داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8729 - 2026 / 6 / 7 - 00:00
المحور:
الادب والفن
بين طقوسٍ تكتنفها الرهبةُ والتقديس, وبين تضحياتٍ تُساق فيها الأرواحُ قرباناً لأهدافٍ أو معتقداتٍ غامضة, يتشكلُ مشهدٌ ربما لا ينتهي, حيث يخيمُ الخضوعُ والصمتُ بعد همساتٍ تتلاشى على" مائدة القرابين" فهي ليست مجردَ شعائرَ جامدة, بل هي رموزٌ متجددةٌ لصراعٍ أزليٍّ بين القداسةِ والدماء, بين الأملِ المتجددِ والتضحياتِ المتكررة, هنا, يلتقي الماضي بالحاضر, ويُسلم الإنسانُ نفسه لمواجهةِ مصيرٍ غامضٍ كُتبَ له منذ الأزل, ففي هذا العالم, لا تقاسُ الحياةُ بعددِ الأنفاس, ولا بالملامح البعيدة, بل بعددِ الخطوات التي تقود نحو المجهول, هنالك, حيث المنفى غيرَ المحددِ المعالم, وربما تبتلعه الظلمةُ بعد أن تداهمه الأحزان, وكأنّ الإنسانَ يواصلُ تقديمَ ذاته قرباناً مع الزمن.
تتعدد أشكال القرابين, بين مقاتلٍ يُلقي بنفسه في أتونِ معركةٍ لا يُذكرُ فيها إلا كرقمٍ منسيّ تحت خوفٍ خفي أو معلنٍ من قداسةٍ أعلنت العدالةَ في الأرضِ وفق مصالحهم العليا, تصوّر لهم بأنّ الأرواحَ تطوفُ بأجنحةٍ غير مرئية, كي تزيلَ الهلعَ من القلوب, فتتعالى الاهازيجُ حتى تتفتت كلُّ القيود, وبين فتاةٍ أسيرةٍ لجمالها الأخاذ, تقف مجبورةً مكسورةَ القلبِ عند أعتابِ الزقورةِ في زحامٍ شاعري, بانتظار مصيرها المجهول, فيداهمها الارتباك, وتحت هالةٍ من القداسةِ ونكراتِ الذات في الظاهر, تصدحُ الموسيقى, بلحنٍ أقرب إلى التأبين, تُرددُ تراتيلٌ مخدرة, ويشتد حولها التهليل, إلا هي, فالشكُ يتراقصُ مع الغضب, ذلك الشكُ فيما وراء تلك الطقوس, والغضبُ من فرحٍ مأزوم, ففي كلِّ عام, يتحولُ نيسانُ شهرُ الحب والنعيم إلى لعنةٍ تطاردُ العشاق, بعد أن اختيرت لتكون عروساً للإله آشور, لذا تسأل نفسها" هل الحبُ خطيئة؟ وهل الجمالُ لعنة؟" لكنَّ الأصواتَ الخفيةَ من وراءِ الألسُنِ المعقودةِ من حولها تؤكد على أنّه لا بدَّ من هذه التضحية, فالمقدساتُ لا تعرفُ الرحمةَ حين يتعلقُ الأمرُ بحفظِ التوازنِ بين السماءِ والأرض.
هنا يظهرُ ثِقلُ التضحيةِ في صورٍ متعددة, تضحيةُ الجسدِ والحياة, وتضحيةُ الروحِ بحلمها وحريتها, فليس الفتى وحدهُ من يُقدّم جسدهُ على مذبحِ المعركة, بل هي أيضا الفتاةُ التي تذوبُ احلامُها في محرابِ الجمالِ المفروضِ عليها, فتذرفُ الدموعَ في الشتاتِ بعدَ مفاجآتِ الصمت, في ذلك المعبد السري, خلفَ الأسوار, وكأنّما هي دوامةٌ تاريخية, حيثُ تلك الأقدارُ تصوغُ الحياةَ من جديدٍ في قالبِ التضحيات التي تبتلعُ الأملَ في خضمّها.
