أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: أنقاض















المزيد.....

قصة قصيرة: أنقاض


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8709 - 2026 / 5 / 18 - 08:08
المحور: الادب والفن
    


كان عالمُ المدينة ضيقَ الملامح؛ بيوتٌ متلاصقة، وأزقة مكتظة، وعشوائية بناءٍ نبتت في حيّ حديث من دون رقابة أو تخطيط. جاء إليها مع أسرته من الريف، من حيث الحقول الممتدة ورائحة الحصاد ومرح الطفولة. هناك، كانت خطواته تنبت فرحاً فوق التراب، وكان الحقل الصغير يحتضنه كما لو أنه جزء من نبضه اليومي. لكنه انتقل باحثاً عن عيشٍ أوسع وفرصٍ أكثر، فالبيوت في قريته، رغم اختلاف أصحابها، كانت تتشابه في الفقر والطموح المؤجل.
التحق بالمدرسة ففشل، وعمل عند أصحاب المال فطُرد، حتى غدت أيامه نسخاً متكررة من الهم ذاته. أخذ يجوب الشوارع بعينٍ مذهولة؛ عالمٌ غريب تضج فيه الأسواق، وتتعالى أصوات الباعة المتجولين، وتمتلئ الساحات بالبضائع والحركة والضجيج وتداول الأموال. كان يرى كل شيء يتحرك بسرعة، فيما يده تمتد إلى جيبه الفارغ، كأن المدينة كلها تعلن ثراءها أمام فقره الصامت.
ومع توالي الأيام، شعر أن عليه أن يغيّر شكله ولهجته وحتى ملامح روحه؛ أن يقص شعره على طريقة أهل المدينة، ويرتدي ما يشبههم، ويقنع نفسه بأنه لا بد أن يكون مثل الآخرين، وأن يجد لنفسه مكانةً وسط هذا الزحام القاسي.
غير أن محاولاته تلك دفعته شيئاً فشيئاً إلى كراهية ذاته. صار مقتنعاً بأن الإنسان ليس دائماً سيد مصيره، وأن الأعمار قد تُختزل فجأة، فتسقط مراحل كاملة من العمر دون استئذان. وجد نفسه يقفز من طفولة بريئة إلى رجولة مثقلة بالتجارب، حتى غدت البداية والنهاية متقاربتين بصورة موجعة، وكأن لا مسافة واضحة بين الشروق والغروب، ولا فرق حقيقياً بين الأمل والانطفاء. وأدرك أيضاً أن المحن لا تختار أصحابها، بل تهبط على الجميع بلا رحمة.
ثم جاءت تلك المرأة، التي تعرّف إلى أهلها أثناء بحثه الطويل عن عمل، وكأنها نافذة صغيرة انفتحت وسط هذا الخراب. حاول بكل جهده أن يكون جديراً بالثقة التي منحته إياها، وأن ينتشل نفسه من الشعور الدائم بالضياع.
كان كثيراً ما يسترجع سنواته الماضية، محاولاً أن يغرس أصابعه في أعماقه ليقتلع جذور التراكمات القديمة، ويرميها بعيداً، ثم يزرع مكانها وروداً جديدة، علّه يرى العالم بعين أقل قسوة. لذلك أخذ يسأل نفسه بإلحاح:
- وهل للاعتذار المتأخر قيمة تُذكر؟
لقد وصل البشر، في نظره، إلى مرحلة أصبحت فيها ردود أفعالهم أشد قسوة من الأحداث نفسها؛ غضبٌ متضخم، وحزنٌ متوحش، وتعصبٌ أعمى، وكأن الإنسان لم يعد يعرف كيف يحتفظ بتوازنه الداخلي. وكان يشعر، في قرارة نفسه، أنه لم يكن بحاجة إلى كل ذلك التهور الذي ارتكبه يوماً.
