أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (58)















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (58)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8756 - 2026 / 7 / 4 - 10:13
المحور: الادب والفن
    


حسين علي الحمداني:
رحلتنا اليوم صوب العاصمة. مسافة طويلة رافقتنا فيها أشجار الزيتون، وقد زُرعت بين مساري الطريق، الذاهب إلى العاصمة والعائد منها. وعلى أبراج الكهرباء العالية كانت أعشاش اللقالق المهاجرة تبني بيوتاً لها في كل مكان، ثم تعود إلى البيت نفسه كل عام.
لم أسألها عن برنامج اليوم، لكنها ستشرحه لي بعد أن تخرج السيارة من آخر أحياء سوسة. ربما كان الطريق يشغلها، رغم أنه لم يكن مزدحماً. هي تختار الانطلاق باكراً، فتربح الوقت والطريق معاً.
هل كانت حقاً، حين كتبت لي أولى رسائلها، في السابعة عشرة من عمرها؟ نعم، كان ذلك عمرها آنذاك. والغريب أنها، في عيني، لم تكبر إلا عاماً واحداً طوال السنوات العشرين التي مضت.
تنظر لي، حسوني... تريد تعرف برنامجنا اليوم؟
لم يخبرني أحد. بما أننا ذاهبون إلى العاصمة، فلا بد أن نرى مزيداً من الجمال.
تعرف كيف تنتقي الكلمات. الوقت ما زال مبكراً، نفطر في شارع الربيع العربي.
قالتها وهي تضحك، وعيناها لا تفارقان الطريق.
نمشي فيه... ونروح باب بحر.
يعني جولة في العاصمة.
العاصمة وضواحيها، حسوني.
توقفنا عند حاجز للعبور. أخرجت حنان بطاقة الاشتراك ودفعت ديناراً تونسياً رسماً للطريق الخارجي، ثم التفتت نحوي وقالت:
لما جينا من تونس إلى سوسة دفعنا أيضاً، لكنك ما انتبهت.
فعلاً لم أنتبه. ما هذا الذي فعلته؟
هذا رسم عبور الطرق الخارجية. دينار واحد للسيارات الصغيرة، ويزيد حسب نوع السيارة.
فهمت... لصيانة الطرق. فكرة جميلة جداً.
أنتم ما تعملون هالشي... أعرف، عندكم بترول.
نعم... لو توافقون، نبادلكم نصف النفط مقابل نصف البحر.
لا يا حبيبي... دع البحر يبقى جارنا.
رنّ هاتفي بصوت رسائل «ماسنجر». فتحته، وكعادتي كانت تحيات الصباح. اخترت «تحديد الكل» ثم «إرسال». ليست رسائل موجهة لأحد بعينه، بل للجميع. وكانت هناك تعليقات كثيرة على الصور التي نشرتها من هذه الرحلة.
توقفنا في محطة وقود، لكنها كانت أقرب إلى كافتيريا صغيرة. شربنا القهوة، ثم أحضرت لي قطعاً صغيرة من البسكويت تذوب في الفم. كانت تعاملني كطفل مدلل.
لذيذ هذا البسكويت، حنان.
تعرف أجمل شيء فيك؟ لا صوتك، ولا شعرك الرمادي، ولا عيناك... أجمل ما فيك الطفل الذي يسكنك.
وهل تعرفين هذا الطفل؟
أعرفه منذ عشرين سنة.
لهذا تنامين مطمئنة على بعد مترين منه.
فعلاً... مطمئنة له. ليلة أمس نظرت إليه وهو نائم. كان متعباً... طفل لعب كثيراً في المهدية. جلست أتأمله وأسأل نفسي: ماذا لو كبر هذا الطفل؟
لن يكبر... صغيرتي.
أعرف يا حسوني. كان مجرد سؤال. لا يمكن لإنسان أن يكتب عن نفسه ليمنحك وهماً. رسائلك لم تكن سوى أنت، وأوراقك تشبهك، ولهذا أنا مطمئنة لك.
بدأت ضواحي العاصمة تلوح أمامنا. حتى مدخلها يشبهها، يحمل من الجمال ما يليق بقرطاج، كأنها تفتح ذراعيها للقادمين.
كانت تعرف الطريق جيداً. وبعد قليل أوقفت السيارة في موقف كبير. سرنا على رصيف عريض ونظيف، لا يفترشه أحد لبيع بضاعته. قرأت لافتة كتب عليها: محطة برشلونة.
قالت:
هذه محطة مترو، تنطلق منها الرحلات إلى جميع ضواحي العاصمة، ووسيلة نقل زهيدة الثمن.
دخلنا شارعاً فرعياً قصيراً. أمسكت بيدي، كعادتها، خشية أن أتيه.
هذا شارع الحبيب بورقيبة. أيام الفرنسيين كان اسمه شارع البحرية. وهذه «المنقالة»... يعني الساعة، مو قديمة، عملوها سنة 1988. تعال نفطر... تحب فطور تونسي وإلا غربي؟
تونسي.
جلسنا في مطعم صغير امتد على الرصيف الواسع. وضع النادل أمامنا طبقاً.
هذا لبلابي. الناس يقولون يؤكل بالشتاء، لكن بما أنك في الشتاء تكون عندك مدرسة، نأكله في حزيران.
حمص مسلوق امتزج بالخبز حتى ذاب فيه. أكلة طيبة، تمنحك نكهة تونس، فلكل بلد طعمه الذي يميزه.
الشارع طويل. التقطنا صوراً أمام البرلمان والسفارة الفرنسية.
قالت:
هذا نزل أفريقيا... أكبر نزل.
كان فندقاً شاهقاً. واصلنا السير حتى وصلنا إلى نهاية الشارع، حيث الجدران الحجرية والقوس الكبير والفضاء المفتوح.
هذه باب بحر. يقولون إن البحر كان يصل إلى هنا، ثم تقلصت مساحته، أو ربما رُدمت أجزاء منه.
في لبنان يردمون أجزاء من البحر لتوسيع اليابسة، لكن ربما الطبيعة هي التي فعلت ذلك هنا.
على جانبي الطريق محلات كثيرة، ومطاعم لا تنتهي. الجميع يقصد هذا المكان. ومن هنا بدأت أحداث الربيع العربي التي كنت أتابعها يوماً على شاشة التلفاز.
هذا شارع ملهم الربيع، حنان.
والله يا حسوني، ما أعرف... كان ربيعاً، لكنه انقلب فجأة.
ضحكت، فقلت:
أنتم محظوظون... الرجل صعد طائرته وقال: باي.
إي... هذه روح تونسية. مو أي زعيم عربي يقبل يصعد طيارته بسهولة.

