داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8744 - 2026 / 6 / 22 - 01:33
المحور:
الادب والفن
ليس الخوف نقيض الوعي دائماً، بل قد يكون أحد أبنائه الأكثر التصاقاً به، فالإنسان كلما اتسعت رؤيته للعالم، واتسعت معها قدرته على التأمل والتخيل وربط الأشياء ببعضها، أصبح أكثر عرضة لأسئلة القلق والارتياب. أما الجاهل بما يحيط به فقط يعبر الحياة بخفة أكبر، لأنه لا يرى سوى ظاهر الأشياء. ومن هنا تنشأ المفارقة؛ إذ يبدو الوعي طريقاً للتحرر، لكنه قد يتحول أحياناً إلى نافذة واسعة تتسلل منها المخاوف القديمة والأساطير الراسخة والهواجس المتوارثة. وفي البيئات التي تتراكم فيها الحكايات الشعبية والخرافات وتختلط فيها الذاكرة الجمعية بالواقع اليومي. لا يعود الخوف مجرد استجابة لتهديد حقيقي، بل يصبح جزءاً من تشكيل الهوية ذاتها. وهكذا يغدو الإنسان ساحة لصراع خفي بين عقل يسعى إلى الفهم، وموروث يدفعه إلى الارتياب، وبين رغبة في اكتشاف العالم، وخشية دائمة من المجهول. ومن هذه المنطقة الملتبسة تحديداً تنطلق قصة المجنون عواد، لتضع الوعي والخوف في مواجهة مباشرة، وتكشف كيف يمكن لهذا الاشتباك أن يعيد تشكيل الإنسان من الداخل.
ومن هذا المنطلق، يُفتتح النص السردي بغرفةٍ من طين، يبنيها صالح بعيداً عن حجرات الأهل، وكأنها رحم ثان، أو قشرة وجودية يريد من خلالها أن ينفصل عن الجماعة ليُعيد تشكيل ذاته. غير أن هذه الغرفة، التي كان مفترضاً أن تكون ملاذاً للوعي والقراءة والتأمل، تتحوّل سريعاً إلى مسرح للخوف الأعمق، وإلى سجنٍ يُمارس فيه الوعي صراعه الأبدي مع ثقافة الخوف الموروثة. فإذا كانت الهوية تُنسج في الفضاءات الخاصة، فإن الخوف لا يلبث أن يتسلل من شقوق الطين، ليذكرنا بأن الإنسان ليس كائناً يعيش في مكان، بل هو مكان يعيش فيه الخوف. وعليه، فإن قصة المجنون عواد ليست حكايةً عن فتى مراهق يعاني الوسواس، بل هي متخيل سردي يختزل سؤال الأنثروبولوجيا الفلسفية الأكثر إلحاحاً:
"كيف يُمكن للوعي أن يشتبك مع الخوف، فيتشكل من هذا الاشتباك كائن هجين، لا هو بالحر، ولا هو بالأسير؟"
وعلى هذا الأساس، يبدو صالح منذ اللحظة الأولى، كمن يخوض مشروعاً وجودياً بامتياز. إنه يريد غرفة خاصة بحجة الدراسة، لكن الرغبة الأعمق هي امتلاك ذات، والتخلص من وصاية الرجل العجوز القليل الكلام، الذي لا يُجرؤ أحدٌ على مناقشة أمره. إن جمع المال، وبناء الغرفة، واختيار موقعها البعيد، وترتيب المكتبة والفانوس، كلها طقوس تؤسّس لـولادة ثانية، حيث يصبح الفرد مؤهلاً لمواجهة العالم بمفرده. غير أن هذه المواجهة، في سياقٍ قروي لم يألف مثل هذه الظواهر الترفيهية، تُولد شعوراً بـالخيلاء كما يقول النص، وهو شعور بالتميّز يخفي في طياته قلقاً من الرفض الجماعي، لكن المفارقة تكمن في أن هذه الولادة الثانية لا تقوده نحو الاطمئنان بقدر ما تدفعه نحو مواجهة أسئلة لم يكن مضطراً إليها من قبل. ومن هنا يبرز السؤال الفلسفي:
"هل يمكن للوعي أن يُشكل هويته خارج شبكة الخوف الجماعي؟"
ولعل الإجابة الأولية تبدو أكثر تعقيداً مما نتوقع، بحسب تأملنا في القصة، يبدو معقداً. فالوعي، عند صالح، يقترن بالقراءة والكتب والصحف والمجلات، أي بما يمكن تسميته بـالعقلانية الحداثية. لكن هذه العقلانية، عوضاً عن أن تحصنه، تجعله أكثر حساسيةً للمجهول، وأكثر استعداداً لاستقبال الأساطير التي كانت جدته ترويها له في الطفولة. وكأن ثمة تناقضاً بنيوياً: كلما ازداد الوعي، ازدادت قدرته على تخيل الخوف، لا على تبديده. ويمكن مقارنته بقول الفيلسوف "كيركغور" في كتابه مفهوم القلق:
"القلق هو دوخة الحرية، وهو شعورٌ بالإمكانية والاحتمال، حين يكتشف الإنسان أنه حر، وبدلاً من أن يفرح، يرتعب."
