أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (61)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (61)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 18:33
المحور: الادب والفن
    


كنت أراجع مقالي الذي سأرسله بعد قليل إلى محرر الجريدة. كتبته قبل السفر، فهناك مقالات تصلح لكل وقت، لأنها لا ترتبط بحدث آني. لهذا، كلما عزمت على السفر، أكتب هذا النوع من المقالات، أخزنه في هاتفي وأرسله في موعده. لا أحب أن أحمل الحاسوب معي في رحلة استجمام، لكنني في الوقت نفسه أريد لعمودي أن يحتفظ بمكانه في الصحيفة.
كانت الساعة تشير إلى السادسة صباحاً. إبريق الشاي جاهز، تناولت فطوري، وحنان لم تكن موجودة؛ غادرت مساء أمس، فلديها أعمالها، وقد منحتني من وقتها أكثر مما تمنيت.
أرسلت المقال إلى المحرر. كلما ضغطت زر الإرسال شعرت أن جزءاً مني يعود إلى بغداد، بينما بقيت أنا هنا، في سوسة، أراقب صباحاً آخر يخرج من البحر. بعد ذلك أخذت أتصفح منشورات الأصدقاء في فيسبوك؛ إعجاب هنا، وتعليق صغير هناك.
قدح الشاي الثاني كان ضرورياً. يمنح السيجارة نكهة مختلفة. التدخين عادة حملتها من الحرب، كما حملت منها أشياء كثيرة لم أخترها. تذكرت كريم، الذي كان يدخن بين حين وآخر، حين سألني مرة:
متى نترك التدخين؟
عندما تنتهي الحرب. ضحك وقال:
إذن سنبقى ندخن.
حتى هذا الشاي الثقيل من موروثات الحرب.
وبين منشور وآخر، قفزت إلى ذهني رحلة الحصول على تأشيرة تونس. في السفارة ببغداد سألوني عن سبب الزيارة. قلت إنها زيارة عادية، لكنهم رفضوا الطلب، وأخبروني أن الأمر يحتاج إلى دعوة من داخل تونس أو صفة رجل أعمال.
خرجت أفكر بالحل الأسهل. ذهبت إلى مكتب السفريات في شارع السعدون الذي اعتدت الحجز عن طريقه. عرفني صاحبه، قلت له:
أريد فيزا تونس، وهذا جوازي. طلب مبلغاً يزيد على ما أعرفه، دفعت من دون نقاش.
بعد أيام قليلة، كان الجواز بين يدي وعليه ختم التأشيرة. شعرت يومها أن المسافة بين بغداد وسوسة أصبحت أقصر من صفحة في جواز سفر.
حجزت رحلة عبر القاهرة، أقضي فيها ليلة ترانزيت، ثم أكمل الطريق.
عندما أخبرت حنان أنني قادم، أرسلت لها صورة التأشيرة، وتذكرة السفر، وموعد الوصول. أردت أن أطمئن قلبها بأن هذا اللقاء لن يبقى حلماً مؤجلاً، وأنها ليست مي زيادة، ولن تكون قصتنا واحدة من القصص التي يلتهمها الانتظار.
بعد وصولي لاحظت أنها قصّت شيئاً من شعرها. سألتها وهي تجمعه:
قصصته؟ قالت مبتسمة:
قليلاً.
ربما خافت ألا تعجبني، بينما كان الأولى بي أن أصبغ شعري أنا، لا أن تغيّر هي شيئاً من نفسها.
كنت قد قرأت مرة أن عين المرأة تبدأ من القلب، فترى الرجل بمواقفه قبل ملامحه، ولذلك تمنحه من الجمال أكثر مما تمنحه العين. أما الرجل، فكثيراً ما يتأخر في رؤية الروح.
رن الهاتف وأنا غارق في حديثي مع نفسي.
بونجور، صديقي.
صباح الخيرات.
حضّر لي كاسة شاي خفيف، أنا في الطريق. تحتاج شيئاً؟
لا، كل شيء موجود.
أوكي... إلى بعد قليل.
كانت الساعة تقترب من العاشرة. أمضيت وقتاً طويلاً أحدث نفسي، وهو حديث أفضل من أن أحدث الجدران.
أعددت الشاي الخفيف كما طلبت.
بعد دقائق، سمعت وقع خطوات أعرفها في الممر. لم أكن بحاجة إلى النظر من ثقب الباب، فقد صرت أحفظ إيقاع خطواتها.
طرقت الباب.
صباح الخير.
يسعد صباحك، الشاي جاهز.
يعيشك حسوني. أفطرت وشربت قهوة، بقي الشاي، قلت نشربه معاً.
جلسنا إلى الطاولة. كوبان من الشاي الخفيف، وصمت مريح بيننا. فتحت التلفاز، وكانت روتانا تعرض "الأطلال" لأم كلثوم.
