أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في مرويةٌ تاريخيةٌ عن قصر الجعفري في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي















المزيد.....

تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في مرويةٌ تاريخيةٌ عن قصر الجعفري في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8724 - 2026 / 6 / 2 - 00:23
المحور: الادب والفن
    


ففي رحلة تتجاوز حدود الزمن، يجسد الشاعر السويدي ببراعة آسرة وبأسلوب بنوي عملا متميزاً من خلال صورة" البهلول"، ذلك النموذج الفريد الذي يجمع بين الحكمة والجنون الظاهري، من خلال منظور نوستالجيا عميق، إذ تتأرجح مشاعر الحنين إلى الماضي، ذلك الماضي الذي يُنظر إليه غالبا بنظرة باهرة خلابة، بوصفه جميلاً إضافة إلى ألمه، إلا أن الشاعر يسلط الضوء على الجانب المؤلم و المأساوي منه، الذي غالبا ما يتم إغفاله رغم بريق الذكريات، حيث قال:
" أنا ذلك البُهلولُ أمي بصرةٌ
وأبي أميرٌ جاءَ عبرَ الأبحرِ"
في ظلِّ هذا التداخلِ المعقدِ بين الموروثِ والتأويلِ الشخصي، حيث تتشابكُ العواملُ الخارجيةُ والداخلية في عملية الحكم على الماضي في جزيئات خفية لا تظهر للعيان، حيث تبرز مسميات ومفاهيم عميقة الترميز لا تمت بصلةٍ مباشرةٍ للموروثِ العربي كما يتصوره المتلقيُّ المعاصر، مما يخلقُ مفارقةً لافتةً بين الاعتزازِ بالتراثِ وبين رؤيته من زاوية ناقدة.
إنَّ هذا النصَ ينبني على تشابكٍ نادرِ الحدوثِ بين المحورين الذاتي والتاريخي، إذ يقفُ الشاعرُ على اعتاب الركام، حيث يمتزج الإحساس بالحنين إلى مجدٍ غابرٍ مع واقع مأزوم يتجلى من خلال تقمص شخصية " البهلول" هذا التقمص يقوده إلى قصر الجعفري، الذي أصبح شاهداً على مجدٍ لم يسقط فقط في الواقعِ فحسب، بل تهاوى أولاً في النفوس.
هكذا، يعكس الشاعر صورة التغني الزائف بالماضي من زاوية خفية جدا، وبالجنوح استظهار ذلك المجد الذي يتحول إلى مرآة خادعة يتأملها الناس عبر العصور، دون أن تعكس لديهم صور الصدق مترددين بين الافتتان به والاعتراف بزيفه، حيث يقول الشاعر:
" عن قصرِ جعفرَ قصّةً في معجم البُلدانِ
ذي الورقِ القديمِ الأصفرِ
كم رافقتهُ البيدُ
في مشواره الصعبِ الطويلِ
إلى الغدِ المخضوضرِ"
عندما يخرجُ الشاعرُ من شخصيتهِ الحقيقيةِ ويتقمصُ شخصية" البهلول" فإنه لا يفعلُ ذلك إلا ليُظهر انتماءه العميق للتراث، والألم المتراكم الذي يعايشه يوميا، هذا التقمص يعكس حالة الوعي التي يمر بها، تتداخل في ذهنه العديد من الأفكارِ المؤرقةِ عن الهويةِ وارتباطها بالتاريخ، فمع تزايد الوعي يصبحُ هذا الوعي مرضاً عضالاً لا يحس به سوى من يعي معنى الهوية وارتباطها العميق بالتاريخ. فالهويةُ هنا ليس مجردَ انتماءٍ جغرافيٍّ أو ثقافي، بل هي امتزاجٌ بين الذاتِ والتاريخ، بين الفخرِ بالأممٍ والصراعِ من أجل الحفاظِ على تراثها.
ما يثير الانتباه هو أن الشاعر السويدي جعل من الهوية عنصراً يتنقل عبر العصور المختلفة، فلا يقف عند لحظةٍ زمنيةٍ واحدة، بل كان جسراً بين الماضي والحاضر، من خلال التنقل بين المجدِ التليد والتراجع الحالي المتقهقر، الذي جعل من بعض الأماكن كأنما أشبه بمأوى للخفافيش، لذا اختار الشاعر التنقل بين الشعراء العظماء مثل "الفرزدق وأبو الطيب البحتري"، ويمر على "السيّاب" الذي يمثل رمز الحداثة في القصيدة العربية، حيث يقول:
" وحدي دخلتُ الشعرَ سيّاباً
وفي قصرِ الخليفةِ مجلسٌ لشُويعرِ
أبكي فيحتضنني الفرزدقُ قائلاً
سيعودُ يا ولدي أبوكَ البُحتري"
في هذا التنقلِ الزمني بين الأجيال، يتجلى العشقُ في البحثِ المستمرِ عن الجذورِ الثقافيةِ والفكرية، مما يدفعه إلى تصويرِ شخصيةَ "البهلول" راكضاً بين الأزقةِ والحارات، باحثاً عن شيخه الصوفي "سهل التستري"، وهو سهل بن عبد الله التستري، الذي في إشارةٍ واضحةٍ إلى التوقيرِ الروحي والمعرفي، يقول " التستري":
