أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأبيض كذلك الأسود للشاعر علي محمد القيسي















المزيد.....

بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأبيض كذلك الأسود للشاعر علي محمد القيسي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 20:35
المحور: الادب والفن
    


تبدو جميع الأشياء متساوية في جوهرها إذا ما تجاوزنا تتبع المظاهر السطحية, حيث يظهر أن جميع متضادّات العالم تسعى نحو التوازن في مجرى الحياة, حتى وإن تأرجحت أحيانا, كالخير والشر, النور والظلام, الحرب والسلام, العشق والفقد, جميعها تمثل قوى متناقضة ولكنها مع هذا تكون مترابطة ومتكاملة في آن واحد, فلا يمكن فهم أحدهما دون الآخر, كما لا يمكن أن يوجد أحدهما بمعزل عن نظيره.
على هذا الأساس, يمكن فهم العلاقة بين الأبيض والأسود كمثال حي لهذه الثنائية, في سياق أفكار" هيجل" "حيث تنشأ الحقيقة من جدلية الأطراف المتناقضة" إذ تتحاور تلك الأطراف وتتفاعل لتشكل واقعا أعمق وأشمل, ومع ذلك, فإن هذا الواقع غالبا ما يظهر كمزيج بين المتضادّات, مما يدعونا إلى تأمل العمق والظلال التي تقع بين هذين القطبين.
أما في البعد الإنساني, فإن رمزية الأسود والأبيض تتجلى كقيمة وجودية متساوية, حيث تكمن أهميتها في جوهر الأمور لا في مظهرها, إنها دعوة للابتعاد عن الأحكام السطحية, والتذكير بأن العدالة الحقيقية تكمن في التوازن والحياد في جميع مناحي الحياة.
وعلى المستوى الروحي, فيعبر الأبيض والأسود عن تناقضات النفس البشرية التي تسعى دائما للوصول إلى حالة من الوحدة والانسجام مع الكل, لذا فأن هذه الثنائية ليست صراعا فحسب, بل هي رحلة نحو تحقيق التكامل والتوازن, حيث تصبح تلك المتناقضات مصدرا للإلهام والفهم العميق.
" الهايكو" شكل شعري ياباني تقليدي يتميز بالاختصار والدقة, حيث يعتمد على صيغة محددة لعدد المقاطع الصوتية, معبرا عن معانٍ عميقة ومثيرا للتأمل في اللحظات العابرة من الحياة, وكما يقول "أرسطو":
"الإنسان لا يبلغ كماله, إلا بمزاولة التأمل العقلي"
يتناول هذا النمط الشعري موضوعات مرتبطة بالطبيعة, ويعكس جمال البساطة وعمقها في آن واحد.
من هذا المنطلق, اخترنا مجموعة من مقاطع" الهايكو" من ديوان" كما الأبيض كذلك الأسود" للشاعر العراقي "علي محمد القيسي" والتي تحمل بين طياتها رؤية فنية تعكس طبيعة الحياة بين العشق والحرب وما بينهما من تداخلات, ففيها من أسرار التشبث بتلك الحياة, فيها تلك اللهفة للالتقاء بالحبيب, والخوف من أن تفقد ذلك الحبيب حينما تدور رحى المعارك, إنها ليست مجرد مقتطفات, بل هي تأملات فلسفية تثير المشاعر وتسهم في استكشاف تعامل الإنسان مع تحولات الحياة المتسارعة.
" كتابة مسمارية
ما يقصد الديك
بخطواته"
الحياة تبدو بلا معنى, وكأنه يلاحق عبثًا شوقاً يسافر مع الدماء, يجري في العروق دون توقف, الخطوات تتخذ طابعاً عشوائيا, غير محسوبة, كخطوات طفل شقي لا يدرك وجهته, لا شيء يروي تلك الرغبة المتدفقة من أعماقه, حينما يحاول كسر قيود الحدود المفروضة عليه.
لكنّه لا يدرك المعنى الكامن وراء هذه القيود, ربما وجودها ذاته لا يحمل منطقاً, عبثا لا يخضع لقانون, وربما لا يتقيد بعقلانية, في كون صامت لا يمنح الجواب, ولا يكشف له أسراره.