وهكذا تتحول الحرية التي حلم بها صالح إلى مصدر جديد للقلق، فحريته الجديدة في الغرفة المنعزلة تمنحه إمكانية التفكير والتأمل، لكنها في الوقت نفسه تفتح أمامه هاوية المخيلة، حيث تصبح الأشياء العادية "حفيف النهر، نباح الكلاب، صياح الديكة" نسيجاً مرعباً يختلط فيه الواقع بالرؤى. إن غرفة صالح ليست ملاذاً من الخوف، بل هي مرآة تُضاعف الخوف وتُعيد إنتاجه، لأن الوعي عندما يُحاصر بالوحدة، يبدأ في استنبات أوهامه الخاصة، فبدلا من أن تمنحه العزلة مساحة للسيطرة على العالم، تمنحه مساحة أوسع لتضخيم احتمالاته المخفية.
وفي مقابل المشروع الفردي الذي يمثله الوعي، تقع ثقافة الخوف بوصفها البنية الجمعية التي تُحاصر هذا المشروع من كل الجهات. ولكي نفهم آليات هذا الحصار بصورة أوضح، يمكن التوقف عند ثلاثة عناصر مترابطة في بنية النص: أولهم الأساطير والذاكرة الجمعية. إذ تتركز في مخيلته رؤى طوطمية تذكره بأيام الأساطير التي كانت جدته ترويها عن الحيوانات الخرافية غير المنظورة. هذا يعني أن الخوف ليس حدثاً طارئاً، بل هو تراكمٌ سردي، أي أن الإنسان لا يخاف مما يراه، بل مما قيل له إنه قد يراه. فالأسطورة، في عمقها، ليست مجرد حكاية، بل هي أداة تنشئةٍ تعيد إنتاج الخوف عبر الأجيال.
وإذا كان الموروث السردي قد وفر المادة الأولى للخوف، فإن الجماعة تتكفل بإعادة إنتاجه وترسيخه، فثاني العناصر هو الجماعة وأدوارها. الأهل والجيران يتجمعون حول المجنون عواد، يناقشون أمره، يأمرون بنقله، يروون قصته "اسمه عواد وأمه خديجة"، وكأنهم يؤدون طقساً جماعياً يؤكد وجود الخوف ويشرعه. وكما لاحظ الفيلسوف الفرنسي "رينيه جيرار":
"إن الجماعة تحتاج إلى كبش فداء لتوحيد خوفها وإعادة إنتاج تماسكها."
هنا، يصبح المجنون عواد كبش الفداء، لكن صالح، بعزلته، يحول كبش الفداء الخارجي إلى وحشٍ داخلي يقتحم غرفته.
أما حين ينتقل الخوف من الحكاية والجماعة إلى الإنسان نفسه، فإنه يبدأ بكتابة أثره على الجسد، ليكون العنصر الثالث هو الجسد الخائف. أكثر ما يلفت النظر في النص هو ذلك التسلسل الدقيق لتفاعلات الجسد مع الخوف؛ الشعر الواقف، العجز عن الحركة، التجمد على السرير، ثم في النهاية العجز عن المشي، وكأنه رجلٌ عجوز قد خارت قواه. وهذا يتوافق مع ما يقوله الفيلسوف الألماني "نيتشه" عن الجسد:
"أنت جسدٌ وروح، ولكن الجسد هو العقل الأكبر."
