أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الانتصار














المزيد.....

قصة قصيرة: الانتصار


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8716 - 2026 / 5 / 25 - 09:18
المحور: الادب والفن
    


ليلٌ شتوي طويل، ينسدل على الأرض كستارٍ ثقيلٍ من البرودة والظلال. السماء ملبدة بغيومٍ متراكمة كأنها ذاكرةٌ مثقلة لا تريد أن تنقشع، والأرض رطبة من أثر عاصفةٍ مرت قبل قليل، تاركةً وراءها صمتاً موحشاً يشبه ما قبل الخطر. الهواء يتحرك بسرعة، يصفر في الفراغ كأن الطبيعة نفسها تُنذر بشيء غير مرئي.
في ذلك العزلة الممتدة، كان صاحب الدار وحده يقف بين حدود القلق واليقظة. قلبه لا يهدأ؛ يضرب صدره كطبول حربٍ خافتة. أغنامه هناك، بعيدة في العراء، كأنها جزء من روحه مهددة بالانفصال. البيوت متباعدة، والجيرة غائبة، فلا صوت بشرٍ يطمئن، ولا يد تمتد عند الحاجة. وحده الليل يتكلم… بصوت إطلاقاتٍ متقطعة في الأفق، كأن العالم يختبر صلابته.
يتحرك في المكان ذهاباً وإياباً.
"شيء ما يحدث…"
يتمتم في داخله، ثم يعيد النظر كمن يحاول أن يقنع الواقع بعدم الانهيار. الكلاب تنبح بانفعال متصاعد، كأنها تترجم خوف الأرض إلى صوت. الخطر يقترب، لا شكل له بعد، لكنه حاضر بثقله.
يقاوم النعاس والبرد والجوع. الجسد يطالب بالاستسلام، لكن الداخل يرفض. يمد يده إلى جيبه، يسحب بضع تمرات، يدسها في فمه أو يحتفظ بها كأنها آخر ما يربطه بالحياة. يختبئ خلف جدارٍ منخفض، يضغط على أنفاسه، ويراقب.
ثم تتضح الحقيقة في الظلال: الذئاب.
لم تكن مجرد حيوانات، بل تجسيداً لوحشٍ أعمق؛ ذلك الذي يختبر الإنسان حين يُترك وحيداً أمام هشاشته. تنتشر في الجهات كلها، كأنها فكرة الفوضى حين تتحول إلى حركة.
يهمس لنفسه، أو ربما لشيء داخله:
"إرادتي هي التي تصنع حياتي… لا بد أن أتجاوز."
لكن هذا الانتصار لم يعد مجرد دفاع عن قطيع. إنه صراع مع معنى الذات ذاته. ما قيمة أن يُهزم إذا رأى الآخرون ضعفه؟ وما معنى أن ينجو الجسد وتنهار الصورة؟
يعلو صوته الداخلي أكثر:
"توقف أيها القلب… لا تخنني الآن. لستُ بحاجة إلى خوفك. أنا بحاجة إلى أن أبدو ثابتاً… أن أبقى مرفوع الرأس."
كان يقاتل في جبهتين: الخارج الذي ينهش أغنامه، والداخل الذي ينهشه هو. وبينهما يتشكل مفهوم الكرامة لا كقيمة مجردة، بل كعبء ثقيل يجره في العتمة.
تبدأ المواجهة. حركة، صراخ، ارتباك، طعنات سريعة في الظلال. يسقط أحدها، ثم آخر، والليل لا يتغير، كأنه لا يكترث لمعركة الإنسان الصغيرة ضد فوضى الطبيعة. الكلاب تشتد شجاعتها، كأنها استجابت لنبض صاحبه.
من خلف الظلام، يعلو صوت زوجته:
"اصمد… لا تجعلنا حديث النسوة صباحاً عند العين."
تلك الجملة لم تكن مجرد تشجيع، بل كانت تثبيتاً لمعنى آخر: أن الإنسان أحياناً لا يقاتل فقط ليحيا، بل ليحافظ على صورته في ذاكرة الآخرين.
وفي لحظة ما، بين صراع الذئاب وصراع المعنى، أدرك أن الانتصار ليس في عدد من يسقط، ولا في قطيع يُنقذ، بل في تلك اللحظة التي يرفض فيها الإنسان أن يتحول خوفه إلى هزيمة داخلية. فالذئاب قد تُطرد… لكن الذئب الحقيقي، ذلك الذي يسكن الداخل، لا يُهزم إلا حين يفهم الإنسان أن الكرامة ليست في أن يبدو منتصراً، بل في أن يظل إنساناً وسط العتمة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الأرملة
- في حضرةِ دجلة: تأملاتٌ في ذاكرةِ الحبِ والخذلانِ كمسرحٍ للمق ...
- ظلٌّ بلا صاحب: تأملات بين الحياةِ والموتِ في قصةُ شهادةِ وفا ...
- قصة قصيرة: الذئاب
- بين قسوة العالم وصلابة الروح: تأملات في مكابدة الحياة في قصة ...
- قصة قصيرة: لماذا يا أبي؟
- تأملات في حكاية الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للشا ...
- تأملات في حكايةُ الصوفي والبصرة في ديوان المُكتفي بالعشق للش ...
- قصة قصيرة: ذاكرةُ الشك
- رحلةُ البحثِ عن الذاتِ: تأملاتٌ في الهجرةِ نحو الشمس للكاتب ...
- قصة قصيرة: الذاكرةُ لا تورث
- حين يتقاطع السرد مع الوجدان: تأملات في قصة -الشرقاط 67- للدك ...
- قصة قصيرة: أنقاض
- من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل ...
- قصة قصيرة: بين ضفَتين
- جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر ...
- قصة قصيرة: ذات ليلة
- بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر ف ...
- قصة قصيرة: على شفا المساء
- بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص ...


المزيد.....




- نجوم الفن في مصر ينتفضون لدعم حسام حسن بعد -دراما الأرجنتين- ...
- بوتين يوجه بحزمة إجراءات لدعم اللغة الروسية وتعزيز مكانتها ع ...
- موسم مسرحي حافل بالعروض الأولى في موسكو
- فيلم -ابن مين فيهم-.. الكوميديا تجمع مجددا بين ليلى علوي وبي ...
- مريدون في ريو يحتفلون بيوم زي بلينترا بالموسيقى والرقص والدع ...
- موسكو ترمم منزل ومرسم الفنان فالنتين سيروف التاريخي في شارع ...
- Strategic Culture: كييف تجاوزت -نقطة اللاعودة- في استنزاف م ...
- فضل شاكر يعلق على قرار إخلاء سبيله: كتبت لي سطور جديدة في ال ...
- افتتاح مهرجان بطرسبورغ للجاز بعرض موسيقي في الحديقة الصيفية ...
- موسكو.. متحف -بوشكين- يستضيف معرضا عن الفن البوذي الروسي


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الانتصار