وربما لا يشعر بتلك الحياة في دواخله كما يقول "تولستوي" إن الإنسان لا يشعر بالحياة إلا في داخله" ومع ذلك, قد يفتقر البعض إلى هذا الشعور, وكأن دواخله خاوية من الحياة ذاتها, حياته هي أشبه بكتابة سومرية غامضة, يحاول فك رموزها دون أن يدرك كنهها بسهولة.
ومن هنا يأتي "التساؤل " ترى هل هو واعي بما يتركه خلفه؟ أم أنه مجرد شخص يعيش في دائرة من الحركات العبثية, لا أكثر.
" منذ الأمس أفكر
ترى ما هو شكل عناقك
حتى أشرقت الشمس"
هنالك انتظار يتوهج في الأعماق, حيث تهيم الروح كلما مر الطيف في الذهن, وتشتعل الأشواق في لحظة اللقاء في محراب الروح, هي روح تطوف في عالمه, عالم لا يرى فيه سواها, فمتى ستنعم تلك الاشواق براحة من لهيبها الذي لا يهدأ, والذي يسري بين الثنايا وبين العظام.
إنه الشغف المتقد في لحظة تلاقي العيون, وفي تشابك الأيادي, حين يجتاح الشعور الجارف لحظة الاحتضان, لحظة الأمان التي تتحقق فيها الأمنية المنتظرة, عندها تحتفي الرياح, وتزهر أشجار الياسمين, بينما يبدأ العناق بدفء الحضن, معلنا عن ميلاد سيمفونية الخلود.
في تلك اللحظة, تجري نكهة القبلة عبر الشفاه, لتمحو مسارات الحزن المتراكمة, لكن الليل بأكمله لم ينهِ التفكير في ذلك الخيال العنيد الذي أبى أن يفارق العقل, وما أن بدأ صهيل الفزع القادم من الشارع المجاور, حتى أشرقت الشمس, واستيقظ من حلم اليقظة ليعيش في لجة التيه من جديد.
" المطر الأخير
حرفاً حرفاً يجري اسمك
على النافذة"
في الذهن تناثرت دلالات الوداع كغبارٍ يعصف بالذاكرة, كما لو أن الساعات الماضية كانت لحظة مفاجئة من السكون, عندما وقفت أمامه شاردة الذهن قبل أيام, وظهرت على وجهها ابتسامة باهتة, غريبة, لم يكن يتوقع أن يراها, فاجأته وكأنها سلبت منه كل شيء, تناثرت أشياءه كلها, تلك القصائد التي كتبها عنها, باتت مجرد حبر على ورق, تأثرت بمرور الزمن وفقدت معانيها, وتلاشت جميع أحلامه, يداهمه الملل, منتصراً على وحدته.
لا يستطيع تذكر ما قاله لها في تلك اللحظة, فقد تجمعت الانكسارات كلها, وتاهت روحه في مسارات الضياع, وكأن النهاية, لا بد أن تقترن بالحزن والفقد, وكأن الأيام أصبحت ثقيلة كدهور طويلة, تلك اللحظة تظهر واضحة في تلاشي حروف اسمها أمام ناظريه على زجاجة النافذة, كما لو أن الضياع الذي كان يخشاه قد أصبح واقعا, ليصبح ذلك اثباتا لحالة التشتت الذهني الذي بدأ يواجهها, التي تلاشت مثل خيوط ضعيفة, غير قادرة على جمع الشتات, بعد أن كانت تحمل لحظات حية, مليئة بالمعاني العميقة التي فقدت الآن قوتها.
" بالطباشير
الطفل يرسم أمه
بعيون لا لون لها"
بالطباشير يرسم طفل أمه على جدار غمرته براءة يديه, لوحة تمزج بين الحنين والحزن العميق, في عالمه الصغير, لا سبيل للفرح, بل يعود بالذكريات إلى الوراء, حيث تتزاحم صور الأم في ذهنه, تنبثق من الماضي لتقف عند لحظتها الأخيرة, نظراتها الخائرة, ودموعها التي لا تفارق ذاكرته, وداعها الأليم الذي جعل المكان غريباً وموحشا.
يغزو الحزن جوارحه, بينما تنفجر عاطفته محاولة تجسيد الحنان الذي لا يعوض, والغياب الذي لم يكن في الحسبان, تشويش الذكرى يعانق ذاكرته, فالعيون التي أحبها بعمق أصبحت بلا لون في مخيلته, ربما بسبب الم الفقد او قسوة الزمن.
يحاول الطفل وسط عاصفة مشاعره أن يعيد رسمها بتلك الطباشير الهشة, ولكن يفشل في تلوين العيون, وكأنها رمز لمقدار الألم, أو لعجزه عن الإمساك بتفاصيلها وسط قسوة النسيان, رغم ذلك, يظل يحاول, فالحفاظ على الذكرى هو بمثابة مقاومته الأخيرة ضد جبروت الغياب.
" الشارع المكتظ
