داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8727 - 2026 / 6 / 5 - 00:11
المحور:
الادب والفن
تظلُّ رحلةُ العشقِ الصوفي إحدى أكثرِ التجاربِ الإنسانيةِ تعقيداً وعمقاً، إذ يتخطى العاشقُ حدودَ البشرِ في الاندماجِ التام، متجرداً من كلِّ قيودِ الزمانِ والمكان، متحرراً من كلِّ ما هو مألوف ليصل إلى حالةِ الفناءِ في محبوبه، وكذا الصداقة قد تتخطى معناها التقليدي لتتحولَ من مجردِ رابطةٍ اجتماعيةٍ إلى تجربةٍ أكثر سموَّا، حيث يمنحُ الصديقُ صديقهَ دون انتظارٍ مقابل، بل يصبحُ الإيثارُ جزءاً جوهرياً من هذه العلاقة، فيتجلى فيها العطاءُ كحالةٍ طبيعية، لا كفعلٍ مقصود.
لكنّ بلوغَ الصداقةِ حدَّ التعلقِ العميقِ أو الاندماجِ الروحي بحيث يصبحُ الفداءُ خياراً تلقائياً، فهذا مستوى نادر، لا نجده إلا في العلاقاتِ الصوفيةِ التي تربطُ الأتْباعَ بشيخهم، حيث تكونُ المحبةُ بالولاءِ والإخلاصِ والتضحية، إنَّها رابطةٌ لا تقتصرُ على المشاعرِ الإنسانيةِ المتعارف عليها، بل تمتدُ إلى أفقٍ أكثرَ رحابة، تتجاوزُ إدراكَ العقلِ لتصبحَ انعكاساً لمعنى أسمى من مجردِ الرفقة، فتأخذُ تلك الصداقةُ شكلَ الانتماءِ المطلق، حيث لا يعودُ التابعُ مجردَ صديق، بل ظلاًّ لشيخه، متماهياً معه في الفكرِ والروح، مستعداً للبذلِ والعطاءِ بلا حدود، كأنّه يعيدُ تشكيلَ ذاته وفق هوية من يتبعه.
وعندما تبلغ هذه الصداقةُ ذروتها، تتجسدُ في ارتباطٍ روحي يتلاشى فيه الإحساسُ بالفردية، فيصبحُ الفداءُ استجابةً طبيعيةً لنداءٍ داخلي لا يقاوم، وكأنَّ التابعُ لم يعد يرى ذاته إلا من خلالِ معلمه، متجرداً من ذاته، منصهراً فيه، وهذا لا يحصل إلا حينما تذوبُ الحواجزُ بين الذاتِ والآخر، يتحولُ الولاءُ إلى امتدادٍ روحي يعيد تشكيلَ هويةَ الفرد، فليس الانتماءُ خياراً، بل قدراً لا مفر منه.
لذا، عندما بلغتِ الصداقةُ بين "الشبلي" و"الحلاج" ذروتها، وتحولت إلى ولاءٍ روحي عميق، وذابتِ الحواجزُ بين الروحين، وانصهرتِ الهويةُ في امتدادٍ وجودي يعيدُ تشكيلِ الكينونةِ ذاتها، فلم يعد الانتماءُ خياراً فردياً، بل أصبح قدراً يحتضنهُ التابعُ دون تردد، وعلى وقعِ هذا الوجد، يرفعُ السويدي صوته في قصيدته، مستحضراً ألمَ الفقدِ وتجلياتِ الفداء، حيث تتشابكُ الذكرى مع الحنينِ في نشيدٍ يُخلّدُ صداقتهما الأبدية، حيث يرسمُ ملامح" الحلاج"، ذلك المتصوفُ الذي ينفصلُ عن واقعهِ ليغرقَ في تأملاته، متجسداً في حالةِ فناءٍ روحي وتأملٍ صوفي.
