أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: على حافة الانتظار














المزيد.....

قصة قصيرة: على حافة الانتظار


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8751 - 2026 / 6 / 29 - 08:36
المحور: الادب والفن
    


يجلس في غرفة الاستقبال الواسعة هروباً من رتابة ظهيرة صيفية ملتهبة. ينساب إليه هواء بارد من مبردة حديثة ذات شاشة رقمية وسرعات متعددة لم يألفها من قبل، فهو ابن زمنٍ كانت فيه المبردات لا تعرف سوى سرعة واحدة، كأنها تشبه حياة أصحابها التي لا تملك خياراً سوى المضي إلى الأمام.
ومع تدفق ذلك الهواء المنعش، أخذ ينسى حرارة الخارج شيئاً فشيئاً، وينسى معها معاناة الناس التي تتكرر كل صيف. انعزل عن العالم، فلم يبق معه سوى حزنه القديم؛ ذلك الرفيق الذي لم يخنه يوماً، حتى غدا أكثر الأشياء ثباتاً في حياته. كان أشبه بمن يرقص فوق جثة حلمٍ يعرف أنه مات، لكنه يصر على إنكار موته.
وفجأة انقطع التيار الكهربائي.
لم يكن الأمر جديداً عليه، بل ربما صار من أكثر الأشياء اعتياداً في حياته، ومع ذلك كان كل انقطاع يوقظ داخله اضطراباً دفيناً، ويبعث في نفسه موجة من التذمر لا يستطيع مقاومتها. وكأن الكهرباء لم تعد مجرد خدمة، بل أصبحت الحاكم الفعلي لمزاجه، والمتصرف الخفي بأعصابه وأوقاته.
راح ينتظر صوت مولد الاشتراك، ذلك الصوت الذي طالما كرهه وأحبه في آنٍ واحد. وما إن بدأ هديره البعيد يتسلل إلى المكان حتى عاد الهدوء تدريجياً إلى روحه، وانحسر التوتر الذي استولى عليه قبل دقائق.
لكن شيئاً مختلفاً حدث في تلك الظهيرة.
فعلى غير عادته، لم يطوِ صفحة الانقطاع بمجرد عودة التيار. بقيت الفكرة عالقة في ذهنه كشوكة صغيرة يصعب انتزاعها. ولأن للإنسان ذاكرة بعيدة وأخرى قريبة، ولأن الحاضر كثيراً ما يستدعي الماضي حين يثقل على الروح، وجد نفسه ينساب نحو سنوات بعيدة، نحو زمن كان ينظر فيه إلى الكهرباء كما ينظر طفل إلى معجزة.
أشعل سيجارة، ثم راح يراقب دخانها وهو يتلوى في الهواء كأفعى رمادية تبحث عن مخرج. تساءل في سره:
- هل نحن من نطارد الأمل أم أن الأمل هو من يهرب منا كلما اقتربنا منه؟
لم يعرف الجواب.
كانت روحه كغيمة تائهة فوق أرض مترامية، لا تدري أين تمطر ولا أين تستقر.
عادت به الذاكرة إلى القرية القديمة، إلى تلك الأعمدة الكهربائية الممتدة بين البيوت الطينية. كانت الأسلاك معلقة فوق الرؤوس منذ زمن، لكنها لم تكن تحمل للناس سوى الوعد. كانت الكهرباء تمر في جوارهم دون أن تدخل بيوتهم، كضيفٍ يلوح من بعيد ثم يمضي.
في تلك الأيام لم تكن الكهرباء ضرورة كما هي اليوم، بل كانت أقرب إلى رفاهية بعيدة المنال. فالبيوت الطينية كانت تحتفظ بشيء من برودتها صيفاً، وتمنح ساكنيها دفئاً شتاءً. وكان الليل، رغم ظلمته، أقل قسوة مما أصبح عليه الآن.
يتذكر المصابيح المثبتة على الأعمدة، وكيف كانت تنير أطراف الدروب الترابية. هناك، تحت الضوء الشاحب، كان الأطفال يجتمعون كل مساء، يركضون ويضحكون ويمارسون ألعاب الطفولة البريئة. كان الضوء يومها مساحة للفرح أكثر منه حاجة للحياة.
ثم تذكر ذلك اليوم البعيد حين ذهب إلى المدرسة الابتدائية، وكان في الصف الخامس. يومها خرج من البيت وهو يحمل في قلبه أمنية واحدة: أن يعود فيجد منزله قد ارتبط بالشبكة الكهربائية.
كان يتخيل النور كما يتخيل المسافر مدينة أسطورية سمع عنها ولم يرها.
كان يظن أن الكهرباء ستنقذه من الفانوس النفطي الذي طالما أحرق أطراف شعره كلما اقترب منه لتهيئة دروسه اليومية. وستنقذه من تلك الطلاسم والرسوم المطبوعة على جسد الفانوس، والتي كان يحدق فيها طويلاً متوهماً أنها أسرار غامضة، قبل أن يكتشف لاحقاً أنها ليست سوى علامات تدل على مكان الصنع.
