أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (64)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (64)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8759 - 2026 / 7 / 7 - 15:02
المحور: الادب والفن
    


منذ عدتُ ليلة الأمس كنت بحاجة إلى نومٍ حقيقي؛ سرير، لا أريكة كما اعتدت في الليالي الماضية. لم أشعر بمرور ساعات الليل، وحتى شروق الشمس لم أنتبه له كعادتي. عندما فتحت عيني كانت الشمس قد ارتفعت في كبد السماء، وكانت ساعة هاتفي تشير إلى التاسعة صباحاً.
صعود سلالم المول ونزولها تركا آثارهما في مفاصلي. يبدو أنني كبرت. تذكرت قصيدة عبد الرحمن الأبنودي: "والله وكبرت يا عبد الرحمن."
وضعت إبريق الشاي على نار هادئة، ثم أخذت دوشاً بارداً. لن أخرج اليوم إلى سوق سوسة؛ الأسواق متعبة، والحقيبة ستكون أثقل مما أحتمل، وأنا لا أحتاج إلى شيء.
تحت الماء البارد عادت بي الذاكرة إلى دجلة. كنا نسبح ساعات طويلة، بعضنا يحمل معه قطعة صابون، وآخرون يفركون أجسادهم بطين ضفاف النهر. جربتها مرة، وكان للطين رائحة تشبه خبز التنور الساخن. وحين عدت إلى البيت يومها قالت أمي:
وجهك منوّر. ابتسمت وقلت:
إنه الطين يا أمي.
لم تتصل حنان هذا الصباح. لا بد أنها مشغولة. الخاولي الأزرق يؤدي مهمته، وأصابعي ما زالت تمشط شعري. حتى الدشداشة بدت وكأنها تعاتبني، فقد نمت بها من شدة التعب، وهي الآن تحتاج إلى غسل وكي، لكن ذلك سينتظر حتى أعود إلى العراق.
أعددت فطوري: بيضتان، قليل من الملح، ورشة من زيت الزيتون الذي أهدتني إياه أمها. هي أيضاً صارت أماً لي؛ يكفي أنها كانت تتابع أخبار الحرب بقلق وتسأل حنان عني باستمرار.
أخذت أول رشفة من الشاي وقلت لنفسي:
عاشت إيدي.
خرجت سيجارة من العلبة كأنها تعرف طريقها إلى أصابعي، وتسابق اللهب إلى مقدمتها. ارتفع دخانها الأبيض، يشبه لون دشداشتي.
فتحت هاتفي، وأخذت أعلق على صور الأصدقاء وهم يتوجهون إلى كربلاء لإحياء النصف من شعبان. أعرف قيمة التعليق عندهم، كما أعرف مقدار فرحي حين أجدهم يعلقون على ما أكتب.
رن الهاتف.
عرفت أنها حنان.
قلت في نفسي: لا ترد، دعها تقلق قليلاً.
لكنني أجبت.
صباح الخير حسوني.
صباح النور.
في السوق أنت؟
لا، بالشقة... توّه فطرت.
يعني كنت نايم لحد هسه؟
تصوري... حتى شروق الشمس ما حسّيت بيه.
صحة عليك. أكون عندك بعد ساعة ونصف.
أهلاً بك.
بالحق... سنتغدى سوا.
أأطبخ أنا؟
ضحكت.
لا... أنت فقط تأكل. باي.
باي.
أغلقت الهاتف، وأخذت أخمن ماذا ستجلب معها. ربما دجاجة مشوية كما تقدم مطاعم المدينة. لا يهم، فقد شبعت ببيضتين. تذكرت أيام العمالة، حين كان أصحاب البيوت يقدمون لنا البيض في الصباح لنحمل البلوك بقوة. حتى في الجيش كانوا يقدمونه للجنود قبل الهجوم، وكأن البيضة تمنح الإنسان شيئاً من الشجاعة.
فتحت التلفاز. كان على قناة روتانا زمان كما تركته حنان. تجولت بين القنوات، فوجدت الأخبار تملأ الشاشات، فأعدته إلى روتانا. كان يعرض فيلماً قديماً شاهدته أكثر من مرة، فأطفأت التلفاز.
اقتربت الساعة من الواحدة.
