أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ














المزيد.....

قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 06:51
المحور: الادب والفن
    


تخيمُ الظلمةُ بشكلٍ مفاجئٍ كأنما خيمةٌ كبيرةٌ قد سقطت أعمدتُها، أو أعيد إلى ظلمةِ الرحمِ الأولى، ظلمةُ الراحةِ والأمان، لم يتمكن من الاستفاقةِ بسهولةٍ من دهشته، إحساسٌ بالهلعِ بدأ يتعاظم، اضطرابٌ لا متناهي يعكس مكامنَ الأسرار، واستثارت تلك العلاقةُ بشكلٍ غريبٍ ما بين عينيه في هذا الظلامِ الدامسِ والمشاعر، لم يستطع مقاومةَ حركاته العفوية بعدما هاجمه القلق، فالفرصُ لا تصنع القدراتِ دائما، أصواتٌ مبهمةٌ خارج أحاسيسِ العالمِ الذي ينتمي إليه تخترقُ حجابَ اللاشعور لديه، وضميرٌ ينهشُ الدواخلَ يدفعه إلى الحفاظِ على أمانةِ المسؤولية، فلا بد له ان لا يسمح بوقوعِ أي خطأ، بسبب إفراط الآخرين حسب تصورهم بثقته الذاتية التي لا يراها بذاتِ الحجمِ الذي يتصورنه، إلا أنَّ الغريزةَ بدأت تخبره, والإحساسُ الغامضُ أخذ يتضاعف، ونفسه أخذ يتصاعد والرعبُ يشل أوصاله، فقائمةُ اتهام الذات تطول مع تقدم العمر، يمد يده إلى الأمامِ بشكلٍ لا إرادي كي يزيحَ الظلامَ الذي يمتد إلى ما لا نهاية، ربما العدمُ يحاولُ تنظيم العدم، فالوقتُ يتمددُ كأنه بلا نهاية ليصبحَ أقرب إلى الزمنِ السرمدي، لذا بدأ يرهفُ السمعَ وكأنه يستمعُ إلى وقعِ أقدامِ أرواحٍ مجهولة، تحدث ضجيجا، كأنها في قلبِ مسافرِ قليل الحيلة والصبر، إذ ظهرت الشكوكُ الغامضةُ في ذهنه, إلا أنَّ إثباتَ الذاتِ أمام الجميعِ أمرٌ لا بد منه، فكرتان تعزفان في رأسه، إلا أنه يرفض أن يكونَ كتمثالٍ تنسجُ فوقه العناكب، فتنفقُ الآمالُ في جمجمته بعدما يعتليها الصدأ، أو أن يستكين على رمالِ شاطئ الخذلان، ولو هنالك المزيد من الاحتمالاتِ التي بدأت تحضرُ من دون بدائلٍ على هيئةِ شريطٍ سينمائي، لم تكن سوى سلسلةٍ من المصائبِ المرة، ذكرياتٌ مكدسةٌ تخرجُ للعلن متى ما ساد الصمتُ أو داهمه الفراغ، فهو إنسانٌ ولد بأحاسيسٍ مفرطةٍ لذا يجد أغلبَ الأشياءِ ترتبطُ بالرعب، فالخوفُ ربما قد برمج وراثيا في عقله، والليلُ يجثمُ ثقيلا، والأشياءُ المنسيةُ قد حضرت في ذاكرته, اعتاد أن يلوذ إليها، إذ يجد كأنما هنالك قوةٌ مجنونةٌ تدفعه إلى ذلك، تدفعه إلى البحثِ عن شيفرةِ أبواب الأحزان الدفينة، فما كان يخشاه أن تكون الأمورُ بصورتِها المؤلمة، يصله صوتُ المحركاتِ الذي يموت واهنا مع تغير اتجاه الهواء، كما لو كانت هنالك كائناتٌ لا مرئية تضع حاجزا أمامها، يتناهى إلى سمعه صوتَ اشتغالِ المولدة، أو كما يتمنى، يحضرُ الشكُ، مرضُ الروحِ الوحيد، يقف شاخصا أمامه ، ذلك الصوتُ البطيءُ الذي يهمسُ في أذنه.
- لا لم يكن صوتُ المولدة, فصوتُ منبه انقطاع التيار الكهربائي ينشد الوجع.
لا يتمنى أن يتحقق الشك، أن يودع ذلك الانطباعَ في مخيلته وسطِ زحامِ الذكريات، وأن ينشط من أعماق قلبه، وأن يتصاعدَ الصخبُ الهادر من حوله كما يتصور، لذا بدأت تتأرجح قواه، ونشف ريقه تماما، وأخذ يستدعي نهوضه، وسيلٌ من الأسئلةِ تتبادل ما بين شفتيه لتتداخلَ مع أجوبةٍ واهنةٍ تحضرُ بشكلٍ لحظي ثم تختفي، إلا أنَّ قلبَه أخذ يخفقُ بعنفٍ أكبر وشفتاه أصبحت شديدتي الجفاف، لا يود أن يكون في دوامةِ اللاشيء من جديد، ولا أن يخالجه أي شعورٍ بالندمِ على شيء لم يحسب حسابه بدقته المعهودة، فالعقلُ قد يعاني من الأوهامِ حينما يستسلم لتلك التي يصنعها لنفسه.