لم اسمع
صوتك فقط"
في الشارع المكتظ, حيث المارة ينسابون كتيار متدفق, والباعة المتجولين ينادون بأصواتهم المبحوحة, وسط ضجيج السيارات وأصوات المنبهات التي لا تهدأ, كان يسير بخطوات وئيدة, لم يكن يشعر بالمكان من حوله, ولا حتى الزمان الذي يتحرك فيه, فكل شيء بدا باهتا, بلا طعم أو معنى, لم تثر انتباهه حركة الناس, ولا ارتفاع الأسعار المحموم الذي يشغل أذهان الجميع.
حواسه بدت كأنها تعطلت, كأنها لم تعد تلتقط نبض الحياة من حوله, كأنه يعيش في عزلة, لا من محيطة بل في دواخله, في عالم خاص به لوحده, عالم مشحون بصورها, بطيفها الذي يرافقه حيثما ذهب, وبصوتها الذي يتردد في أعماقه, ذلك الصوت كان منفذه الوحيد إلى الأمان والسكينة.
وسط كل هذا الصخب والضوضاء, لم يكن يبحث سوى عن صوتها, صوتها فقط, إذ كان يتوق إلى تلك النغمة التي تحمل دفء الماضي وحنين الذكريات, كان الصوت بالنسبة له أكثر من مجرد همس, بل كان رابطاً وجدانيا, بوابة تفتح له عالما من الحنين والسلام الداخلي.
في هذا الزحام, كان العالم الخارجي يبدو بلا لون أو معنى, مجرد خلفية ضبابية لعالمه العاطفي الغني, فضجيج الواقع يحاصره, لكنه لا يستسلم له, إذ كان ينقب عن ذلك الصوت وسط الفوضى, وكأنه يبحث عن شعاع نور في عتمة تضغط عليه بلا هوادة.
إنه ليس مجرد شارع مزدحم, بل يمثل مشهدا من الاغتراب الحسي, حيث تبدو الحياة غريبة وبعيدة, ولا يبقى سوى صوت واحد يعيد إليه شعوره بالانتماء, ويوقظ عاطفة دفينة في دواخله.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
- الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا ...
- قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل
- بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ن ...
- قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب
- قصة قصيرة: تجدد الأحزان
- من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور ...
- تأملات في صراع الهويةِ والانتماءِ في كتاب أدب النزوح في آشور ...
- قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة
- بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت: قراءة تأمل ...
- قصة قصيرة: عقدُ اللؤلؤ
- رمزية العشق والهوية: تأملات في قصيدة الزير والثأر في ديوان ا ...
- قصة قصيرة: فات الأوان
- حديثُ البراءة: ارحالٌ في ظلالِ الماضي وتوقٌ للزمنِ النقي وقص ...
- قصة قصيرة: فضيلة
- قصة قصيرة: شبيهُ الروح
- تأملات في قارئة قواعد العشق في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر ...
- قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ
- على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سو ...
- قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي


المزيد.....




- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...
- مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا ...
- -عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى ...
- دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع ...
- مدن الدوائر الموبوءة بالأدعية 
- الدوحة 35.. معرض كتاب يكبر في زمن ينكمش فيه القراء
- مهرجان كان: حضور محترم للأفلام العربية وتكريم للممثل المصري ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأبيض كذلك الأسود للشاعر علي محمد القيسي