أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الضرير














المزيد.....

قصة قصيرة: الضرير


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8730 - 2026 / 6 / 8 - 08:17
المحور: الادب والفن
    


كان صباحاً ربيعياً عادياً في ظاهره، تتوزع فيه الحياة بهدوءٍ مألوف: عمال يتجهون إلى أعمالهم، صبية يمرحون بين الحقول، وطلبة ينشغلون بكتبهم كأن العالم يسير على إيقاعٍ ثابت لا يتغير. لكن السماء، كما لو أنها كانت تخفي انقلاباً مؤجلاً، تحولت فجأة إلى فضاءٍ مضطرب حين هبّت عاصفة ترابية هوجاء، سبقتها رياحٌ عنيفة اجتاحت المكان بلا إنذار. ارتفع الغبار كجدارٍ كثيفٍ ابتلع الأفق، وتداخلت التيارات الهوائية حتى ضاعت معها الاتجاهات، وانمحت العلامات التي يهتدي بها الناس في طرقهم.
في لحظةٍ قصيرة، صار المكان متاهةً عمياء، لا فرق فيها بين من يرى ومن لا يرى.
وسط هذا الارتباك، ظهر الرجل الضرير.
لم يكن في عالمه شيءٌ جديد؛ فهو لم يعرف الضوء يوماً منذ ولادته، لكن غيابه عن البصر لم يكن غياباً عن الفهم. كان قد تعلّم أن يعوّض النظر ببصيرةٍ أخرى، أكثر دقةً من أعين المبصرين: يقرأ الطريق من صوته، والاتجاه من حركة الهواء، والمسافة من ارتداد الخطى على الأرض. لذلك، حين ضلّ الجميع، صار هو الدليل.
راح يتنقّل بثباتٍ بين الأزقة المطموسة بالغبار، يقود هذا ويُرشد ذاك، كأن العاصفة لم تكن سوى امتحانٍ مألوف في حياةٍ تعوّد فيها على ما لا يراه الآخرون. المفارقة كانت قاسية: أولئك الذين اعتادوا النظر إليه بعين الشفقة، وجدوا أنفسهم اليوم يسيرون خلفه مطمئنين، كأن البصيرة قد انتقلت من الأبصار إلى الإدراك.
ومع ذلك، لم يكن هذا التحول كافياً ليمحو الصورة القديمة عنه في أذهان بعضهم. فبعض الأصوات كانت ما تزال ترى فيه رجلاً محدوداً، أو تابعاً، حتى حين كان هو من يحدد لهم الاتجاه. كانت نظرتهم إليه تحمل بقايا ازدراءٍ خفي، يتخفّى خلف اضطراب اللحظة.
في خضم العاصفة، كان أحد الرجال قريباً منه، يتحدث بقلقٍ متوتر:
- يا له من جوٍّ غريب… لم يحدث مثله من قبل.
لكن خلف كلماته، كانت نبرة أخرى أقدم، نبرة اعتادت أن تنظر إلى الضرير بوصفه أقل حضوراً، حتى وهو يقودهم الآن وسط العمى الجماعي. كانت مفارقة السلطة تنقلب أمامه دون أن يعترف بها.
توقف الضرير فجأة.
لم يكن التوقف جسدياً فقط، بل كان انشقاقاً داخلياً هادئاً. كأن صوته الداخلي قد انقسم إلى مسارين: أحدهما خافت، يدعوه إلى الانسحاب، إلى أن يتجاهل ذلك الرجل ويتركه في تيهه، كأن التجاهل هنا يتحول إلى انتقامٍ صامت، عقوبة غير مرئية تمارسها النفس حين تعجز عن الرد.
والآخر أعمق وأهدأ، يهمس بأن هذا النوع من العقاب لا يحرر الإنسان، بل يبقيه أسيراً لمن آذاه، وأن التجاهل حين يتحول إلى رد فعل، يصبح امتداداً للإهانة لا تجاوزاً لها.
ارتسمت على وجهه ابتسامةٌ مترددة، لا هي طمأنينة ولا هي غضب، بل لحظة وعيٍ معلّقة بين قوتين: رغبة بشرية في الرد، ووعي أعمق يرفض أن يُستدرج إلى مستوى الألم.
ارتجف جسده ارتجافة خفيفة، كأن القرار لم يعد قراراً بل امتحاناً للذات:
