أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (60)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (60)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8757 - 2026 / 7 / 5 - 17:36
المحور: الادب والفن
    


اخترنا الجلوس في الشرفة بعد رحلة العاصمة. كان المساء يهبط ببطء، وتحمل الريح نسمات بحرٍ رطبة تتسلل بين فناجين الشاي. قلت في سري: لهذا ترفض حنان نصف النفط مقابل نصف هذه النسمات. ولو كنتُ مكانها، لفعلتُ الشيء نفسه.
لماذا كنتَ جالساً عند السلم؟
كنتُ أشرب عصيراً، وأدخن سيجارة، وأنتظرك.
لا... كنتَ قلقاً.
من ماذا؟
ربما خفتَ ألا آتي.
لا. لو أردتِ الاعتذار لقلتِ ذلك ببساطة. خوفي الحقيقي كان ألا أصل إلى تونس أصلاً... ألا ألتقيكِ. هذا كان الخوف الأكبر.
ابتسمت وقالت:
باهي... الآن تجاوز هذا الخوف. نحن أفضل حالاً من كثيرين كتبوا لبعضهم سنوات ولم يلتقوا أبداً. نحن معاً منذ ستة أيام، وما زالت أمامنا أربعة أيام أخرى.
قلت وأنا أتأمل البحر:
كنتُ بحاجة إلى هذا اللقاء. أردتُ أن أفرغ ذاكرتي هنا؛ ذاكرة مثقلة بالحرب والجوع والخوف. كنتُ أحتاج روحكِ أكثر مما أحتاج السفر.
وضعت إبريق الشاي على الطاولة وقالت بهدوء:
هكذا هي الدنيا يا حسين. تفرّق لتجمع، وتجمع لتفرّق. أنت لستَ مجرد كاتب. أنت طفل البسكويت، والمراهق الذي تسهو أصابعه، والمحارب، والصديق الذي ظل يوقّع رسائله بكلمة واحدة: المخلص.
لم أكن أرى وجهها، كانت تدير ظهرها وهي تُعدّ الشاي، وكانت خصلةٌ من شعرها ترتجف مع نسمة البحر، كأنها تردد كلماتها. شعرتُ يومها أننا انتصرنا معاً؛ هي على سنوات الانتظار، وأنا على سنوات الحرب.
ناولتني الكأس وقالت:
خذ الشاي يا صديقي.
ضحكت.
صديقي... أول لقب.
بل أول كلمة كتبتُها لك في أول رسالة. وأنت شجاع لأنك جئت.
وأنتِ أيضاً. لولاكِ لكانت هذه مجرد رحلة إلى تونس؛ قهوة في سيدي بوسعيد وصور تذكارية، ثم أعود كسائح. أنتِ التي منحتِ الرحلة معناها.
ضحكت وهي تقول:
قلتُ لك: أنت شجاع... وهذا يكفي.
قاطعتها مبتسماً:
شاي فقط؟
أسرعت إلى الداخل، وعادت بطبق البسكويت وهي تضحك.
كنتِ تخافين من ماذا يا حنان؟
ساد الصمت لحظة، ثم قالت:
كنتُ أخاف ألا نلتقي بعد كل تلك السنوات. كلما سمعت خبراً عن العراق، أو عن الحرب، كنتُ أفزع.
قلت:
تلك ضريبة من يحب العراق. ألم تسمعي كيف كانوا يقولون لنا: "أنت أول عراقي"، في المطعم، وفي القارب، وفي مقهى القلعة بسيدي بوسعيد؟
هزّت رأسها.
حتى أنا. عندما قرأت مقالك في فبراير 1993، ورأيت تحته عبارة: "كاتب عراقي"، توقعت أن أقرأ عن الدمار والحرب. لكنني وجدت محارباً يتغزل بظفائر دجلة، ويحمل في يده رغيفاً ساخناً من تنور أمه.
وهل توقعتِ أن أرد على رسالتك؟
ابتسمت.
بصراحة... لا. قلت في نفسي: كاتب عراقي يعيش في برج عاجي. لكن عندما وصلتني منك ثلاث رسائل دفعة واحدة، عرفت أنك تحترم من يكتب إليك. يومها كنت سعيدة برشا.
وكم رسالة أصبحت لديك؟
ضحكت ضحكة المنتصرين.
