أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (66)














المزيد.....

يوميات الحرب والحب والخوف (66)


حسين علي الحمداني

الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 13:03
المحور: الادب والفن
    


هذا هو اليوم قبل الأخير من الرحلة.
كانت ليلة الأمس جميلة في المسرح البلدي. موسيقى، وأغانٍ من التراث التونسي، وأزياء شعبية تحمل ذاكرة المكان. وأنا أتابع العرض أدركتُ لماذا يبدو هذا الشعب أكثر هدوءاً. فالموسيقى والمسرح والفنون ليست ترفاً، بل أدوات خفية تعيد تشكيل مزاج الإنسان وتربي حساسيته.
قالت لي حنان إن دروس الموسيقى والرسم والألعاب في المدارس تُعد من أهم الدروس، فمنها تبدأ ملامح شخصية التلميذ الصغير.
أعادني كلامها إلى صيف عام 2005، حين شاركت في دورة تربوية في بغداد، وكان أحد المحاضرين قادماً من لندن. يومها تحدث مطولاً عن أن بناء الإنسان يبدأ في السنوات الأولى من عمره، لا بعد أن يكبر.
حاولت فيما بعد أن أطبق شيئاً من تلك الأفكار، لكنني لم أجد من يتقبلها. حتى كثير من الآباء كانوا يرون الموسيقى والرسم مواد لا قيمة لها.
وكيف يمكن أن تزدهر الفنون في مدارس توشك أن تسقط من شدة التقادم؟ أغلب مدارس العراق شُيدت في العهد الملكي أو في زمن عبد الكريم قاسم. مبانٍ متآكلة، وصفوف مكتظة، والمرسم اختفى، وساحات الرياضة لا تصلح حتى للمشي، والجدران تلتهمها الرطوبة.
أُغلقت مسارح كثيرة، وتراجعت الموسيقى، وحين يغيب الجمال، يجد العنف مكانه بسهولة؛ يبدأ داخل الأسرة، ثم يمتد إلى الشارع، حتى يكاد يصبح هوية.
حين عدنا بعد منتصف الليل قالت لي:
اذهب إلى البيت، وسأعود في التاسعة صباحاً.
لم أسألها عن برنامج اليوم. هي تتولى ترتيب كل شيء.
أعددت لنفسي شايًا وبعض البسكويت، وتذكرت فجأة مؤيد البدري. كم كان صاحب ذوق رفيع حين اختار موسيقى «حلاق إشبيلية» مقدمة لبرنامج «الرياضة في أسبوع». أعرف كثيرين كانوا ينتظرون بداية البرنامج ليستمعوا إلى الموسيقى قبل أن يشاهدوا الرياضة.
وضعت لفيروز أغنية «نسم علينا الهوا»، وجلست في الشرفة. كوب شاي، وبسكويت، وشوارع ما زالت فارغة، فيما كانت الشمس تنشر خيوطها الأولى فوق البحر.
أخذتني الذاكرة إلى بيتنا القديم.
كنا في الصيف ننام فوق السطح. كان واسعاً، تغطيه طبقة من الطين المصقول تعزل الحرارة. لكل واحد منا سريره؛ بعضها من الحديد، وبعضها من جريد النخيل، وكان الأخير أكثر برودة. كنا عشرة إخوة. قبل الغروب نفرش أسرّتنا ثم ننزل، وحين نصعد ليلاً نجدها قد بردت.
كنت أستلقي وأبدأ بعد النجوم، ولم أصل مرة إلى المئة. كان النوم يسبقني دائماً.
كانت أمي تضحك وتقول:
لا تعد النجوم... يصير بيدك فالول.
انقطعنا عن تلك العادة مع حرب الثماني سنوات، ثم تغيرت السطوح نفسها، وصارت من الكونكريت.
أتساءل دائماً: لماذا يتنكر البشر للطين؟ عندما ترش الماء على سطحه، تفوح رائحة الأرض، وكأنها تتنفس.
سكبت كوب شاي آخر.
جلست في الشرفة المطلة على البحر، وقلت في سري:
كم أنا مدين لكِ، صغيرتي الجميلة. كان بإمكاني أن أقيم في أي فندق من فنادق سوسة أو القنطاوي، وربما لا أحظى إلا بنافذة ضيقة، أما أنتِ فقد اخترتِ لي شرفة يحتضنها البحر كله.
رن الهاتف في الصالة.
صباح الخير.
صباح النور.
صحوت؟
نعم. شربت الشاي، وأنتظرك.
بعد قليل وصلت.
صباح الخير.
صباح النور.
جميل... جهزت نفسك.
نعم.
هيا إلى سوق المدينة الذي لم تزره أمس.
سوق سوسة؟
نعم... هيا يا حسوني، بسرعة. خذ علبة السجائر والولاعة... سبعة... ثمانية... تسعة... الرصيف.



#حسين_علي_الحمداني (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- يوميات الحرب والحب والخوف (65)
- يوميات الحرب والحب والخوف (64)
- يوميات الحرب والحب والخوف (63)
- يوميات الحرب والحب والخوف (62)
- يوميات الحرب والحب والخوف (61)
- يوميات الحرب والحب والخوف (60)
- يوميات الحرب والحب والخوف (59)
- يوميات الحرب والحب والخوف (58)
- يوميات الحرب والحب والخوف (57)
- يوميات الحرب والحب والخوف (56)
- يوميات الحرب والحب والخوف (55)
- يوميات الحرب والحب والخوف (54)
- يوميات الحرب والحب والخوف (53)
- يوميات الحرب والحب والخوف (52)
- يوميات الحرب والحب والخوف (51)
- يوميات الحرب والحب والخوف (50)
- يوميات الحرب والحب والخوف (49)
- يوميات الحرب والحب والخوف (48)
- يوميات الحرب والحب والخوف (47)
- يوميات الحرب والحب والخوف (46)


المزيد.....




- بطرس وفيفرونيا.. قصة الحب التي أصبحت عيد العائلة والوفاء في ...
- وفاة العازف التاريخي لأم كلثوم
- موقع التصوير هذا يقف وراء الكثير من أفلام الغرب الأمريكي.. ه ...
- الراب يربح الرهان.. -آيس جيرجيرت- النجم الأكثر شعبية في روسي ...
- تساؤلات حول شرعية التمثيل... الناخبون أقلية في كانتون بازل- ...
- رئيس اللجنة الأمريكية للفنون الجميلة: إنجازات الراقصين الأمر ...
- رومانسي- كوميدي.. إطلاق الإعلان الترويجي لفيلم -أحبك من زمان ...
- -باك رومز-.. من أسطورة رقمية إلى ظاهرة سينمائية
- من الحرب إلى الأرشيف الحي.. -احكيلي يا جنوب- يوثق ذاكرة لبنا ...
- مصر: استقالة وزيرة الثقافة بعد حكم نهائي ضدها في قضية الملكي ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - حسين علي الحمداني - يوميات الحرب والحب والخوف (66)