" لو أعطي العبد بكل حرف من القرآن ألف فهم، لم يبلغ نهاية ما أودع الله في آية من كتابه، لأنه كلام الله وكلامه صفته، وكما أنه ليس لله نهاية، فكذلك لا نهاية لفهم كلامه".
إلا أن" البهلول" لا يجد سوى صورةَ "جعفر" بين الركام المذعر، مما يعكس صورةَ الانهيار الذي طال الماضي والحاضر معا، فيقول الشاعر:
" بهلولُ في الحاراتِ يركضُ
باحثاً عن شيخهِ الصوفيِّ سهلِ التستري
لكنّه لم يلقَ غيرَ صورةِ جعفر
بينَ الركامِ المُذعِرِ"
العشقُ يصبح مزدوجاً، عشقٌ مكاني وعشقٌ تراثي، فقصر الجعفري وسامراء وبغداد كنماذج لهذا العشق، وعشق التراث الشعري العربي الذي يتجسد في استحضارِ شخصياتٍ أدبيةٍ بارزةٍ مثل "الفرزدق والبحتري"، مما يضيف بعداً جديداً لهذا البحثِ المتواصلِ عن الذاتِ والهوياتِ الثقافيةِ المتشابكة.
القصرُ هنا لا يمثل مجردُ مكانٍ ثابت، بل هو رمزُ للتراثِ الإسلامي العباسي، وشاهدٌ حيٌّ على خفايا ذلك الزمن الذي يجمع بين الشموخ الظاهري والتآكل الداخلي في قوائم السلطة بفعل المؤثرات الخارجية، كما يعد القصر أيضا رمزا لتغيرات تلك الحقبة التاريخية، حيث يذكرنا بالعظمةِ الماضيةِ التي تحولت إلى ركامٍ مذعر، مما يعكس التأسفَ حدَّ الكمدِ على فشلِ الحفاظِ على الركائزِ الأساسيةِ التي كانت شاهدة على حقبةٍ هامةٍ من تاريخِ العراق.
من خلال تقمص الشاعرُ لشخصية " البهلول"، يظهر قدرته على تجاوزِ المألوف، وتخطي الضوابطَ التقليديةَ التي تفرضها المجتمعات، مما يتيح له التحرر من القيودِ والبحثِ عن طرقِ جديدة للتعبير عن ذاته، هذا التقمصُ الذي تفننت فيه روحه الملهمة يمكّنه من تجاوزِ المألوفِ والتوجه إلى فضاءاتٍ أوسع، فيصبح بمقدوره تقديم تأملات عميقة وخالدة بآثارها وحية في تأثيرها وعرض صور من التاريخ في سياق معاصر حول العلاقة بين الماضي والحاضر وتقاطعهما، وكيفما تتحول العظمةُ إلى تراجع.
في هذا السياق، يستعيد الشاعرُ تلك الصورَ من التاريخِ تتصادى فخراً، ما بين عصرِ سامراء العباسي وبغدادَ الحديثة، ليظهر كيف يتقاطع الماضي مع الحاضر، إنَّ هذا التنقلَ الزمني، الذي يقوده "الفرزدق والبحتري إلى السياب"، يعكس أيضاً تحولات الشعر العربي على مرِّ العصور، من التقاليدِ الكلاسيكيةِ إلى الحداثةِ الشعرية.
" أنا ذلك البهلولُ يا بغدادَهم
علقتُ في التاريخِ صورةَ جعفرِ"
في النهاية، تعكسُ قصيدة" مروية تاريخية عن قصر الجعفري"، رحلةً تأمليةً في مفهومِ العشقِ والهويةِ من خلالِ رمزيةٍ إيمانيةٍ في المكانِ والزمان، فالعشقُ هنا ليس مجرد حب بل هو عشق للتراث والأدب العربي العريق، أما الهويةُ فهي تتشكل من ذلك الامتزاج بين الشخصية والتاريخ، إذ أنَّ قصرَ الجعفري ليس مجردُ مكانٍ كما أسلفنا، بل هو ذلك الشاهدُ الحي على التاريخِ الطويل، و" البهلول" يظلُّ يبحثُ عن معناه في هذا العالمِ المتغير، حيث يجد عزاءه في استمراريةِ الشعرِ وامتداد جذوره بين الماضي والحاضر.
هذا الربطُ بين الماضي والحاضر يؤكد استمرارية الروح الشعرية رغم تقلبات الزمان:
" أنا ذلك البهلول، أمي بصرة"
في إشارةٍ إلى ارتباطهِ العميقِ بمدينةِ البصرة التي كانت مركزاً فكرياً وأدبياً في العصر العباسي. في ذات السياق، حيث يظهر الشاعر السويدي من خلال " البهلول" بأن الشعر قد يمر بفترة من الضياع الثقافي، أو ربما قد يصل إلى الشعورِ بالغربةِ في الزمنِ الجديد، مما يثير " البهلول" حزناً عميقاً، ولكن هنا رغم ذلك، يشيرُ الشاعرُ إلى تواجدِ الأملِ في عودةِ الشعرِ إلى مجدهِ القديمِ رغم بكائه، حيث يقول:
" أبكي فيحتضنني الفرزدقُ قائلا"
لذا، يقوم السويدي باستحضار "البحتري" من العصرِ العباسيِّ كرمزٍ لجمالِ الشعرِ الموسيقي، من خلالِ استخدامهِ للصورِ الحسيةِ كمبدأ للتجسيدِ في إحياءِ الماضي، وكأنه حاضرٌ فيه، ليجسد الصلةَ العميقةَ بين الزمنين وتفاعلِ الهويةِ الثقافيةِ بين الأجيال، "فالفرزدق" الشاعرُ الأموي المعروف، وهو رمزٌّ للشعرِ الكلاسيكي القوي، فيحتضنه ليؤكدَ له ذلك الأمل:
" سيعود يا ولدي أبوك البُحتري"