أصبح مفعما بخيطٍ من سعادةٍ خفيةٍ حينما دخلت المولدةُ بالعملِ وبعدما بدأت الأجسادُ تتهيجُ في الظلامِ مع وشوشةِ الريحِ المتصاعدة، تلك الأجسادُ التي تود إثباتَ حضورها، فغالبا ما يعيش البعض زمنا أسوأ من الآخرين، وبعدما تأكد بشكلٍ جليّ بأنَّ الأمورَ تسيرُ بوضعِها الطبيعي، تأمل ملياً في أعماقه، ففي لحظةِ انتباه وفي عمق إقراره ربما تكررت من دون وعي في أن يجدَ الساحةَ الأماميةَ قد امتلأت بمياهِ الأمطارِ التي تساقطت مع بدايةِ غروب الشمس، إذ عكست ضوءَ القمرِ الذي تسلل من بين قطعِ الغيومِ التي أخذت تسافر هاربةً مع الريحِ ووصلته من خلال نافذتي الغرفة التي تخلو من الستائر، وبدأ يتصور صعوبةَ حركة الشاحنات وهي تشق طريقها الترابي لنقلِ المنتجاتِ في الصباح، لذا أخذ يتقلب في الفراشِ مستجديا النعاس كي يهجع ما تبقى له من ساعاتِ الليلةِ القليلةِ في بحرِ غربةِ الروح، إلا أنه كلما فكر في حاجته إلى النوم زادت لديه فكرةُ الأرق، فلم ينم إلا لفتراتٍ متقطعةٍ كما يتصور، فلقد حُرم من لذةِ النومِ العميقِ منذ أن وصلَ هذا المكان, فأسرابُ الأفكارِ ما برحت تتوارد بعدما تواصل استماعه إلى صوتِ صفير تلك الريح وهي تصفق الأبوابَ الخارجية من البناية، تلك الصورةُ التي احتلت ذهنه بالكامل، لذا نهض وارتدى ملابسه في ساعاتِ الفجرِ الأولى، مشحونٌ بعواطفٍ مبعثرة، ينتظر لسعةَ هواءِ الفجرِ الباردة، عسى أن يتشظى على أعتابِها شتاتُ تلك الأفكار، أو لربما يوقف تلك الأسرابَ فطورهُ الصباحي المبكرِ في مطعمِ الشيف رضوان، يمني النفسَ بأن لا يجد تلك الوجوه التي تعكس إرهاقَ الحياة، كي لا تعيده إلى تلك الصور التي أخذ يتهرب منها، فلقد كان يعتقد بأنَّ العاداتِ المتأصلةُ ربما كانت قد ماتت ولو ببطء مع تقادم السنين، إلا أنَّ الأجوبةَ بدأت تفتقد حينما تلح الحاجةُ إليها، فمن يبحث عن الراحة فليجدها في الذاكرةِ لا أكثر، لا كما تصورها له مخيلته عبر السنين.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سو ...
- قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي
- أحلامِ الموتى وتيه الهوية بين المجدِ والخذلان: تأملات في قصي ...
- قصة قصيرة: بانتظار الرحيل
- بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة ...
- قصة قصيرة: فتاة القلعة
- مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في ...
- قصة قصيرة: الحصة الإضافية
- قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة
- تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف؛ رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف: رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- قصة قصيرة: عشتار
- بين الدفء والعري؛ تأملات في جدلية الكرامة في رواية المعطف لن ...
- قصة قصيرة: حدودُ الذئب
- بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروا ...
- قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء
- وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ ...
- قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