إلى مقاتلٍ في عصرِ الحداثة, لا يعرف لماذا سيُقتل؟ أو ستقطع أوصالهُ بأسلحةِ دمارٍ حديثة؟ لكنّه في الظاهر يُقاتلُ عن الأرض, عليه أن يُقدّمَ للسكينةٍ قربانا عسى أن يهدأ, وفي الخفاء, تتحول إلى تجارةٍ رابحةٍ خلف تلك المصائد, وشعاراتِ الوهم, وصلواتِ التضرع, ففي هذه المواجهةِ الصامتةِ البلهاء, وإن كانت في الدواخلِ هنالك ردودُ أفعالٍ متأرجحةٌ غير معلنة, يصبحُ الفناءُ سبيلا لبقاءِ أسطورة الحاضر, الممتدة في أعماقٍ سحيقةٍ من التاريخ, فهي لا تنطفئ جذوتها على مدى العصور, فالحضورُ والفقدُ سيّان, طالما هنالك أملٌ في تحقيقِ السعادةِ الأبديةِ المنتظرة, رغم انكسارِ النفوسِ وحُطامِ الأحلام.
تتجلى التضحيةُ بصورٍ متعددةٍ في لعبةِ الحياةِ, فتضحيةُ الجسدِ والحياةِ في سبيلِ قضيةٍ مجهولة, وتضحيةُ الروحِ بحلمها وحريتها, فالحربُ ليست المشهدَ الوحيد, بل الحبُ نفسُه قد يتحول إلى "مائدة قرابين" حيث يُقدّمُ الشخصُ حريته وسعادته قرباناً لعلاقةٍ أو هدفٍ سام, والسؤال هنا: ترى هل يستطيعُ الإنسانُ الاحتفاظَ بجوهره وسطَ تضحياتهِ المتوالية؟ أم أنَّ القداسةَ التي يقدمها على مذبحِ الأحلامِ المكسورةِ ليست سوى صدى لصراعٍ داخلي لم ينتهِ بعد؟
هنا يقفُ الشاعرُ على مفترقِ الطرق, بين صوتِ الإنسانِ الباحثِ عن الخلاصِ وصوتِ القدرِ الذي يفرضُ قوانينه الصارمة, فهل يستطيعُ الإنسانُ أن يثورَ على تلك المائدةِ التي أعِدَّت له منذ الأزل؟ أم أنّه سيظلُ أسيراً لها, يرددُ التراتيلَ ذاتها, ويُقدّمُ نفسه قرباناً من جديد؟
تُقدّمُ " مائدة القرابين" رؤيةً شعريةً تحتفي بالمجازِ والرمز, في قصائد تتماهى مع الأسطورة والواقع, فتحاكي أصداء الماضي في الحاضر, وتصوغُ من تجربةِ الإنسانِ ألمه المتجذرِ منذ الأزل, فتتهادى الصورُ الشعريةُ بثقلِ دلالاتِها, حيث يُلقي الإنسانُ ظِلّه على التاريخ, بينما يسيرُ نحو مصيرٍ لم يخترهُ بملءِ إرادته.
وعلى ضوء ما تقدم تم اختيار احدى القصائد من ديوان" مائدة القرابين"
القصيدة: ثلجُ الهواءِ وماءُ الجنون.
القصيدةُ, ليس مجردَ انعكاسٍ لصورةِ التضحيةِ في التاريخِ البشري, بل هي استبطانٌ نفسي عميقٌ للقلقِ الوجودي الذي يعصفُ بالإنسانِ في كلِّ عصر, إذ أنها تحاورُ العقلَ والروح, فالتاريخُ كما يبدو ليس سوى دائرةٍ مغلقةٍ تدورُ في حلقةٍ لا نهائية, حيث تعيدُ الأجيالُ إنتاجَ ذاتِ الطقوسِ تحت مسمياتٍ مختلفة.
