أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (62)















المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (62)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8758 - 2026 / 7 / 6 - 11:57
المحور: الادب والفن
    


كان نهار اليوم السابع من الرحلة قد انتصف، ففضلت أن نتناول الغداء في مطاعم القنطاوي. لم يكن المكان بعيداً، نستطيع الوصول إليه مشياً. اخترنا مطعم لانوفا مارينا المطل على مرسى القنطاوي، حيث تمتزج الأكلات التونسية بأطباق البحر المتوسط. أغلب المطاعم هنا تراعي أذواق السائحين، لذلك لا تنتظر أن تجد كباباً عراقياً أو سمكاً مسكوفاً. تركت لها حرية الاختيار.
قالت وهي تتصفح قائمة الطعام:
أنت أكلت الكسكسي بالعلوش، ثم بالدجاج... الآن جاء دور السمك.
اختيار صائب جداً، هكذا نكمل ثلاثية الكسكسي.
اقترب النادل، وكان يجيد أكثر من لغة. تحدثت معه حنان بالفرنسية، ثم عاد بعد دقائق يحمل قناني الماء البارد، لكنه ظل ينظر إليّ وكأنه يحاول أن يخمن: هل هذا من أبناء المهاجرين في فرنسا؟
ابتسمت وقلت:
لماذا لم تكلميه بالعربية؟
ربما يستغربون ذلك... ثم إن شكلك فرنسي.
ضحكت.
أبدو من الجيل الثاني للمهاجرين إلى فرنسا؟
ممكن... يمكنك أن تدخن، فالطعام يحتاج نصف ساعة. هل تشرب عصيراً؟
قبل الأكل؟
أنتم تشربونه بعد الأكل، لكن لا شيء يمنع أن نشرب عصيراً، خصوصاً أنها عزومة منك.
صوت ضحكتك يُسمع من بعيد... اطلبي العصير.
تحدثت مع النادل مرة أخرى بالفرنسية، فعاد ينظر إليّ بالطريقة نفسها.
قلت:
هذا المكان جميل... كيف اكتشفته؟
قبل ليلتين مررنا من هنا. بقي عالقاً في ذهني. أحياناً المكان هو الذي يجذبك.
قلت ضاحكاً:
بالحق... لما أغداً ألقاك أفضل من "اللي ما تسماش الأطلال".
ابتسمت وقالت:
دائماً يوجد غد، أما الأطلال فتبقى ثابتة. ليس من المعقول أن نظل محجوزين داخلها.
قلت:
فهمت قصدك... الأطلال بقايا حطام، أليس كذلك؟
قالت:
واللحظات الجميلة ليست أطلالاً، بل تتحول إلى ذاكرة نجاح وفرح.
قلت:
نعم... الفرح أيضاً يصبح ذاكرة.
قالت:
ولهذا هناك ذاكرة يخاف الزهايمر أن يقترب منها؛ لأنها تحفظ نفسها بلحظات السعادة.
ثم دفعت كأس العصير نحوي وقالت:
اشرب عصيرك.
قلت:
يبدو أنه صار من المقبلات.
ضحكت:
يفتح الشهية... مع أن الجوع يبقى أفضل المقبلات.
قلت:
دائماً لديك قراءة مختلفة للأغاني والأفلام.
قالت:
لأن المشاهدة أكثر من مرة، والسماع أكثر من مرة، يكشفان زوايا جديدة.
ثم أضافت:
أنا أيضاً تركت كثيراً من مطربي هذه الأيام. أحب أفلام الأبيض والأسود، قصصها بسيطة وجميلة، ليست مثل أفلام هذه المرحلة، لا تفهم منها شيئاً، ولا مثل الأغاني السريعة التي أصبحت فوضى موسيقية.
قلت وأنا أستمع إلى الموسيقى المنبعثة بهدوء في أرجاء المطعم:
اسمعي... هذه الموسيقى تشبه البحر، وتليق بالغداء.
وصل النادل يحمل الطبق. نظر إليّ مرة أخرى، كأنه يعرفني، ثم وضع الطعام وانصرف.
كان الصحن أشبه بلوحة ملونة. بعض قطع السمك الطرية تدعوك لأن تتناولها بأطراف أصابعك. لم أشعر بأي حرج؛ هنا لا أحد يراقب أحداً. حتى حنان كانت تأكل بالطريقة نفسها.
رفعت رأسها نحوي، وكأنها تريد أن تقول شيئاً. وضعت سبابتي عند أرنبة أنفي وهمست:
إإش...
ابتسمت، وعدنا إلى الصمت. بعض الوجبات اللذيذة لا تحتمل الكلام.
بعد أن انتهينا، كان غسل اليدين ضرورة لا مجرد عادة. في زاوية المطعم مغاسل نظيفة، وصابون تفوح منه رائحة جميلة، هي نفسها التي لفتت انتباهي بالأمس. كنت أحمل منديلاً قماشياً في جيبي، لكنني فضلت استخدام مناديل المطعم المعطرة.
سبقتني حنان إلى المغسلة، وتركت لي حرية "التشطيب" على ما تبقى في الصحن.
عندما عدت إلى الطاولة، شربت آخر جرعة من الماء. جاء النادل ووضع ورقة الحساب، مشيراً إلى أن الدفع يكون عند الطاولة القريبة من مدخل المطعم.
كانت الساعة تقترب من الثالثة بعد الظهر، والحرارة تملأ المكان.
قالت:
أول شيء نفعله عندما نصل... نعمل شاي. هذه الوجبة تحتاج إلى شاي يهضمها.
قلت:
إي والله... الشاي مطلوب يا حنان.
وحين دخلنا الشقة، كانت تسبقني مباشرة إلى إبريق الشاي، كأنها تعرف أن أجمل خاتمة لهذا النهار ليست القهوة، ولا العصير... بل كوب شاي ساخن.