- هل ينتصر لجرحه بالصمت؟ أم ينتصر لنفسه بتجاوزه؟
كان يسمع أنفاس الرجل الآخر المتوترة، ويرى بعين بصيرته لا ببصره صورةً مهزوزة لإنسانٍ يضطرب في قلب العاصفة، لا أقل ضعفاً منه بل مختلف الشكل فقط. وفي تلك اللحظة، لم يعد السؤال عن الطريق الخارجي فقط، بل عن الطريق الداخلي أيضاً:
- من الذي يحتاج إلى من؟ ومن الذي يضلّ فعلاً؟
وسط زئير الريح وتكسر الأصوات، خفّ صوته أخيراً، ثابتاً كمن حسم معركة داخلية طويلة:
- ما هذا…؟ ما معنى هذا كله؟
ثم أضاف بصوتٍ أكثر هدوءاً، كأنه يعيد ترتيب نفسه قبل أن يعيد ترتيب العالم حوله، قرار لم يكن مجرد إرشادٍ في طريقٍ تائه، بل كان تجاوزاً خفياً لفكرة الانتقام نفسها؛ كأنه أدرك أن القوة لا تُختبر في القدرة على ردّ الأذى، بل في القدرة على ألا يتحول الألم إلى طريقٍ آخر للعمى:
- سأوصلك إلى بيتك حالاً.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدليةُ الزمن بين الروحانيةِ والمادية: رحلةٌ تأمليةٌ في رواية ...
- قصة قصيرة: الغربة
- جدلية القداسة والتضحية بين طقوس الفداء وندوب الأحلام: تأملات ...
- تأملات في المُكتفي بالعشق: قراءة في رمزية العشق والهوية وقصي ...
- قصة قصيرة: عندما يتكلم الرأس
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة المُكتفي بالعش ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في الشبلي نادباً صديقه ...
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في قصيدة الشبلي نادباً ...
- قصة قصيرة: ميلس
- آشور بين ذاكرة الزمانِ وأسطورة المكان: تأملات في عشق الخلودِ ...
- قصة قصيرة: تغريبة وطن
- تأملات في جدلية المعنى وصعوبة الحياة في حب وحمص وثالثهما نتش ...
- قصة قصيرة: ثمنُ الشعور
- تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في مرويةٌ تاريخيةٌ عن ق ...
- قصة قصيرة: حين انقطع الوتر
- من شجرة التوت إلى المتراس: تأملات في جدلية الحب والحرب في رو ...
- قصة قصيرة: رحيل أنثى
- الحريةُ في زمنِ الاستلاب: رحلة في رواية انتحار تكتيكي للدكتو ...
- قصة قصيرة: الحرمان
- ودقُ المرافئ بين الممكنِ واللاممكنِ: تأملات في عوالم الرواية ...


المزيد.....




- وزير الثقافة السوري: مشاركتنا في مهرجان جرش -عودة تاريخية إل ...
- بعد رحيله بأسابيع.. موسيقى نجل نورا رحال ترافق أحدث إعلانات ...
- أكثر من مائة مليون روبل لترميم برج سيومبيكي في كرملين قازان ...
- الفنان السوري سامر عمران يهزم سرطان البنكرياس.. رسالة شكر مؤ ...
- بطرسبورغ تستضيف الدورة الأولى من مهرجان -أضواء المدينة- السي ...
- أسعد الأسعد، والمتوكل طه، وسمير شحادة… فرسان الكتيبة الأولى ...
- ليوبيموفا: السيادة الثقافية أساس وحدة شعوب روسيا
- جوقة توريتسكي تحيي حفلا في مستشفى بموسكو ضمن مشروع -بيئة الش ...
- اكتشاف بقايا سفينة بومورية من القرن السابع عشر في أرخانغيلسك ...
- إعلان فيلم رعب يثير ذعر المشاهدين.. -نوبات هلع- في السينما ( ...


المزيد.....

- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الضرير