"سَأجذُ في يومٍ ما ظِلّي
وسأَلتحفُ بهِ دِثاراً
فيهنؤ الجُسدُ السقيم, ولا يتبدّدُ حِينَها الأُفُولُ
وأَرتَحِلُ أنا وظِلّي
إلى الزّمَنِ
إلى وَطَنٍ ليس فيهِ مَلجَأٌ
للنِّسيانِ
تذمَّرتُ مِنْ مُعاناةِ
الأَلَمِ
وأَسْبلتُ سِترَ الظلَّامِ
على
مرآةٍ عَاكسَتْ ضِياءَ المَودَّةِ"
القصيدةُ ترسمُ وجعُ الاغترابِ الروحي وصراعُ الذاتِ مع واقعٍ قاسٍ يتشحُ بالألم, فالشاعر" د. فراس هاشم إدريس" هنا يسعى للخروج من دائرةِ الألمِ المتكررةِ عبر رحلةِ للعثورِ على كيانٍ داخلي يمنحه الطمأنينةَ والسكينةَ من خلالِ بثه في عقله اللاوعي لتلك الأفكار, إذ يشعرُ في موقعه الحالي بتمزقِ روحه تحت وطأةِ الاغترابِ والغيابِ عن ذاته الحقيقية, وكما قال "إريك فروم" الإنسانُ الحرُ هو بالضرورةِ غير آمن".
فعبارته" سأجدُ في يوم ما ظِلّي" تعكس توقاً إلى إعادة اكتشاف الذات, لعله سيصغي إلى صوته, فهو في شغف إلى الوصول, وكأن الظل رمز لهوية ضائعة يطمح إلى احتضانها والتمسك بها, عسى أن يتخلص من فوضى المجهول, فالظل هنا ليس مجرد صورة مادية, بل تجسيد للبحث عن السلام الداخلي وسط عالم مضطرب, وقد ذكر "تولستوي" كل الإجابات تكمن في داخلك, أنت تعرف أكثر مما هو مكتوب في الكتب".
" سألتحفُ به دِثاراً" إذاً هي الحاجةُ الملحّةُ إلى العزلة, وإلى الحمايةِ من هذا الواقعِ المؤلم, عن آلامِ العالمِ الخارجي, بعد أن تسلّلت إلى الدواخل, وكأمنيةٍ له وتصوّرٍ إذ ما وجد له" فيهنو الجسدُ السَّقيم" فهي تعكسُ الرغبةَ في الراحةِ والشفاء, وكأنَّ الظلَ المنشودَ سيصبحُ درعاً وهمياً يعزلُ الجسدَ السقيمَ عن أوجاعه.
لكنَّ رغم أمانيه هذه, يعترفُ الشاعرُ بأنَّ المصيرَ المحتومَ لا مفرَّ منه, إنّه واقعٌ لا مفرَ منه, فالألمُ لا يزالُ واقعا, والشفاءُ منه أمنيةٌ تبقى تتأرجحُ على حافةِ اللايقين, ومع ذلك, لا يتوقفُ الأملُ عن الظهورِ في شكلِ رحلةٍ مستمرةٍ نحوَ الخلاصِ الروحي, رغم ما يحمله هذا السَّعي من إحباطاتٍ وتعب.
ومع أنَّه يتمنى أن يجدَ ظِلَّه, إلّا أنّه تتجلى المشاعرُ المتناقضةُ في قوله " إلى وطنٍ ليس فيه ملجأ للنسيان" لذا فإنّ حالةَ الاغترابِ لن تغادره, ليصبحَ البحثُ عن ضالةِ النسيانِ رحلةً عبثية, فالذكرياتُ تلاحقُ الذات, وراحة البال ستظل حلماً بعيد المنال, لتصبحَ التضحيةُ جزءاً من حتميةِ الحياة.
" تذمَّرتُ من معاناةِ الألمِ" " واسبلتُ سِترَ الظلامِ على مرآة" هنا يرسم صورةً قاتمةً لدواخلِ الذات, حيث يمتزجُ الألمُ بالظلامِ في مواجهةِ ضوءٍ خافتٍ للمودّةِ والأملِ الذي بدأ يتبدّد تدريجيا.