مررنا بمتجر كبير للملابس المستوردة. كانت الأزياء رسمية وأنيقة، وأكد البائع أنها فرنسية، لكنني لم أفكر في شراء شيء.
في هذا المكان لا تستطيع البقاء في زاوية واحدة. الرصيف نفسه يقودك؛ من متجر إلى آخر، ومن سفارة إلى كنيسة، وبين رائحة الشاورما والعطور والمكياج. كل شيء هنا له رائحة... حتى الرصيف كانت له رائحة تختلف عن الأرصفة التي أعرفها وتعرفني.
كان الشارع يزداد حياة كلما توغلنا فيه. عند أحد الأرصفة وقف شاب يحمل آلة كمان، يعزف مقطوعة هادئة لا أعرف اسمها، لكنني شعرت أنها تعرف المكان أكثر مني. كان المارة يواصلون سيرهم، بعضهم يبطئ خطواته، وآخرون يلقون قطعة نقدية في الحقيبة المفتوحة عند قدميه، ثم يمضون.
توقفت أستمع إليه قليلاً، فأمسكت حنان بيدي وقالت مبتسمة:
في شارع الحبيب بورقيبة، حتى الموسيقى تمشي مع الناس.
وضعت قطعة نقدية في حقيبته، فرفع رأسه نحونا مبتسماً، ولم يتوقف عن العزف. مضينا، لكن صوت الكمان ظل يرافقنا، كأنه جزء من رائحة الشارع، ومن ذاكرته التي لا تغادره.
كانت حنان، بين حين وآخر، تمسك بيدي خشية أن أضيع.
قلت لها آخر مرة:
لن أضيع... عندي رقمك، أتصل بك.
فكرة يا حسوني... أتمنى تتوه وتتصل بي.
تعرفين، أحياناً يتيه الطفل عن أمه، فتقلق وتمتلئ دموعها، وحين تجده تضربه وتعاقبه.
لا... أنا لو تهت ما أسوي «هاكا».
وماذا ستفعلين إذن؟
جرّب... وسترى. هات إيدك، نروح للسيارة. الساعة صارت الواحدة ظهراً... ألم تشعر بالجوع؟
تقريباً... وين الغداء؟
وين؟ في سيدي بوسعيد. وشنو؟ مأكولات بحرية يا حسوني.
هيا إذن... إلى سيدي بوسعيد العالية المطلة على البحر.
تركنا خلفنا محطة برشلونة ومترو العاصمة، والسماء الزرقاء تظللنا. وفي الطريق أشارت بيدها وقالت:
أنظر يا حسوني... علم العراق. هذه السفارة العراقية... قريبة من قصر قرطاج الرئاسي



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (57)
- يوميات الحرب والحب والخوف (56)
- يوميات الحرب والحب والخوف (55)
- يوميات الحرب والحب والخوف (54)
- يوميات الحرب والحب والخوف (53)
- يوميات الحرب والحب والخوف (52)
- يوميات الحرب والحب والخوف (51)
- يوميات الحرب والحب والخوف (50)
- يوميات الحرب والحب والخوف (49)
- يوميات الحرب والحب والخوف (48)
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)
- يوميات الحرب والحب والخوف (46)
- يوميات الحرب والحب والخوف (45)
- يوميات الحرب والحب والخوف (44)
- يوميات الحرب والحب والخوف (43)
- يوميات الحرب والحب والخوف (42)
- يوميات الحرب والحب والخوف (41)
- يوميات الحرب والحب والخوف 41
- يوميات الحرب والحب والخوف (40)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)


المزيد.....




- البعثة الإيرانية: ثقافة الإفلات من العقاب الأمريكية مستمرة ...
- مهاجراني: إقامة جزء من مراسم التشييع في العراق تؤكد عمق الر ...
- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (58)