا.
ثم أشارت إلى أحد المارة:
تعال يا حسوني، هذا الرجل سيلتقط لنا صورة. ابتسم... المهدية مدينة هادئة تتنفس الحضارة. التاريخ شيء، والحضارة شيء آخر. في المدارس علمونا أن التاريخ حروب ومعارك، ولم يحدثونا عن السفن، ولا عن المسارح، ولا عن هذا الجمال.
كان السياح الإيطاليون قد غادروا، وربما اتجهوا إلى الشاطئ. روما ليست بعيدة عن هنا.
قالت وهي تشير إلى الجدران:
انظر يا حسوني إلى متانة البناء الروماني وأناقته.
لا يفصلكم عنه سوى البحر.
كنا نلتقط القنوات الإيطالية قبل عصر الفضائيات.
صحيح، ذكرتِني. كنت أقرأ في الصحف التونسية برامج تلك القنوات، ولم أكن أفهم شيئاً منها.
وأنتم، ماذا كنتم تلتقطون؟
لا شيء تقريباً. حتى الدول المجاورة كانت تشبهنا؛ مسيرات عسكرية وأغانٍ للحرب. وحدها البصرة كانت تلتقط البث الكويتي، ومن تلفزيون الكويت شاهدت كأس العالم في المكسيك.
تجاوزت الساعة منتصف النهار، فنظرت إليّ وقالت:
أكيد جعت؟
تقريباً.
دخلنا أقرب مطعم، فوجدنا الإيطاليين قد سبقونا إليه. جلسنا إلى أقرب طاولة فارغة. حملت قائمة الطعام، لكنني لم أفهم منها كلمة واحدة.
ابتسمت وقالت:
نطلب بريك المهدية.
وما هو البريك؟
تحدثت مع النادل، وبعد دقائق وصل الطلب. اكتشفت أن البريك يشبه الكبة العراقية، وإن اختلف الشكل؛ فهو مثلث، بينما الكبة دائرية. وكانت حشوته تمزج بين اللوز ونكهات تجمع الحلو بالمالح، في مذاق جديد يستحق أن يجربه كل مسافر.
أعجبك؟
لذيذ جداً، وكان اختيارك موفقاً.
صحة وهنا يا حسوني.
لأول مرة منذ وصولي إلى تونس أسمع صوت الأذان. كان أذان العصر، هادئاً وخافتاً. اكتشفت أن المسجد لا يبعد سوى أمتار قليلة، وأن الأذان يصدح عبر مكبرات منخفضة الصوت، كأنه يكتفي بأن يصل إلى من يريد سماعه.
لم يبق من بريك المهدية شيء، ولم يبق على الطاولة سوى قارورة ماء فارغة تنتظر سلة المهملات.
غادرنا المطعم، وصعدنا السيارة عائدين إلى القنطاوي. كانت الشمس تميل نحو الغروب، والرحلة أطول مما توقعنا، كما أن التجوال بين الحصون والأسواق القديمة استنزف ما تبقى من طاقتنا.
لم يكن في نيتنا سهر، ولا الجلوس في مقهى على البحر، ولا الاستماع إلى الموسيقى. كان الجسد قد قال كلمته.
دخلنا بصمت. ظل طعم بريك المهدية عالقاً في الفم، وصوت الأذان الهادئ يتردد في الأذن. غسلنا وجوهنا،
نظرت إليّ حنان وقالت:
نام يا حسوني... المهدية ما راح تهرب.
ثم انطفأ النهار فينا، قبل أن ينطفئ في المدينة.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (55)
- يوميات الحرب والحب والخوف (54)
- يوميات الحرب والحب والخوف (53)
- يوميات الحرب والحب والخوف (52)
- يوميات الحرب والحب والخوف (51)
- يوميات الحرب والحب والخوف (50)
- يوميات الحرب والحب والخوف (49)
- يوميات الحرب والحب والخوف (48)
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)
- يوميات الحرب والحب والخوف (46)
- يوميات الحرب والحب والخوف (45)
- يوميات الحرب والحب والخوف (44)
- يوميات الحرب والحب والخوف (43)
- يوميات الحرب والحب والخوف (42)
- يوميات الحرب والحب والخوف (41)
- يوميات الحرب والحب والخوف 41
- يوميات الحرب والحب والخوف (40)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39)
- يوميات الحب والحرب والخوف (37)


المزيد.....




- ديزني تكشف عن كواليس دوبلاج فيلم -Toy Story- للهجة المصرية
- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (56)