هكذا يصبحُ البحثُ عن السلامِ محاولاتٍ عبثيةٍ داخل عالمه الداخلي المشحونِ بالظلام, لكنه رغم ذلك يحمل في طياته إصراراً على الاستمرارِ في الحلمِ والمقاومة.
"فأَسرفتُ حِيناً,
وقَاسَيتُ أحَايينَ
سُرادقُ مَكنوناتي تَستشِفُّ الرُّؤى
وعُصَارة طَبعي بَاردةٌ في المَدَى
أَثْلَجَتْ سَبيكةُ مَجدي عَناوينَ
الرُّؤى
وانهَمَرَتْ تُغنّي بِشَدْو:
إنّي إلى حَيثُ الخُلُود
استَكِينُ"
" فأسرفت حينا, وقاسيت أحايين" عبارةٌ تجسدُ تجربةَ الشاعرِ مع التجاوزاتِ الحياتيةِ التي غمرته أحياناً بالتطرفِ في اتخاذِ القراراتِ أو الانغماسِ في مساراتٍ متعددة, لذا فهي تعكسُ التجربةَ والندمَ على تبعاتها, أي بين الغلو والندم, وكأنَّ الذاتَ تعيشُ بين شطري المبالغةِ والمعاناة.
إلّا أنّنا نجدُ الشاعرُ رغم ضبابيةِ المشهدِ كلّهِ والظلامِ الذي يُسدل على الداخل, يحاولُ البحثَ في أعماقِ النفسِ لاستخلاصِ الفهمِ والرؤى حول ذاته والمستقبل, فهو يسعى إلى استكشافِ تلك الذاتِ والغوصِ في اعماقه ليجدَ الوضوحَ وسطَ هذا الغموض" سُرادقُ مكنوناتي تستشفُ الرؤى" هنا يظهرُ التأملُ العميقُ كأداةٍ لفهمِ الذاتِ والعالم, وكأنّ السكونَ الداخلي هو السراجُ الذي ينيرُ الرؤيةَ رغم الظلام المحيط.
لكنَّ هذا الاستكشافَ يأتي وسطَ برودٍ عاطفي, حيث يقولُ" وعصارةُ طبعي باردةُ في المدى" هنا يظهرُ الشاعرُ طبعه استناداً على تلك العصارةِ التي تستخلصُ ذلك الطبع, فهي تعكسُ مشاعرَ الفتورِ في مواجهةِ الحياةِ وأحداثها, وقد يُشيرُ إلى خُفوتِ العاطفةِ أو انطفاء الحماسةِ لتحقيقِ الأحلامِ والطموحات.
" اثلجتْ سبيكةُ مجدي عناوينَ الرؤى" إذ تعكسُ حالةً من الجمودِ التي أصابت المشاعر, حيث تجمّدتِ الأحلامُ والطموحاتُ التي كانت في يومٍ من الأيامِ تشكلُ ملامحَ المجدِ المرجو, وأصبح الهدوءُ والجمودُ عنواناً للمرحلة.
" وانهمرتْ تغني بشدو: إنّي إلى حيثُ الخلودِ أستكين" هنا نجدُ التحولَ إلى السلامِ الداخلي والاستسلامِ للسكون الأبدي, فلم تعد معارك الحياة ولا أعباء الاضطراب تعني شيئا, بل وأصبح الخلودُ هو الملاذُ الأخير, حيث تنتهي الصراعاتُ ويبدأ الاستقرارُ النهائي الذي يرمز إلى التحررِ من قيودِ الألمِ والمعاناة.
هذه القصيدةُ تُقدّمُ تأمّلاً عميقاً في معنى التضحيةِ والقداسةِ في حياةِ الإنسان, فالإفراطُ والتجاربُ المؤلمةُ هي بمثابةِ قرابينَ تُقدّمُ للوصولِ إلى حالةِ الصفاءِ والسلامِ الداخلي, حيث يغدو الاستقرارُ النهائي هو المكافأةُ الكبرى في رحلةِ حياةٍ مليئةٍ بالتحدياتِ والآمالِ المتأرجحة.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