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: حين انقطع الوتر
- من شجرة التوت إلى المتراس: تأملات في جدلية الحب والحرب في رو ...
- قصة قصيرة: رحيل أنثى
- الحريةُ في زمنِ الاستلاب: رحلة في رواية انتحار تكتيكي للدكتو ...
- قصة قصيرة: الحرمان
- ودقُ المرافئ بين الممكنِ واللاممكنِ: تأملات في عوالم الرواية ...
- قصة قصيرة: رجلٌ يحتوي أحلامها
- تأملات في جدلية العشق والهوية في قصيدة المبتسمُ حزيناً في دي ...
- قصة قصيرة: كرامة أنثى
- لوحة الفنانة العمياء: تأملات في صراع الكاتب وشخوصه في عالم ا ...
- قصة قصيرة: دموع أنثى
- جدلية الانتظار بين الفقد والولادة: تأملات في رواية حبة الشعي ...
- قصة قصيرة: ظلال الطاعة
- وشم الذاكرة: تأملات في تشكيل الهوية في وشم على جبين الزمن لس ...
- بين نداء الليل وصهيل القصيدة: تأملات في شيفرة العتاب وحنين ا ...
- قصة قصيرة: الانتصار
- قصة قصيرة: الأرملة
- في حضرةِ دجلة: تأملاتٌ في ذاكرةِ الحبِ والخذلانِ كمسرحٍ للمق ...
- ظلٌّ بلا صاحب: تأملات بين الحياةِ والموتِ في قصةُ شهادةِ وفا ...
- قصة قصيرة: الذئاب


المزيد.....




- استذكار الشاعر الكبير مظفر النواب في جمعية المهندسين
- ترقب في دمشق لإعلان تشكيلة البرلمان الجديد: حصة رئاسية لتعوي ...
- محمود سعيد.. رائد الحداثة التشكيلية الذي صهر الضوء الأوروبي ...
- -تيلا برازيل-.. منصة مجانية لبث إنتاج السينما والتلفزيون بال ...
- بمعرض وعروض سينمائية ومزاد علني... هوليوود تحتفل بمرور مائة ...
- أقدم حضارات الأرض.. حين اخترعت -المدينة- من سومر ومصر إلى بي ...
- إحياء الذاكرة النقدية: طبعة جديدة لمرجع سلمى خضراء الجيوسي ف ...
- منار نجاة في كابل.. صراع الذاكرة التاريخية وضرورات التطوير ب ...
- مارادونا الغناء العربي.. كيف هزم جورج وسوف المعايير ببحة مكس ...
- -شركاء-.. تركي آل الشيخ يكشف عن حجم مشاركة صندوق الأفلام في ...


المزيد.....

- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - تأملات في رمزية العشق والهوية: قراءة في مرويةٌ تاريخيةٌ عن قصر الجعفري في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر محمد السويدي