وبذلك لا يعود الجسد مجرد وسيط للتجربة، بل يصبح سجلاً حياً لآثار الخوف وتداعياته، أي أن الخوف ليس مجرد انفعال عابر، بل هو كتابةٌ جسديةٌ تُطبع على العضلات والأنفاس، وتُغيّر من علاقة الإنسان بذاته وبالمكان.
ويقول "ميشيل فوكو" في أعماله عن السلطة والمعرفة:
"الخوف هو أداة الضبط الأكثر فعالية، لأنه لا يحتاج إلى سجان، بل يكفي أن يزرع في النفس شكاً دائماً."
ومن ثم يتحول الخوف إلى سلطة داخلية لا تحتاج إلى قوة خارجية كي تفرض حضورها، هذا ما يحدث مع صالح، حيث يتحول الخوف إلى نظامٍ ذاتي للضبط، فيمنعه نداء الرجولة المبكرة من طلب الأمان، ويجبره على التماسك، وكأن الخوف قد استُوظف لأداء دورٍ أخلاقيٍ هو الصبر والمقاومة، لكن هذه المقاومة لا تُحرره، بل تُعمق العزلة وتُضاعف العذاب.
وعند هذه النقطة تحديداً، تتجاوز الغرفة حدودها المادية لتكتسب أبعاداً رمزية أوسع، وتصبح استعارةً دقيقةً للوطن. ولذلك لا تبدو الغرفة مجرد مأوى فردي، بل استعارة لعلاقة الإنسان بوطنه ومحيطه. فالوطن، في المتخير العربي، غالباً ما يُصور كأم حانية، لكنه في هذه القصة يظهر كغرفةٍ طينيةٍ صغيرةٍ لا تحمي، بل تُحاصر، ولا تؤمّن، بل تُصبح مسرحاً للاعتداء المتكرر. المجنون عواد، الذي يرفس الشباك الخشبية طوال الليل، يمكن قراءته كرمزٍ للسلطة القمعية، أو للواقع السياسي الفوضوي، أو للموروث الثقافي المُرهق، أو لكل هذه الأمور معاً. وما يزيد المشهد رعباً، أن الطبيعة نفسها تتآمر معه: المطر، الرعد، الرياح، النباح، كلها تتحول إلى حلفاء للمجنون، وكأن الكون كله يتآلف ضد وعي صالح المنعزل. ومن رحم هذا التصور يطرح النص أحد أكثر أسئلته الفلسفية إلحاحاً:
"هل الوطن فضاءٌ يُحمي الهوية، أم أنه شرطٌ يُشوهها؟
والجواب من خلال غرفة صالح، يبدو الوطن وكأنه وعدٌ بالاستقلالية، لكنه سرعان ما يتحول إلى كابوسٍ يُعيد إنتاج التبعية، بمعنى أن الفرد حين يبتعد عن الجماعة ليكتشف ذاته، يكتشف أن ذاته لا قيمة لها خارج الجماعة، لكن العودة إلى الجماعة مستحيلة أيضاً، لأنها ستعني العودة إلى وصاية الرجل العجوز. وهذا ما يمكن تسميته بـالاحتجاز الوجودي. ومن هنا، يقول الفيلسوف "سارتر":
"الآخر هو الجحيم."
غير أن المفارقة في قصة صالح تختلف عما قصده سارتر، حيث أن الآخر ليس المجنون فقط، بل هو الحمار أيضاً، أي أن الآخر قد لا يكون شريراً، بل مجرد حيوان أليف، لكن ثقافة الخوف هي التي تحوله إلى جحيم. وهكذا، نصل إلى جوهر المأساة:
"الوطن ليس سجناً، لكن وعينا بالوطن، إذا تشكل تحت ثقافة الخوف، يصبح هو السجن الأكبر."