إذ يعيشُ "الحلاجُ" عزلةً روحيةً بين النورِ والظلام، الأملِ واليأس، والهروب والإقرارِ بالمأزقِ الذي يعيشه، إنّه شخصيةٌ تنبضُ بالتناقضات، بين واقعٍ يعجُ بالصراعاتِ وبين روحٍ تبحثُ عن الخلاص، في مقابلِ هذا المشهد، يجلسُ أهلُ السلطةِ في مجلسِ الخليفة، يتحكمون بمصيرِ الناس، بينما يرفضُ "الحلاجُ" أن يكونَ جزءاً من تلك المنظومة، كما فعلَ "أبو نُؤاس" الذي عاشَ بين المتعةِ الحسيةِ والتأملِ الفلسفي، فكانا كلاهما وجهين لصراعِ العقلِ بين المتطلباتِ الدنيويةِ والبحثِ عن الحقيقة، نشأ التصوفُ منذ القرنِ الثاني للهجرة، وفي عهدِ "الرشيدَ" ازدهرَ في العراق، والدعوةُ من خلالِها الى الاهتمامِ بباطنِ النفسِ لا بظواهرها، ورياضةِ النفسِ بالزهدِ والعبادة، إلا أنَّ الخلافَ كان على أشده بين جميعِ الفقهاء والمتصوفة، فالمتصوفةُ يعتمدون على القلبِ والمعرفةِ بالإلهام، بينما الفقهاءُ يعتمدون على ظاهرِ القرآن والسنة وعلى الاستنباطِ العقلي.
يبدأ "السويدي" قصيدتَهُ بنبرةٍ يغلبُ عليها طابعُ الخذلان، محاولاً مدّ خيوطَ الماضي إلى الحاضر، حيث يواجهُ اضطرابَ الروحِ وسعيها المحموم لفهمٍ أعمقَ لمعنى الوجودِ والجمالِ من خلال العشقِ والتأمل، لكنَّ رحلته تصطدمُ بجدرانِ الواقع، حيث التحدياتُ الاجتماعيةُ والسياسيةُ تلقي بظلالِها الثقيلة، فتُحجبُ عنه الحقيقةَ الروحيةَ التي يبحث عنها.
تنبضُ الأبياتُ بإحساسِ الفقدِ والاغتراب، إذ يتساءلُ الشاعرُ بحسرةٍ عن غيابِ النورِ عن بغدادَ، وكأنَّ "الحلاجَ" لم يكن مجردَ إنسانٍ عبرَ التاريخ، بل شمساً وهاجةً كانت تضيُء الوعي، فانطفأت، تاركةً المدينةَ في عتمةِ الأسئلةِ التي لا إجابة لها:
"من أين تأتي يا شروق
ولم يعد للشمسِ في بغدادَ أيُّ رواجِ"
لكنَّ الليلَ في بغدادَ، ذاك الذي طالما كان مباركاً للمتصوفة، يتحولُ هذه المرةَ إلى ظلامٍ يبتلعُ كلَّ شيء، يصرخُ "الشبليُ" وسطَ وحدته التي تملؤها الأحزان، فيحترقُ من لهيبِ الشوق، وتغرقُ عيناه في دموعٍ لا تهدأ، ينظرُ إلى الأطلالِ كمن يبحثَ عن زمنٍ مضى، فتتزاحمُ الأشواقِ في صدره، وتعلو أنفاسُهُ مع كلِّ نداءٍ للصلاة، مرَّ الربيع، ثم عادَ مرةً أخرى، لكنّه لم يجلبْ معه الحياةَ، بل تركَ الصباحَ بلا نور، وكأنَّ "الحلاجَ" حين رحل، حملَ معه كلَّ إشراقٍ، فلم تعدْ الشمسُ تحملُ وجهَ النهار، ولم تعد بغدادُ كما كانت، بل غارقةٌ في الأحزان:
"الليلُ بالمتصوفين مباركٌ
والصبحُ كالخليفةِ داجِ"
يظهرُ العشقُ في أبهى صوره، متجسداً في تضحيةٍ لا تقبلَ الخضوعَ للسلطةِ أو القهر، وكأنّه نداءٌ للخلودِ يتجاوزُ حدودَ الزمن، فالمفارقةُ بين الحياةِ والموتِ ليست مجردَ تلاعبٍ لغوي، بل تعبيراً عن رؤيةٍ وجوديةٍ ترى في الفداءِ لحظةُ انبثاقٍ روحي، حيث يترسخُ الأيمانَ بأنَّ الصلبَ ليس نهاية، بل بدايةٌ جديدةٌ لتجلي الروحُ في أفقٍ أوسع من الفناءِ المادي، حينما قال " الحلاج":