من نافذة الغرفة بدا الشارع شبه فارغ، أما البحر، من الشرفة، فكان يعيد ترتيب النهار من جديد.
وقفت أمام المرآة.
عرفت الرجل الذي ينظر إليّ. كان زميلي في المدرسة، نتسابق دائماً على الدرجة الكاملة، وكان يسبقني أحياناً. ابتسمت له، ثم ابتعدت عن المرآة.
في تلك اللحظة طرقت حنان الباب.
ما هذا؟ ماذا تحملين؟
خذ يا حسوني... ساعدني.
تناولت منها قدراً متوسطاً ملفوفاً بقطعة قماش تحفظ حرارته، بينما وضعت هي كيساً آخر على الطاولة.
لا تفتح القدر الآن.
أخرجت أكبر صحن في المطبخ، ثم أخرجت من الكيس أقراص خبز ساخنة، وقطعتها في الصحن.
ما هذا يا حنان؟
اكتفت بابتسامة.
نزعت قطعة القماش عن القدر، فاندفع بخاره في الغرفة. رفعت الغطاء، فإذا هو مرق بامية.
سكبته فوق الخبز.
بامية؟
منذ أسبوع لم تأكل بامية، أليس كذلك؟ أمس قضيت الليل أشاهد أكثر من فيديو حتى أتعلم طريقتها العراقية... وحتى الخبز حاولت أن يكون قريباً من خبزكم.
قلت لها وأنا أمد يدي إلى الصحن:
هاتي الصحن إلى الأرض... البامية لا تؤكل على الطاولات.
ضحكت.
أوه... هذه نكهة عراقية يا حسوني.
وأنتِ ماهرة في الطبخ.
نظرت إليّ وهي ترفع سبابتها قرب أرنبة أنفها الماسي، كأنها تقول: "إإإش..."
وبينما كنا نأكل، لامست أصابعي أصابعها سهواً، كما يحدث في كل مرة، فابتسمت... وتركت أصابعها مكانها لحظة أطول من المعتاد.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (63)
- يوميات الحرب والحب والخوف (62)
- يوميات الحرب والحب والخوف (61)
- يوميات الحرب والحب والخوف (60)
- يوميات الحرب والحب والخوف (59)
- يوميات الحرب والحب والخوف (58)
- يوميات الحرب والحب والخوف (57)
- يوميات الحرب والحب والخوف (56)
- يوميات الحرب والحب والخوف (55)
- يوميات الحرب والحب والخوف (54)
- يوميات الحرب والحب والخوف (53)
- يوميات الحرب والحب والخوف (52)
- يوميات الحرب والحب والخوف (51)
- يوميات الحرب والحب والخوف (50)
- يوميات الحرب والحب والخوف (49)
- يوميات الحرب والحب والخوف (48)
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)
- يوميات الحرب والحب والخوف (46)
- يوميات الحرب والحب والخوف (45)
- يوميات الحرب والحب والخوف (44)


المزيد.....




- -اشمعنى عمرو دياب وأحمد سعد؟-.. روبي تشارك ابنتها طيبة الغنا ...
- من -كولبنكيان- إلى -الشواكة-.. بغداد تسترد ألوانها وتتحدى سن ...
- -مجانين كتب-.. وصفة مصرية للتشجيع على القراءة
- -العيشة بقت تقصر الزعنفة-.. فنانون مصريون ينضمون لترند -شكاو ...
- يوغا وساري ورسومات بالحناء.. ألوان الهند تملأ موسكو (صور)
- أبعد من هتلر وستالينغراد.. -الدحيح- يعرض الرواية الآسيوية لل ...
- هل تعود ميغان ماركل إلى التمثيل مجدداً؟.. مراسلة CNN تكشف ال ...
- سناء شعلان: الكلمة لا تواجه الصاروخ.. ومعظم مثقفينا انتهازيو ...
- -شاهدنا هذا الفيلم من قبل-.. وزير خارجية إيران يرد -ساخرا- ع ...
- مسرح غوركي للفنون يستضيف حفلا لأغاني وقصائد يسينين


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (64)