أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الفخّ الحتمي














المزيد.....

قصة قصيرة: الفخّ الحتمي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8737 - 2026 / 6 / 15 - 00:04
المحور: الادب والفن
    


يتسربلُ بعباءته المذهّبة الأطراف في صباحٍ ثقيلٍ، تتساقط فيه الأمطار كأنها ذاكرةٌ لا تريد أن تُغادر الأرض. زجاج النوافذ يرتج تحت ضرباتها، والرياح الجنوبية الشرقية تعصف بالأشجار فتسقط أوراقها الصفراء كأنها أعمارٌ تُنزع بصمت. كان الصباح يبدو كإنذارٍ طويلٍ لا ينتهي.
استيقظ مبكراً، مثقلاً بقلقٍ لا اسم له. كوابيسُ الليلة الماضية ما تزال عالقة في صدره، وبخاصة ذلك الغائب الذي لا يغادره حتى في غيابه. يذرع الغرفة ذهاباً وإياباً، كأنه يحاول أن يطرد من داخله شخصاً آخر يسكنه. في الخارج المطر يشتد، وفي الداخل يتكاثر الضجيج.
اقترب من النافذة. الخارج رمادي تماماً، كأن العالم فقد ألوانه عمداً. تمنى لو يتوقف المطر ساعاتٍ قليلة، فقط ليُنجز ما يؤجله دائماً، أو ليتأكد أن الزمن ما يزال قابلاً للإدارة. لكنه كان يعرف، في عمقه، أن التأجيل لم يكن سوى شكلٍ آخر من الهروب.
على الطاولة ورقةٌ بيضاء. والقلم بجانبها كأنه ينتظره منذ زمن. شعر بحاجةٍ غامضة للكتابة، لا بوصفها فعلاً إرادياً، بل كأمرٍ يُملى عليه من الداخل. ثم حدث ما لم يتوقعه: لم يعد هو من يكتب فقط… بل صار هناك من يكتب به.
تخيله أمامه. رجلٌ بعباءة وكوفية وعقال، ملامحه ليست غريبة تماماً، لكنها ليست مألوفة أيضاً. النظرات بينهما مشدودة كخيطٍ مشدودٍ على حافة الانقطاع. قال له بهدوءٍ يشبه اليقين:
"ابعث إلى من تريد إبعاده عنك… اجعلهم يجرونه إلى الفخ، ليبقوا فيه ما بقي من أعمارهم."
تجمّد الهواء في الغرفة.
نظر إلى الورقة من جديد. المطر في الخارج صار أكثر عنفاً، والبرق يفتح السماء على اتساعها كجرحٍ أبيض. ثم يغلقها سريعاً كأن شيئاً لم يكن. الضوء يشتعل ثم ينطفئ، وكأن العالم يتردد في الاعتراف بوجوده.
عاد إلى الورقة.
لكن شيئاً لم يكن كما تركه.
خط واضح… جملٌ مكتوبة. خطه هو .تراجع خطوة. ثم أخرى. ثم ارتد داخله سؤال حاد:
- من كتب هذا؟
اقترب أكثر. دقق في الحروف. إنها كتابته بلا شك. نفس الانحناءات، نفس الترددات الصغيرة بين الحروف، نفس ميلان القلق في الجمل.
- لكن متى كتبها؟
بدأت الأسئلة تتكاثر كأنها لا تأتي من عقله وحده، بل من مكانٍ آخر يسكنه. ارتطم صوت المطر بالأرض كإيقاعٍ جنائزي، وكل قطرة كانت تبدو كأنها سؤال جديد.
التفت إلى النافذة. الحزن يتسرب إليه ببطء، كغازٍ لا يُرى. الكلمات على الورقة تحولت في داخله إلى مفاتيح تُفتح بها أبواب لا ينبغي فتحها. كان يشعر بشيءٍ يتحرك تحت جلده، في الجهة اليمنى من صدره، ككائنٍ صغيرٍ يزحف نحو القلب. ثم نحو العقل. ثم نحو الذاكرة. كأن شيئاً ما يحاول أن يستملكه بالكامل.
لم يعد يرى نفسه كما كان.