" اقتلوني يا ثقاتي إن في قتلي حياتي،،، ومماتي في حياتي وحياتي في مماتي"
تتقاطعُ حياةَ " الحلاج" وأقوالهٌ مع المفهومِ المسيحي في الألمِ والفداءِ والحياةِ والحبِ الإلهي، لذلك قيل عنه مسيحي بالشوق، لاعتقاده الجازمِ أنَّ من يحبَ الآخرَ عليه أن يضحي من أجله، مهما جارتِ الأيام، وربما قد تنبأ بموته صلباً حيث قال:
" وإن قُتلت أو صُلبت أو قُطعت يداي ورجلاي ما رجعتُ عن دعواي"
هكذا أحبَ " الحلاجُ" ربَه حباً صرفاً منزهاً عن أيةِ غاية، لا طمعاً في الجنةِ ولا خوفاً من الجحيم، لقد صار فانياً في الذاتِ الإلهية، ولم يعد له وجوداً إلا بالاسم، وليس في وجوده إلا الله جل في علاه وقد قالُ عنه" جلال الدين الرومي"
" لقد بلغَ الحلاج قمة الكمال والبطولة كالنسر في طرفة عين"
في مشهدٍ آخر، نجدُ "الشبلي" نادباً صديقه "الحلاج"، لكنه لا يكتفي برثائه، بل يعكسُ تجربةً صوفيةً عميقة، يتجلى فيها العشقُ كمصدرٍ للنورِ والاكتمال، ما يجمع "الشبلي" مع "الحلاج" يتجاوز الصدفة، ليصبح تماهياً روحياً، ووحدةً روحيةً تتجاوزُ الزمن، وكأنَّ "الحلاجَ" لم يمت، بل تحول إلى فكرة، إلى معنى خالداً في الوجود.
كم هي صعبةٌ حالةُ العزلةِ إن لم تكن للضرورة، خاصةً إن كانت تباعداً زمانياً أو مكانيا، ولهذا الشاعرِ تشعرُ من خلالهِ عن عزلةِ حقيقةِ سواءً بين "الشبلي" ومن كان معهم، أو الشاعرُ نفسه، كأنما هنالك حالةُ انفصالٍ أو بعدٍ حقيقي عن الآخرين، فهي تعززُ الابتعادَ الفكري بينه وبين من يكتب لهم، وهي حالةٌ توحي إلى رغبةِ الشاعرِ بإيصالِ ما يجولُ في خلده إلى من يحبهم، بل ووصل إلى حالةِ الحنين إلى ذلك، وكأنَّ المشاعرَ باتت عبئاً ثقيلاً، كما يؤكد مارتن:
" كي ترتاح تَعلّم أن تختصر في كل شيء، الكلام، المشاعر، وأحياناً بعض الناس"
ربما هو الطريقُ الأقسى نحو السلامِ الداخلي، ولكنه، في عالمٍ مزدحمٍ بالضغوط، يبدو خياراً لا مفرّ منه، حيث قال السويدي:
"هو قال يوماً ونحنُ بمعزلٍ
اكتب إلى الأحبابِ في قرطاجِ
تلك البلادُ بعيدةٌ يا صاحبي
ولها على الأبوابِ ألفُ رتاجِ"
التاريخ، بطبيعته المتجددة، لا بد أن يعيدَ تشكيلَ نفسه، هي أمنيةٌ تتجددُ عبرَ العصور، وربما الأغلبُ لا يفهم المغزى منها، غير أنَّ الأمة، رغم مرورِ العصور، وكُتبتُ الدواوينُ عن الفضيلةِ والتسامح، فهي ما تزال تتشبثُ بعقيدةِ سفكِ الدماءِ وأقصاءِ الخصوم، وكأنَّ صليلَ السيوفِ وصدى الصلبِ لم يبرحا وعيها الجمعي، إنّها ثقافةٌ تجترُ ماضيها، غير آبهةٍ بتحولاتِ الزمن، فتسيرُ الريحُ محملةً برائحةِ الدماء، تائهةُ في ليلٍ لا يعرفُ فجراً جديدا.