فالمشاعر، حين تُوضع في سلة الروح، لا تغار ولا تتنازع، لأن أصلها الحب، ولا شيء غير الحب. كانت روحه تحتاج إلى خلوةٍ للتأمل، لا إلى عزلةٍ موحشة؛ إلى مساحة يرى فيها الناس بعيداً عن الأحكام والتصنيفات، ويرى الحياة بشيء من البهجة والتفاؤل. وكان يدرك أن الوهم، حين يتمدد داخل الإنسان، يجتاحه جسداً وروحاً وتصرفاً، ويدفعه للتلصص في دهاليز الماضي والبحث في ثقوبه السوداء، فتتعاظم الفوضى في داخله، وتتلاطم الأفكار حتى تكاد تمزق المخيلة، بينما تعزف ضربات القلب لحن الخوف والحزن والتمرد. وأدرك أيضاً أن الألم لا يبدأ دفعة واحدة، بل يتسلل بخيطٍ دقيق يكاد لا يُرى، من تفاصيل صغيرة ومواقف عابرة، ثم يتعمق مع سوء الفهم واتساع التأويل، حتى يبلغ ذروة المعاناة. وكان يؤمن أن رحلة الإنسان نحو الحقيقة هي رحلة موجعة؛ ففيها يكتشف طبائع البشر، واختلافهم، وهشاشته الشخصية، وضعفه الخفي، كما يكتشف ذلك الظمأ الأبدي الذي يدفعه إلى مطاردة الأشياء والرغبة في امتلاكها، مدفوعاً بالأمل تارة، وبالوهم تارة أخرى.
ثم جاءت اللحظة التي ترجته فيها زوجته بصوتٍ يتكسر من الألم:
- يا أحمد... عليك أن تغادر. اتركني هنا، فأنا سأصبح قريباً في عالمٍ آخر. جراحي ودمائي وبيتي الذي تهدم أمام عينيّ لم تعد تحتمل الرحيل. ادفني هنا، في حديقة بيت أحلامي، وغادر...
كان صوتها يخرج متشابكاً مع النزف، محمولاً على عتبٍ ثقيل، فيما الكلمات تتداعى من فمها كأنها هذيان الروح الأخيرة. كانت تتكلم، بينما الموت يقترب منها ببطء، وهو يحدق فيها بعينين عاجزتين عن استيعاب المشهد. الدماء غطّت جسدها، لكن القلب وحده ظل قادراً على تمييز الشغف، وفهم لغة العيون والصمت والحنين.
كان المشهد مرعباً؛ ظلامٌ كثيف يطبق على المكان، وخوفٌ يجعل الكلمات تختنق في الحناجر. ارتجفت يداه وهو يأخذ قنينة العلاج المخدر، يضع قطرات في فم طفليه ليضمن نومهما، ثم حمل أحدهما على ظهره والآخر على كتفه وغادر، فيما كان الفجر يتسلل خافتاً إلى الخراب، وإطلاقات النار تمر قريبة منه كأشباح الموت.
وفجأة شعر برطوبة على ظهره. مدّ يده ليتحسسها، فإذا بها دماء.
صرخ مذعوراً:
- يا إلهي... لقد قتلوا طفلي.
تجمدت أطرافه، وشعر أن جسده كله قد شُلّ. عاد مسرعاً إلى داره المهدمة، ودفن الصغير قرب أمه، ثم حمل طفله الآخر، الذي ظنه نائماً، وسار به نحو المكان الآمن. وحين حاول إيقاظه هناك، اكتشف الحقيقة القاتلة؛ لقد كان ميتاً هو الآخر.
حينها فقط فهم أن الدماء التي لطخت ظهره لم تكن إلا دم ابنه الثاني.
وقف كالمذهول، ثم انفجر صارخاً:
- أنا المجرم... أنا المجرم... الليل مجرم، والحب مجرم، والقلب مجرم... يا دموع انهمري، لقد دفنتُ ابني حيّاً!
ومنذ تلك اللحظة أصابه خواء يشبه البلادة. مرت الشهور ثم تحولت إلى سنوات، وهو يحاول أن يجمع شتات نفسه بكلماتٍ توقظ ما تبقى من مشاعره، لأنها الشيء الوحيد الذي ما يزال القلب قادراً على تصديقه، حتى لو بدت هشة كرقصة عصفور بين يدي طفل عابث.
كان يحاول أن يتذكرها، وأن يلمّ بقاياه المتناثرة. وكان يقول لنفسه:
- بوسع الوحدة أن تكون كبحرٍ عند الشفق، حين تعبث الرياح بالنوارس فتجعلها تائهة. روحي مزدحمة بالأنفاس والكائنات والأضواء، كمدينةٍ لا تهدأ. أربعة نوافذ مشرعة نحو الغروب والصخب والهواء الذي يمضي بلا أحلام... فأي الجهات أختار؟ تنهيدة الشرق أم أنين الجنوب؟ ومع ذلك، تبقى الوحدة أحياناً كبوصلة هاربة نحو الشمال، تشير إلى موضعي، وتجعل روحي صالحة للإبحار.