الحدود بينه وبين ما يفكر به بدأت تتلاشى. الأفكار لم تعد أفكاره وحده، والقرار لم يعد ملكه. ابتسامة خفيفة شقت وجهه فجأة، ثم تحولت إلى قهقهة طويلة، غريبة، لا تشبهه… أو ربما تشبهه أكثر مما يجب.
- الآن فهمت.
لم يعد هناك هو منفصل عن الفعل. الفكرة ليست فكرة، بل تنفيذ يتقن ارتداء قناع العقل. وكل ما كان يظنه اختياراً… لم يكن سوى طريقٍ ضيقٍ نحو الفخ.
نظر إلى الخارج من جديد. المطر مستمر. لا يتوقف. كأنه يغسل شيئاً لا يمكن تطهيره.
ثم نهض.
بهدوءٍ غير مفهوم، وبطمأنينة تشبه الانكسار الكامل، بدأ يزيل الحواجز التي كانت تعيق تواصله مع أولئك الذين كان يظنهم بعيدين عنه. لم يعد يراهم أشخاصاً، بل ظلالاً يمكن تجاوزها، أو عشباً يُطأ تحت الأقدام دون أثر.
وفي لحظةٍ ما، لم يعد يميز بين ما هو تبرير وما هو فعل. كل شيء صار جائزاً… ما دام الصوت في داخله قد منح الإذن .وقبل أن يخرج من الغرفة، همس، كمن يحاول إنقاذ ما تبقى من وعيه:
"لعن الله الشيطان…"
لكن الشيطان، في تلك اللحظة، لم يكن خارج الغرفة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الخذلان والإنصاف السماوي: قراءة تأملية في براءة سوني ومأ ...
- قصة قصيرة: ألم الفراق
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- عشتار التي وُلِدت في أقصى وسط العراق: تأملات في أنثى النص وغ ...
- قصة قصيرة: دويُّ الصمت
- عثرات في مسارات الذات: تأملات في رواية ثالث ثلاثة للكاتب أشر ...
- قصة قصيرة: على حافة الانكسار
- قصة قصيرة: خشية أنثى
- بين الألم والكبرياء: تجليات الصراع الإنساني في وجه الحروب قر ...
- قصة قصيرة: الضرير
- جدليةُ الزمن بين الروحانيةِ والمادية: رحلةٌ تأمليةٌ في رواية ...
- قصة قصيرة: الغربة
- جدلية القداسة والتضحية بين طقوس الفداء وندوب الأحلام: تأملات ...
- تأملات في المُكتفي بالعشق: قراءة في رمزية العشق والهوية وقصي ...
- قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة المُكتفي بالعش ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في الشبلي نادباً صديقه ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة الشبلي نادباً ...


المزيد.....




- -المأزق الثقافي واقع العقل العلمي مثالاً- عنواناً لجلسة ثقاف ...
- لماذا تُمنع الإسبانية؟ دي يونغ يواجه قيود اللغة في مؤتمرات ا ...
- ما الجديد في فيلم -Disclosure Day- للمخرج ستيفن سبيلبرغ؟
- -الأمير- يدخل التاريخ.. أضخم مسلسل عربي بميزانية تتجاوز المل ...
- فنانة مصرية شهيرة تنجو من حادث مروع
- صوتك بلغات العالم.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مستقبل الترجمة ...
- صوتك بلغات العالم.. كيف غيّر الذكاء الاصطناعي مستقبل الترجمة ...
- شغف عمره 40 عاما ينتهي بحادث مروع.. تفاصيل الساعات الحرجة لل ...
- الكويت تسحب جنسيتها من أحد أبرز الكتاب والروائيين العرب
- من عاصمة البن العالمية إلى مدينة منسية.. هل ينقذ الفن المخا ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الفخّ الحتمي