وحين عاد من المدرسة وجد البيت في حالة استنفار غير مألوفة.
كان الكهربائي القصير القامة منهمكاً في العمل. يتحرك بثقة وخيلاء، كأنه قائد جيش يخوض معركة مصيرية. يثقب قطعة خشبية مربعة، ويثبت عليها أزرار التشغيل والإطفاء، ثم يمد الأسلاك من غرفة إلى أخرى، مثبتاً إياها بمشابك معدنية صغيرة على الجدران الطينية الخشنة.
وقف الطفل يراقب المشهد بعيون مبهورة. ولما أضيء المصباح لأول مرة، شعر أن البيت كله قد تبدل، اختفى الرسم المخروطي المرتجف الذي كان الفانوس يرسمه على الجدار والسقف، وحل محله نور ثابت يملأ المكان. بدا الأمر وكأن الظلام الذي عاش بينهم سنوات طويلة قد قرر أخيراً الرحيل.
اقترب بحذر من زر التشغيل، ضغطه مرة، فأضاء المصباح. ثم أطفأه، ثم أعاده إلى الإضاءة. كرر الأمر مرات عديدة، حتى شعر أنه يمتلك سراً عظيماً لا يعرفه سواه. وبعد أيام صار يخرج كل مساء ليشعل مصباح الطارمة بنفسه، متصرفاً أمام إخوته الصغار وكأنه حارس النور ومالك مفاتيحه.
يبتسم كلما تذكر ذلك الطفل، كم كان بريئاً. كان يظن أن النور إذا جاء فإنه سيبقى، لم يكن يعلم أن بعض الأحلام لا تنتهي عند تحققها، بل تبدأ رحلة انتظار جديدة أكثر طولاً وإيلاماً.
عاد إلى حاضره. كان هدير المولد ما يزال يتردد في الخارج. أما المبردة الحديثة فقد استعادت دورانها، وعاد الهواء البارد يملأ الغرفة.
لكن شيئاً في داخله لم يعد كما كان. نظر نحو النافذة فرأى عمود الكهرباء القائم عند نهاية الشارع. بدا له كشيخٍ هرم يحمل على كتفيه عشرات السنين من الوعود المؤجلة. عمودٌ شهد تعاقب الحكومات، وتبدل الشعارات، وتكرار الأمنيات ذاتها، لكنه ظل واقفاً في مكانه، ينتظر كما ينتظر الناس.
ابتسم ابتسامة خافتة وأشعل سيجارة أخرى. كان التيار قد عاد بالفعل، غير أن الطفل الذي انتظر النور ذات يوم ما زال واقفاً عند باب المدرسة، يحمل حقيبته الصغيرة المصنوعة من القماش المستخدم، ويراقب الأفق بعينين متعلقتين بوعدٍ لم يكتمل.
أما الأمل... فلم يمت تماماً، لكنه ظل طوال تلك السنين واقفاً هناك، على حافة الانتظار.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: هامش الانتماء
- قصة قصيرة: الملح الرمادي
- قصة قصيرة: بين الحياةِ وظلّها
- قصة قصيرة: حين سكنت الأشباح الماء
- قصة قصيرة: قسوة التجاهل
- قصة قصيرة: وهم النهاية
- قصة قصيرة: منابتُ أنثى
- قصة قصيرة: ما قبل السقوط الأخير
- قصة قصيرة: حِداد
- قصة قصيرة: في العمق قيودٌ خفية
- قصة قصيرة: لا زالت تنتظر
- بين شيخوخة الروح وولادة الرماد: تأملات في وهم الخلود الممتد، ...
- قصة قصيرة: الرحيل
- الصراع بين الوعي وثقافة الخوف: تأملات في رمزية تشكيل الهوية ...
- قصة قصيرة: فرخ الدجاجة
- قصة قصيرة: رحلة اللاعودة
- قصة قصيرة: التواكل
- قصة قصيرة: مرآة الضجيج
- قصة قصيرة: حارس الكوخ
- قصة قصيرة: أرملة العشقِ العذري (الجزء الأول)


المزيد.....




- نادي السرد في اتحاد الأدباء يضيّف الروائي أمير رأفت
- شغف الكتاب الموصليين يتجه نحو الرواية.. واتحاد الأدباء يقيم ...
- جدران غيّرت وجه القصيدة العربية.. كيف يبعث العراق دار السياب ...
- مسؤول أمريكي يكشف لـCNN وضع المحادثات الفنية بين واشنطن وطهر ...
- عمر خيرت يكشف سر المكالمة التي غيرت حياته.. ما علاقة فاتن حم ...
- فلسطين والسينما المصرية.. من الخلفية الرومانسية إلى هاجس الأ ...
- -بروفة يوم الحساب-... المسرح السوري يختبر الذاكرة قبل أن يطا ...
- من -الأوديسة- إلى -سبايدر مان-.. أبرز الأفلام المنتظرة في صي ...
- وزير الثقافة اللبناني: إسرائيل دمرت مواقع تراثية في الجنوب
- لماذا يثير فيلم -الأوديسة- كل هذا الجدل؟


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: على حافة الانتظار