أكثر من رسائل جبران لمي زيادة. قبل أسبوع كانت سبعمائة رسالة، أما الآن فلم أعد أعدّها. الرسائل لم تعد تكفي، لهذا انتقلنا إلى أشرطة الكاسيت. يوم سمعت صوتك لأول مرة، كان يرتجف.
ضحكت بدوري.
نعم... كان يرتجف كثيراً. واليوم أشعر أنني عدت إلى زمن الرسائل والانتظار والحلم. ما أجمل أن ينجح الإنسان في تحقيق حلمٍ بدا يوماً مستحيلاً، في زمن كان أصعب منه.
قالت:
أتذكر مقالك: الأصعب من الحب؟ كنت أشعر أنه كُتب لي.
وما زلتُ أحتفظ بكل شيء هناك... عند دجلة.
قالت وهي تنظر إليّ طويلاً:
نحن لم ننجح فقط... نحن نجونا.
نعم... نجونا من الخوف قبل أن ننجو إلى اللقاء.
أطرقت قليلاً ثم قالت:
لهذا، يا حسوني، مهما فعلتُ لن أوفي إخلاصك.
نظرت إلى البحر وقلت:
ما رأيكِ أن نتمشى في القنطاوي؟
أومأت برأسها، حملت حقيبتها الصغيرة، وأمسكت بأطراف أصابع يدي.
خرجنا إلى الممشى. كانت الأضواء تنعكس على صفحة الماء، والمراكب تتهادى بهدوء، فيما كانت رائحة الملح تمتزج برائحة القهوة القادمة من المقاهي. مررنا بعشاق يجلسون على المقاعد الحجرية، وأطفال يطاردون آخر ضحكات المساء. لم نكن بحاجة إلى كلام كثير؛ كانت أصابعنا تتحاور، والبحر ينصت.
سمعتها تهمس:
ت... س... ع...
ابتسمت، وأكملت:
عشرة.
ومضينا، فيما كان الرصيف يبتسم لحلمين وصلا أخيراً إلى موعدهما.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (59)
- يوميات الحرب والحب والخوف (58)
- يوميات الحرب والحب والخوف (57)
- يوميات الحرب والحب والخوف (56)
- يوميات الحرب والحب والخوف (55)
- يوميات الحرب والحب والخوف (54)
- يوميات الحرب والحب والخوف (53)
- يوميات الحرب والحب والخوف (52)
- يوميات الحرب والحب والخوف (51)
- يوميات الحرب والحب والخوف (50)
- يوميات الحرب والحب والخوف (49)
- يوميات الحرب والحب والخوف (48)
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)
- يوميات الحرب والحب والخوف (46)
- يوميات الحرب والحب والخوف (45)
- يوميات الحرب والحب والخوف (44)
- يوميات الحرب والحب والخوف (43)
- يوميات الحرب والحب والخوف (42)
- يوميات الحرب والحب والخوف (41)
- يوميات الحرب والحب والخوف 41


المزيد.....




- من السينما إلى الريشة.. جوني ديب يجدد الجدل حول قيمة -فن الن ...
- مشاهير من هوليوود يهاجمون إدارة ترامب في فيديو بمناسبة عيد ا ...
- قرار بإخلاء البيت العربي بمدريد.. باهرة عبد اللطيف: يأخذون ا ...
- -تساؤلات- مفتوحة على قيم جمالية متنوعة في -الآرت هاوس- بدمشق ...
- تصدّع في الرواية الإسرائيلية.. الاستخبارات رفضت جزم نتنياهو ...
- اختتام مشروع -القطار المسرحي- في موسكو بعد جولة ثقافية شملت ...
- شاهد.. آلة بيع تعرض أعمال فنانين جدد مقابل دولار واحد فقط
- نجاح مؤتمراليوم الواحد الثقافى فى البحيرة بشهادة المشاركين م ...
- بينها كلمة من 55 حرفا.. تعرف على أطول المفردات في اللغة الرو ...
- باسم خندقجي: الأدب في السجن مقاومة والكتابة صمود وتحدّ للسجا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (60)