أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: هواجس الليل














المزيد.....

قصة قصيرة: هواجس الليل


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8760 - 2026 / 7 / 8 - 09:49
المحور: الادب والفن
    


تركت نوافذ حجرات قلبها مشرعةً له وحده، لابنها الذي ربما أُخذ منها عنوةً، وربما أخفته طرقٌ لا تعيد العابرين. كانت تتلوّى بألف احتمال واحتمال، تنتظر معجزةً تتسلل من شقوق الغيب، أو بشارةً صغيرة تهبط على كتفيها كحمامةٍ أرهقها التحليق.
أيامٌ طويلة وهي تسكن بين يقينٍ مكسور وأملٍ يتكئ على الوهم. حتى عقارب الساعة بدت لها وكأنها لا تشير إلى الزمن، بل إلى دائرةٍ مغلقة تدور فيها الذكريات، فتعود كل لحظة إلى بدايتها، كما يعود الطائر الجريح إلى عشه الخالي.
كان معها وليس معها. تتشمم رائحة ثيابه العالقة في أركان الغرفة، فتتوهم أن خطواته ما زالت تحفظ الطريق إلى الباب. تتحسس وسادته، وتعيد ترتيب أشيائه الصغيرة، كأنها تحاول أن تخدع الغياب بملامح الحضور.
تركوها معلقةً بين الخيبة والانكسار، بين بابٍ موارب للرجاء وجدارٍ عالٍ من الصمت. تتلمس مكانه إلى جوارها، لعلّه انقلب أثناء نومه، لعلّه اختبأ في زاوية من الحلم ولم ينتبه أحد. تفتح عينيها بصعوبة، فلا تجد سوى الفراغ ممدداً إلى جانبها، عندها تدرك أن ما رأته لم يكن حلماً، وأن الحقيقة أكثر قسوةً من كل الكوابيس.
تنهار من جديد، ثم تنهض، ثم تنهار، وكأن روحها موجةٌ تتكسر على صخور لا تراها.
بعد دقائق تتلفظ بتراتيل مبعثرة، كلماتٍ لا تعرف من أين جاءت، كأنها أوراق خريف اقتلعتها ريحٌ بعيدة. تحاول أن ترفض الانكسار، أن تغلق أبواب الجنون قبل أن يعبر إليها، لكن الهذيان كان يتسلل من بين أصابعها كما يتسرب الماء من كفّ عطشى. همست لنفسها:
- مهلاً أيها القلب... مهلاً. لقد عهدتك صبوراً، فلا تستعجل القرار، ولا تعشق العتمة والانزواء، ولا تجعل الليل وطناً للأحزان. لا ترتدِ جبة الصمت كل مساء، ولا تغلق نوافذ الأحلام في وجه الفجر. ما زالت في السماء نجمة لم تنطفئ، وما زالت في الروح قطرة ماء تقاوم هذا القحط الطويل.
لكن الصبر كان شوكاً ينبت في حقول الشوق، كانت تسمع صوته في أكثر من مكان. يخرج من الجدران، من الأبواب، من صرير الخشب، ومن الظلال المعلقة على أطراف الغرفة. كل زاوية كانت تحمل شيئاً منه، وكل شيء كان يوقظ شيئاً فيها.
وفجأةً، ارتعشت روحها، صوتٌ قادم من العتمة، صوتٌ يشبهه، صوتٌ يناديها:
- يا أماه...
حاولت أن تجيب، لكن الكلمات انعقدت في حلقها، وارتطم صوتها بجدارٍ خفي. مدت يديها نحوه، غير أن الصدى كان يبتعد كلما اقتربت منه، كأنه زورقٌ صغير تدفعه أمواج الضباب إلى عرض بحرٍ لا شواطئ له، لذا أخذت تصرخ:
- ولدي... أين أنت؟
فلم يجبها سوى الفراغ، عندها دوّى جرس الوحدة في أعماقها. ارتجفت روحها خوفاً ووجلاً. كان لها شمساً تضيء منافذ اليأس، وشمعةً صغيرة تهزم جيوش الظلام. كانت تبحث عن طريقٍ تعود منه إلى نفسها، تحاول أن تمزق أوراق الذكريات، وأن تدفن أسماء الأحزان تحت تراب النسيان، لكن الذكريات كانت كالجذور العتيقة؛ كلما اقتلعت واحدةً منها، نبتت عشرٌ في مكانها، عبثاً حاولت أن تستنهض ما تبقى من قوتها، عبثاً حاولت أن تعيد ترتيب خرائط روحها. فقدت بوصلتها، وتبعثرت الجهات من حولها، حتى بدا الليل غابةً لا تعرف مخارجها.
عاد إليها الهذيان مرةً أخرى، وعاد معه ذلك الصوت البعيد، صوتٌ يشبه رفرفة جناحٍ في آخر السماء، صوتٌ يشبه نداءً غارقاً في الضباب. فهمست وهي تحدق في النافذة حيث كانت نجمة وحيدة تقاوم السحب:
- الليـل يا ولدي لا يعترف إلا بالحروب التي تدور بين الأضلع.
ثم سكتت. وبقيت النجمة معلقةً في البعيد، لا تقترب ولا تغيب، أما الريح، فكانت تمر كل حين قرب النافذة، تحرك الستارة برفق، وكأنها تحمل رسالةً لم تكتمل بعد.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: وسطُ الزِحام
- قصة قصيرة: على أعتاب الغيب
- قصة قصيرة: المكيدة
- قصة قصيرة: إنسانٌ يمنعني
- قصة قصيرة: ظلان
- قصة قصيرة: الفجرُ الجديد
- قصة قصيرة: هذيان
- قصة قصيرة: خدوش المرآة
- قصة قصيرة: ثقبٌ في جدار المخزن
- قصة قصيرة: بين الوهم والنجاة
- قصة قصيرة: على حافة الانتظار
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد


المزيد.....




- من عمرو دياب إلى الشامي وتوليت.. كيف تغيرت صناعة النجم في ال ...
- -حذر زواره وأصدر مرسوما جديدا-.. لماذا أعلن ترمب الحرب على ا ...
- ألمانيا.. مديرة مهرجان -بايرويت للموسيقى- تحذر من الانزلاق ن ...
- الموت يُغيّب فيلسوف الموسيقى العراقية فاروق هلال
- بيت المدى يستذكر شاعر القصة وراهب المسرح جليل القيسي
- حين يحرر التلفزيون كلام السلطة.. صراع الرواية الرسمية في إير ...
- رسميا.. الاتحاد المصري يعلن عن الأندية الممثلة لمصر في دوري ...
- متحف-محمية بيترغوف يطلق عرضا صوتيا يروي تاريخ حديقة ألكسندري ...
- فندق -أم كلثوم- في -بغداد- إلى الإزالة وتعهد بالحفاظ على هوي ...
- الرواية... السلاح الآخر للاستعمار


المزيد.....

- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: هواجس الليل