وبعد أن يبلغ التوتر ذروته، تأتي اللحظة الأكثر دهشة في النص، حين تكتشف الأم أن الذي كان يرفس الشباك ليس المجنون عواد، بل الحمار. لكن المفارقة الأعمق أن الحقيقة، على الرغم من وضوحها، لا تمتلك القدرة على محو أثر الخوف.. لذا فهناك مستويان:
أولهما: تفكيك الوهم. فصالح ظل طوال الليل يعاني من رعبٍ مفزع، ينتظر الموت المحتوم، يرى الخشبة الصغيرة تتأرجح من قوة الضربات، ويُحاول إقناع نفسه بأن المشهد حلم، لكن الحقيقة التي تنكشف عند الفجر هي أن التهديد كان مجرد حمار، أي تهديداً عادياً، لا يمتلك أي نيةٍ عدائية. وهنا يتجسّد ما وصفه الفيلسوف الروماني "سنيكا" بـالنفخ في الهواء حين قال:
"إننا نعاني أكثر في مخيلتنا مما نعاني في الواقع"
لكن المفارقة الأعمق، أن هذا الانكشاف لا يُحرر صالح، بل يتركه منهكاً، باكياً، عاجزاً عن المشي.
أما المستوى الثاني من المفارقة فيتعلق بالعلاقة الملتبسة بين اكتشاف الحقيقة والتحرر منها، فهي عدم تطابق الحقيقة مع التحرر. لأن الخوف، حين يستوطن الجسد واللاوعي، لا يزول بانكشاف السبب. صالح قد عاش الليل كله كجسدٍ مرعوب، أعاد إنتاج الخوف داخلياً مراتٍ ومرات، حتى أصبح الخوف جزءاً من هويته المؤقتة. الحمار لم يكن العدو، لكن صالح صار عدو نفسه. في هذا الصدد يؤكد الفيلسوف الألماني "شوبنهاور" هذا المعنى:
"الإرادة هي الشيء في ذاته، والعالم مجرد تمثل"
وبهذا المعنى، يصبح الخوف تجربة وجودية كاملة لا مجرد سوء فهم عابر، بمعنى أن ما يُعانيه صالح ليس مجرد خطأ في التقدير، بل هو إرادة خوفٍ تولدت من ظروف نشأته، وترسخت في وحشته، وتغذت على الأساطير والوساوس، حتى صار عالَمه كله تمثلاً للرعب، لا للواقع الموضوعي. ولهذا، حين يكشف النقاب، لا يجد أمامه سوى جسده المنهك، وحماراً لا يختلف عن غيره من حمير القرية، لكن الفارق أن صالح لم يعد هو نفسه التي كانت قبل الليل.
وأخيراً، وبعد تتبع مسار الوعي والخوف في القصة، نعود إلى السؤال الأول الذي انطلقت منه القراءة:
"هل يمكن لوعٍ أن يخرج منتصراً من مواجهة الخوف؟"
وعليه فقصة المجنون عواد تمنحنا إجابةً محزنةً إلى حد ما، وهي أن الوعي، إذا نما في العزلة، دون سندٍ جماعيٍ، ودون نقدٍ للأساطير الموروثة، يظل عرضةً لأن يهزمه حمار، لكن القيمة الفلسفية للقصة ليست في يأسها، بل في كشفها لآلية الخوف. إنها تدعونا إلى أن نتأمل في كل ما نخافه:
"هل هو مجنونٌ حقيقي أم مجرد حمار؟ هل هو سلطةٌ قمعيةٌ قادرةٌ على اقتحام غرفتنا، أم أننا نمنحها القوة بتضخيمها في مخيلتنا؟"
ومن ثم فإن القيمة الحقيقية للقصة لا تكمن في الحدث نفسه، بل في الطريقة التي تكشف بها آلية تشكل الخوف داخل الوعي، ربما تكون رسالة القصة العميقة، أن تحرير الهوية لا يمر عبر بناء غرفة منفصلة، ولا عبر مواجهة وحشيةٍ للمجنون، بل عبر إعادة قراءة ثقافة الخوف ذاتها، وتعرية أوهامها، واستعادة الوعي النقدي الذي يُميّز بين الأسطورة والحقيقة، وبين رفس الحمار وتهديد المجنون. وعلى هذا النحو، وفي ضوء ما سبق كله، يصبح المقال التأملي في النهاية تمريناً في الشجاعة الفلسفية، حيث نتعلم مع صالح أن أكثر ما يخيفنا ليس ما يقف خارج الغرفة، بل ما نحمله معنا إلى داخلها من ظلال الأساطير وأعياء المخيلة وذاكرة الخوف المتوارثة.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