ثم يخاطب ذلك الماضي المتهاوي في داخله:
- أيها الصرح الذي انهار منذ سنين، ما زلتِ تسكنيني. أنتِ صورة رسمتها مخيلة رجلٍ ما يزال يهيم في الملكوت. كنتِ كقطعة حلوى ذابت تدريجياً، ولم يبقَ منها سوى خيطٍ رفيع ينسحب نحو العتمة.
الروح لا تشيخ، وإن تهالك الجسد.
كان يرسمها في ذاكرته بذات الحياء القديم، ويرسم طفلهما الراقد قربها، ثم يهدم تلك الصور حين تجتاحه العزلة. وكأنه، مثل طفلٍ ينهي لعبته الأخيرة، يبني أحلامه من جديد فقط ليهدمها مرة أخرى، محاولاً استثارة ما تبقى من المشاعر والحواس، بينما عقله يصرّ على التذكر، والكلمات تنقاد له بصمتٍ موجع.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- من النبوءةِ إلى الادعاءِ: انكسارُ الرمزِ في قصةِ القرابين لل ...
- قصة قصيرة: بين ضفَتين
- جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر ...
- قصة قصيرة: ذات ليلة
- بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر ف ...
- قصة قصيرة: على شفا المساء
- بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص ...
- حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن ...
- بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب ...
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
- الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا ...
- قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل
- بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ن ...
- قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب
- قصة قصيرة: تجدد الأحزان
- من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور ...
- تأملات في صراع الهويةِ والانتماءِ في كتاب أدب النزوح في آشور ...
- قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة
- بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت: قراءة تأمل ...
- قصة قصيرة: عقدُ اللؤلؤ


المزيد.....




- المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي: التقت الفرق ا ...
- من الذكاء الاصطناعي إلى غبار غزة.. نشاط الصالون الثقافي بمعر ...
- بحرينية ترصد آلاف الأعمدة الصخرية الشاهقة بالصين بمشهد كأنه ...
- إشارة سينمائية ساخرة من بقائي إلى ترامب: لا تعترف بالهزيمة ا ...
- اقتلاع للأحجار وزحف عشوائي.. سور تعز التاريخي يواجه خطر الان ...
- معركة -ذات الفنون- والمقدس الثقافي
- محمد رمضان يطالب وزيرة الثقافة بـ-اعتذار رسمي لصعيد مصر-
- -المفترس الأقوى-.. فيلم ناجح أم مجرد إعادة تدوير للإثارة؟
- من نص إلى فيديو بجودة سينمائية.. ثورة -فيدو كلو- الجديدة في ...
- آثار إدلب.. حضارات متعاقبة ومتحف معرة النعمان شاهد على ذاكرة ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: أنقاض