كان الجو بارداً داخل الشقة. نظرت إليّ وقالت:
ارتح قليلاً، سأذهب مشواراً وأعود قبل الغروب.
حسناً.
لم أكن بحاجة إلا لأن أمدد جسدي على السرير في تلك الغرفة الباردة. لا بد أن الحرارة في العراق تجاوزت الآن الأربعين، وربما بلغت منتصف الأربعينيات، والكهرباء، على الأرجح، مقطوعة. لم أشأ أن أقارن؛ فالمقارنات كثيراً ما تتعبني.
رنّ هاتفي.
افتح لي الباب.
حاضر.
أسرعت وفتحت لها الباب، وسألتها:
هل نسيتِ شيئاً؟
لا، فقط قررت ألا أذهب الآن، ربما أخرج مساءً.
جميل جداً.
ابتسمت وقالت:
عندكم الآن الجو حار جداً، أليس كذلك؟
تقريباً خمس وأربعون درجة.
كم؟
كما سمعتِ يا صغيرتي، وهذه درجة "كويسة"، ففي بعض الأيام تصل إلى خمسين.
هزّت رأسها وقالت:
وكيف تتحملون ذلك؟
بالتبريد... إذا جاءت الكهرباء. أما إذا انقطعت، فالناس يشربون الشاي، ويدخنون، ويمسحون عرقهم، ثم يجلسون إلى مائدة الغداء وفيها بامية وثريد، وكأن شيئاً لم يكن.
ضحكت وقالت:
تحب البامية يا حسوني؟
أموت عليها.
ومنذ أكثر من أسبوع لم تأكلها.
لا يهم، أكلت ثلاثية الكسكسي، وتذوقت أكلات تونسية لذيذة.
لكل بلد أكلاته التي تشبهه.
لهذا أحب السفر؛ أغيّر الجو، وأتذوق طعام الناس، وأتسكع في المدن أكثر مما أزور المعالم.
ابتسمت وهي تقول:
لم تقل لي في التسعينيات إن السفر هوايتك.
في التسعينيات يا حبيبتي، لم يكن أغلب العراقيين يحلمون بالسفر، بل كانوا يبحثون فقط عن طريقة يعيشون بها.
كان الحصار... والعملة... وكل شيء صعباً.
أخرجت هاتفي وقلت:
انظري، هذا صديق من الخالص نشر صورة لدرجة الحرارة عندهم.
نظرت إلى الشاشة وقالت:
الله الغالب... لكنك الآن في جو بارد. دقيقة... وهذا صديقك الآخر، صورته وهو يمشي.
نعم، غداً النصف من شعبان.
ذكرتني. عندنا أيضاً طقوس لهذه المناسبة، تختلف عن طقوسكم، لكنها موجودة. الناس يطبخون أكلات خاصة، والأطفال يمرحون ليلاً، وبعضهم يذهب إلى الصلاة.
ثم نظرت إليّ وقالت:
أنت حدثتني عنها مرة، لكنك كنت تتكلم بحذر، كأنك تخشى رقيباً. يذهب الناس مشياً؟
كثيرون يذهبون مشياً، وآخرون بالمواصلات.
وأنت؟
مرات قليلة أمشي جزءاً من الطريق، ثم أركب سيارة.
أنتم شعب عاطفي برشا.
ابتسمت وقلت:
ليست عاطفة فقط. شعب أتعبته الحروب والظلم عبر قرون، فصار يبحث دائماً عن الخلاص. بالنسبة للكثيرين، هي مسألة عقيدة وأمل معاً.
ناولتني كوب الشاي وقالت:
الآن أرى المسيرات كبيرة، والدولة تحميها.
نعم، بعد أن كانت ممنوعة في سنوات سابقة، أصبحت تقام بحرية، والدولة تتولى حمايتها.
هذا أمر جيد.
هو جيد، لكن الأجمل أن تقوم الدولة بواجبها في تحقيق العدل، حتى لا يبقى الناس ينتظرون مخلّصاً يرفع عنهم الظلم.
ربما... تكون الحكومة أحياناً مثل زوجة الأب.
ضحكت من قلبي.
قلت:
حتى المسؤولون يمشون مع الناس أحياناً؛ وزراء، وربما رئيس الوزراء نفسه.