كانت تمسك قدح الشاي بكلتا يديها، وتتابع الكلمات بعينيها، كأنها تقرأها لأول مرة.
التفتت إليّ وقالت:
تحب هذه الأغنية، حسين؟
قلت:
لا كثيراً.
ضحكت:
علاش هاكا؟
قلت:
لأنني أشعر دائماً أنها أغنية الذين عاشوا هزيمة عاطفية، أو ما زالوا يعيشونها.
أصغت إليّ، فتابعت:
اسمعي... "ربما تجمعنا أقدارنا... ذات يوم بعد ما عز اللقاء..."
ثم قلت:
حتى عندما يمنحهم الشاعر فرصة لقاء جديدة، يجعلهم غرباء، ثم يمضي كل واحد إلى طريقه. لذلك أشعر أنها أغنية تودع الحب أكثر مما تحتفي به.
قالت:
هذه قبل نكسة سبعة وستين، صح؟
عليك نور. ربما لهذا بقيت قريبة من جيل عرف طعم الانكسار.
ابتسمت وسألت:
وأنت... ماذا تسمع لأم كلثوم؟
قلت:
رني على هاتفي.
ضحكت، وأخرجت هاتفها من حقيبتها الصغيرة، واتصلت. تركت الهاتف يرن حتى انطلقت نغمة الانتظار:
"أغداً ألقاك... يا خوف فؤادي من غد..."
وقفت مكانها، ولم تجلس. كانت تبتسم بصمت، وكأن الكلمات تخصها هي. انتهت المكالمة، فأعادت الاتصال مرة أخرى، لتسمعها من جديد.
قلت:
تعالي، اجلسي... أيهما أجمل؟
قالت من دون تردد:
انتظار الموعد.
قلت:
بالضبط... هنا يوجد موعد، وليس فراقاً أبدياً. افتحي التسجيل، واسمعي النهاية.
انساب صوت أم كلثوم:
"وغداً للحاضر الزاهر نحيا... قد يكون الغيب حلواً... إنما الحاضر أحلى..."
ظلت صامتة، تنظر إليّ، ثم إلى البحر خلف النافذة. كانت ابتسامتها هادئة، كأن الأغنية أعادت ترتيب شيء في داخلها.
رفعت كوب الشاي، فرفعت كوبها هي أيضاً.
قالت بصوت خافت، وكأنها تحدث نفسها:
إنما الحاضر... أحلى.
خارج النافذة كان البحر يواصل هديره، وداخل الغرفة شعرت أن الحاضر، لأول مرة منذ سنوات طويلة، صار أجمل من كل ما احتفظت به الذاكرة.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (60)
- يوميات الحرب والحب والخوف (59)
- يوميات الحرب والحب والخوف (58)
- يوميات الحرب والحب والخوف (57)
- يوميات الحرب والحب والخوف (56)
- يوميات الحرب والحب والخوف (55)
- يوميات الحرب والحب والخوف (54)
- يوميات الحرب والحب والخوف (53)
- يوميات الحرب والحب والخوف (52)
- يوميات الحرب والحب والخوف (51)
- يوميات الحرب والحب والخوف (50)
- يوميات الحرب والحب والخوف (49)
- يوميات الحرب والحب والخوف (48)
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)
- يوميات الحرب والحب والخوف (46)
- يوميات الحرب والحب والخوف (45)
- يوميات الحرب والحب والخوف (44)
- يوميات الحرب والحب والخوف (43)
- يوميات الحرب والحب والخوف (42)
- يوميات الحرب والحب والخوف (41)


المزيد.....




- -تساؤلات- مفتوحة على قيم جمالية متنوعة في -الآرت هاوس- بدمشق ...
- تصدّع في الرواية الإسرائيلية.. الاستخبارات رفضت جزم نتنياهو ...
- اختتام مشروع -القطار المسرحي- في موسكو بعد جولة ثقافية شملت ...
- شاهد.. آلة بيع تعرض أعمال فنانين جدد مقابل دولار واحد فقط
- نجاح مؤتمراليوم الواحد الثقافى فى البحيرة بشهادة المشاركين م ...
- بينها كلمة من 55 حرفا.. تعرف على أطول المفردات في اللغة الرو ...
- باسم خندقجي: الأدب في السجن مقاومة والكتابة صمود وتحدّ للسجا ...
- إيران.. عراقجي يكشف في تدوينة عدد الدول الممثلة في جنازة خام ...
- رسام الكاريكاتير اليمني كمال شرف: جئنا إلى طهران للمشاركة في ...
- تقرير: تدهور مفاجئ في صحة الفنان فضل شاكر وأنباء عن إخلاء سب ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (61)