في مواجهةٍ واقعٍ متسارعٍ ومؤلم، يسعى الشاعرُ إلى إيجادِ ملاذٍ روحي أشبه بمحيطٍ من السكينة، فضاءٌ يشبه البحرَ الذي يفتحُ أمام الإنسانِ مجالاً للبحثِ عن ذاته بعيداً عن قيودِ المدنِ وأسوارها، هنا، حيث يسكنُ الهدوءُ، تتنفسُ الروحُ بعيداً عن مخالبٍ تشقُ القلبَ وتجعلُ الجروحَ تنزفُ بلا توقف، جنونٌ يدفعه للعبِ بالنار، يكمنُ في خفاءٍ بعيد، وراء الجدرانِ التي لا يسمعُ فيها سوى الحقيقةِ التي يعيش من أجلها:
"فلنقضِ هذا العمرَ قربَ البحرِ
قد نحتاج أحياناً إلى الأمواجِ"
رغم الطعناتِ التي تنهالُ على جسده والموتِ الذي يتهددُ وجوده، يبقى "الحلاجُ" ناجياً، ليس من خلالِ جسده الذي تنوء به الأوجاع، بل بفكرهِ الذي تخطى حدودَ الزمانِ والمكان، "فالحلاج"، في لحظاتهِ العميقة، وصلَ إلى مرحلةٍ من الاتحاد الروحي، حيث تلاشى الفصلُ بين الذاتِ والوجود، ووجدَ في هذا الاتصال الوجداني العميق سبيلاً للسلامِ الداخلي، الألمُ الناجمُ من هذا الغيابِ لا يزال يوجعه، لكنّه يصبحُ جزءاً من عمليةِ تطهيرِ روحي، حيث يتحولُ هذا العذابُ إلى وقودٍ معنوي ينيرُ روحه في كلِّ لحظةٍ تحتاجُ فيها إلى النور، في تلك اللحظات، يصبح الزمنُ مجردَ وهم، وحضورُ الروحِ هو الحقيقةُ الوحيدة:
"ما أكثر الطّعناتِ في جنبيهِ
والموتَ افتراءً
بينما هو ناجِ"
" الحلاجُ" بعذابه، وكأنَّ هذا العذابَ هو الأمانُ الذي لا يريد أن يفارقه أبداً لأنه يسمو به في عالمه الخاص، فهل فكرة" النجاة بالفكر" تعني أنَّ الحلاجَ انتصر، أم أنَّ التأريخَ يعيدُ إنتاجَ اضطهادِ المفكرين؟ ، لذلك هو لا يبحثُ عن هويةٍ مكتملةٍ بذاتها، بقدرِ ما يسعى إلى جوهرٍ تكوينيّ يعيدُ تشكيلَ ذاته عبر العشقِ والمعاناةِ والصمود، وهو القائل:
" أفهامُ الخلائقِ لا تتعلق بالحقيقةِ والحقيقة لا تليقُ بالخليقة"
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