كل العالم ينتظر منقذاً، أليس كذلك؟
نعم، لأن الناس تبحث عن العدل أكثر مما تبحث عن أي شيء آخر.
ونحن النساء نطالب بالمساواة.
أظن أن العدل أوسع من المساواة.
كيف؟
لأن المساواة قد تعني توزيع الأشياء بالتساوي، أما العدل فيعني أن يأخذ كل إنسان ما يستحقه.
إذن المساواة قد تكون وسيلة، أما الغاية فهي العدل.
لهذا احبك لأنك تبحثين عن المعنى قبل الكلمات
ثم قلت ضاحكاً:
تذكرت فيلم عادل إمام وشيرين عندما كانا يقسمان المال بالتساوي.
ضحكت هي الأخرى.
ثم سألت:
لو كنت الآن في العراق، هل كنت ستذهب مشياً؟
وحدي؟ ربما بالسيارة... أما إذا كنتِ معي، فسأمشي الطريق كله.
ضحكت وقالت:
في حرارة فوق الأربعين؟ أموت يا حسوني.
ضحكت أنا أيضاً.
في تلك اللحظة، أخذ هاتفي على الطاولة يطلق إشعارات الماسنجر تباعاً. نظرت إليه سريعاً، فلم تكن سوى تحيات صباح متأخرة ورسائل عادية من أصدقاء في العراق. تركته مكانه، وعدت إليها. كانت الدقائق التي تجمعنا أثمن من أي رسالة يمكن أن أنتظرها.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (61)
- يوميات الحرب والحب والخوف (60)
- يوميات الحرب والحب والخوف (59)
- يوميات الحرب والحب والخوف (58)
- يوميات الحرب والحب والخوف (57)
- يوميات الحرب والحب والخوف (56)
- يوميات الحرب والحب والخوف (55)
- يوميات الحرب والحب والخوف (54)
- يوميات الحرب والحب والخوف (53)
- يوميات الحرب والحب والخوف (52)
- يوميات الحرب والحب والخوف (51)
- يوميات الحرب والحب والخوف (50)
- يوميات الحرب والحب والخوف (49)
- يوميات الحرب والحب والخوف (48)
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)
- يوميات الحرب والحب والخوف (46)
- يوميات الحرب والحب والخوف (45)
- يوميات الحرب والحب والخوف (44)
- يوميات الحرب والحب والخوف (43)
- يوميات الحرب والحب والخوف (42)


المزيد.....




- ليلة -إيفان كوبالا- التاريخية.. طقوس الماء والنار والأساطير ...
- فنان مصري يعترف بتعاطيه المخدرات ويكشف عن فترة صعبة
- بمشاركة فنانين وسياسيين وحقوقيين.. بيان من لجنة الدفاع والتض ...
- الفنان فضل شاكر يغادر المستشفى العسكري بعد استكمال فحوصاته ا ...
- صيف يفيض بالمتعة.. فعاليات ثقافية نابضة بالحياة في موسكو خلا ...
- ما تبقى منكم ..؟! فيلم مدهش يصور هوية و ذاكرة الانسان الفلسط ...
- -جزء من الثقافة الجماهيرية-.. خبير روسي يعلق على دعوات حظر م ...
- شاهد.. في غزة كتب ناجية من الحرب والأنقاض تغدو مكتبة في خيمة ...
- تطورات جديدة في قضية إيجي إرتيم.. تقرير أولي يستبعد العنف وا ...
- البالالايكا.. كيف تحوّلت آلة الفلاحين إلى أشهر رموز الموسيقى ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (62)