أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (57)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (57)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8755 - 2026 / 7 / 3 - 18:18
المحور: الادب والفن
    


كم لبثت نائماً؟ لا أدري. كل ما أشعر به أنني استعدت نشاطي. كان الظلام لا يزال يكتسح الفضاء. نظرت إلى ساعة هاتفي؛ الرابعة فجراً. شبعت من النوم، وأحتاج إلى دوش دافئ.
لم أنظر إلى الغرفة حيث ترقد حنان. صوت الماء لن يوقظها. سأحكم إغلاق الباب، وقبل ذلك أضع إبريق الشاي على نار هادئة. تذكرت أنني أمس لم أشرب شاي الفجر إلا مرة واحدة.
كان الماء الدافئ يعيد ترتيب عضلات جسدي. لم أتعب من رحلة المهدية بقدر ما أتعبتني المقارنات التي لا تكف عن ملاحقتي. لكننا نحن أيضاً أبناء حضارة؛ جدنا الأكبر حمورابي أول من شرّع القوانين، وأولى المدارس قامت على هذه الأرض. بابل، وحدائقها، وأسدها، والموصل، وسنحاريب... كلها تركت لنا إرثاً عظيماً. الحروب وحدها ورطتنا، ومنحتنا هوية أخرى.
ظل الماء ورغوة الصابون يمنحانني فرصة للهروب من تلك المقارنات المتعبة. تذكرت أن عليّ شراء هذا النوع من الصابون، غداً سأذهب إلى الجمعية.
أدركت أنني مكثت طويلاً تحت الدوش. أغراني دفء الماء. أغلقت الصنبور، وجفف الخاولي الأزرق قطرات الماء كما اعتاد، بينما كانت أصابعي تمشط شعري، وسحبتني دشداشتي نحوي كأنها تعانقني.
كان الشاي قد نضج. بقيت قطعة كيك واحدة، وكانت تكفيني. ليس هذا فطوراً، بل ما قبل الفطور. والسيجارة تحتاج إلى قطعة كيك وكوب شاي يمهدان لها طريقها بين الأصابع.
كانت الشرفة تناديني. كرسي وطاولة ينتظران رجلاً كان بالأمس يتجول بين ألفي عام من التاريخ.
ألقيت نظرة على حنان النائمة. كان طوق الياسمين يحرسها. لن أوقظها، ولن أعد لها الفطور...
لا... تذكرت الآن.
لقد كتبت لها مرة، في رسالة من نوفمبر 1996، أنني أعددت لها فطوراً صباحياً. يومها ضحكت وقالت: «خيالك واسع يا حسوني.»
لم يكن واسعاً كما ظنت. بل كان قاصراً أمام ما أعيشه الآن.
أتذكر تلك الرسالة جيداً. كان فطورها فيها بسيطاً: كوب حليب من الثلاجة، وبسكويت بطعم الجبن. أما أنا، ففي تلك الأيام، كنت أفطر خبزاً أسمر "يهس"، مع شاي "الوجبة" الخالي من النكهة. لذلك، حين كتبت لها عن ذلك الفطور، لم أكن أصف واقعاً، بل أمنية.
واليوم سأحقق تلك الأمنية.
عندما تستيقظ تلك التي تثق بالمحاربين، وتنام مطمئنة بينهم.
كل المحاربين يشبهونني... أو لعلني تعلمت منهم. كنت أصغرهم، لكنني تعلمت منهم الكثير. ثم جاءت هذه الصغيرة التي يطوق الياسمين عنقها، فعلّمتني أشياء أخرى.
تعرف أن في داخلي طفلاً، فتشتري له البسكويت. وتعرف أن في داخلي مراهقة لم أعشها، فتسمح لي أن ألامس أصابعها عمداً. وهي تعرف أيضاً أن الشاب الذي عرفته بشارب أسود، وشعر أسود، صار اليوم بلا شارب، وشعره أبيض يميل إلى الرمادي، لكنها ما زالت تعاملني كما لو كنت ذلك الطفل نفسه.
تنام مطمئنة، كملكة أوكلت حراستها إلى جيش كامل.
بدأت خيوط الفجر تتنفس في الشارع الذي أنهى عمال البلدية تنظيفه باكراً. ومن الشرفة رأيت شاحنة كبيرة تفرغ حمولتها في الجمعية. كانوا يستقبلون النهار بالعمل.
هؤلاء هم الذين يصنعون الحياة.
احتجت إلى كوب شاي آخر. السيجارة الثانية كان لها مذاق مختلف عن الأولى. ولدي من السجائر ما يكفيني حتى نهاية السفرة، ولا أريد أن أغيّر نوعها.
بدأت الشمس ترسل خيوطها الأولى، وفي الوقت نفسه فتحت حنان عينيها بهدوء.
كنت قد فتحت الثلاجة، ووضعت الحليب على النار، وهيأت البسكويت بطعم الجبن.
سمعتها تقول:
صباح الخير... صحة النوم. شبعت نوم إنت.
صباحك أجمل. نعم، نمت كثيراً.
بعد دقائق جلست في الشرفة.
وضعت أمامها قدح الحليب مع بسكويت الجبن، وجلست أمام كوب الشاي وقطعة الكيك الصغيرة.
نظرت إليّ مبتسمة وقالت:
فعلتها إذن... حققت حلمك، وأفطرتني حليباً وبسكويت.
كان خيالي واسعاً يومها.
الذي يفطر خبزاً أسمر وشاياً بلا طعم، يتسع خياله أكثر من المترفين.
مددت يدي إلى آخر قطعة بسكويت في الطبق.
ابتسمت وقالت:
نصفها فقط... هذا حلمنا معاً، وليس حلمك وحدك.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (56)
- يوميات الحرب والحب والخوف (55)
- يوميات الحرب والحب والخوف (54)
- يوميات الحرب والحب والخوف (53)
- يوميات الحرب والحب والخوف (52)
- يوميات الحرب والحب والخوف (51)
- يوميات الحرب والحب والخوف (50)
- يوميات الحرب والحب والخوف (49)
- يوميات الحرب والحب والخوف (48)
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)
- يوميات الحرب والحب والخوف (46)
- يوميات الحرب والحب والخوف (45)
- يوميات الحرب والحب والخوف (44)
- يوميات الحرب والحب والخوف (43)
- يوميات الحرب والحب والخوف (42)
- يوميات الحرب والحب والخوف (41)
- يوميات الحرب والحب والخوف 41
- يوميات الحرب والحب والخوف (40)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39 ب)
- يوميات الحرب والحب والخوف (39)


المزيد.....




- رسامو الحرب يبدون استعدادهم لإعادة ترميم اللوحة البانورامية ...
- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (57)