أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الحصة الإضافية














المزيد.....

قصة قصيرة: الحصة الإضافية


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8693 - 2026 / 4 / 30 - 09:09
المحور: الادب والفن
    


كانت والدة عدنان تبدأ نهارها بخض اللبن لاستخراج الزبدة، منذ الصباح الباكر، ولا تنتهي إلا حين يرتفع قرص الشمس في كبد السماء. ذلك الانتظار الطويل كان كفيلاً بإيقاظ الشهية دون وعي؛ قطعة خبز طرية، تعلوها الزبدة وقليل من السكر، كان موعداً يومياً لا يقاوم، وطقساً بسيطاً تختلط فيه الحاجة باللذة.
كان قحطان، صديق عدنان، يعرف هذا التوقيت بدقة. تلاصق البيوت منحه الحضور الدائم، فكان يحسن اختلاق الأعذار، ويدخل بأناقة ولباقة لسان، حتى رقّ له قلب والدة عدنان، وغالبا ما نال حصة لا تقل عن حصة ابنها الوحيد.
ففي صباح ربيعي، وبعد أن أخذ نصيبه، غاب عن الأنظار قليلاً، ثم عاد وهو يتظاهر بالارتباك، إذ قال:
- خالتي، لقد سقطت حصتي على الأرض وتلوثت بالتراب.
حدقت فيه طويلاً هذه المرة، وصارت تنظر اليه بتأمل دقيق، بعد أن رأت عليه حالة من الاضطراب، إذ كانت نظراتها له في بداية زياراته لهم على شكل أمنيات ودية مفعمة بالتقدير، باعتباره صديق ولدها عدنان فلذة كبدها، وحري بها أن تقدره وفق ذلك، ومع هذا وكأنما خاطر ما لا تعرف مصدره بدأ يزيد من ارتباكها، بأن قحطان ليس بمستوى هذا التقدير، وكونه صديق ولدها أخذت تنظر إليه نظرة استغراب، حيث اندمجت في أفكار بعيدة.
حاولت أن تظهر بمظهر التصديق بحججه، ورفعت عينيها نحو قرص الشمس كأنها تستفهمه أمام شكوكها التي لم تعهدها في سابق السنين، توقفت قليلا ثم واصلت خض اللبن. أعاد قحطان طلبه، واثقاً كما يظن بمكانته في قلبها، لذا ابتسمت بابتسامة لا تخلو من الشك، لكنها لم تشعره بذلك:
- هاك حصة ثانية.
كانت قد ربت عدنان على قول الحقيقة مهما كانت قاسية، لذا بدأ تمني النفس لو كانت شكوكها في غير محلها، أو أن يتخطى صديق ولدها عن هذه العادة قبل أن تتحول إلى طبع راسخ.
في نهاية الدراسة الابتدائية، لم تعد الشكوك مجرد هواجس. سمعت بما لا يقبل التأويل، أنه قد انحرف عن الطريق السليم عدة مرات، منها سرقة أقلام زملائه، أو حتى دفاترهم الدراسية، متذرعاً بشتى أنواع الحجج، لذا قالت لولدها:
- لا تتعمق كثيرا بصديقك قحطان يا ولدي.
يجيبها وهو مدرك تماما بنظرة والدته التي لا تخطئ، لكنه مع هذا حاول الاستفسار كي يطمئن قلبه:
- وكيف ذاك، وهل بدر منه شيء؟
- ستخبرك الأيام.
وتذكر عدنان لاحقاً كيف ضُبط قحطان متلبساً، وهو يسرق ممتلكات زملائه في الصف، وتذكر كيف كان يدافع عن نفسه رغم ذلك، بذلك اللسان الذي يمكنه اقناع المقابل عدا والدته. وتذكر الأشياء التي لم تكن له، والأجوبة السريعة التي كانت تطفئ الشك مؤقتاً.
مرت السنين، أكمل عدنان دراسته الجامعية، وحصل على وظيفة بدخل محدود. أما قحطان، فترك الدراسة، وبدأ يجرب حظه في سوح العمل، فمرة يطرد، ومرة يصمد أشهر أخرى، ويغيب عن المنطقة فترات متفاوتة.
كانت والدة عدنان تسعى وراء شكها، تسمع أخباره التي لا تطمئن بصمت. شيئاً فشيئاً، تآكل احترامها له أولا، ومن ثم الآخرين بشكل متتابع، بعد أن استسلم لدوافعه العمياء. كان يجد في ذلك متعة غامضة، وحتى حين يقبض عليه، تجده يدافع عن نفسه بلسان مسحور، إذ كان ينظر بعينين حادتين، ويعلن مظلوميته منذ ولد كونه من عائلة فقيرة، فالفقر يجعل النظرة على الشخص أقل شأنا، والمجتمع لا يرى إلا المظاهر.
يتذكر عدنان كلمات والدته:
- كنت واثقة بأنه سيصل إلى ما وصل إليه.
- وكيف ذاك يا والدتي؟
- كان عليّ ألا أعطيه حصة إضافية.
أدرك عدنان متأخراً أن الحياة لا تكافئ الاستقامة دائماً، ولا تُنصف المثابرة، بل تتحول أحياناً إلى مطية لمن يؤمن بأن الغاية تبرر الوسيلة. وهكذا صار قحطان من الأثرياء، ينفق بلا حساب، ويتصدر المجالس بوصفه صاحب الرأي والحل.
أرسل إلى عدنان يدعوه لزيارته في بيته الفخم. تردد كثيراً، لكنه بدأ يسمع أن الناس تزوره وتتحدث عنه. وحين وصل بوابة القصر، وجدها موصدة، لا يفتحها سوى حارس يكرر التعليمات. حاول الاتصال، فكان الخط مغلقاً.
أدار عدنان ظهره للبوابة، وتذكر قطعة الخبز والزبدة، وتلك الحصة الإضافية. لذا فهم متأخراً أن ما سقط يوماً على التراب، لم يكن الحصة، بل الميزان.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة
- تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف؛ رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف: رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- قصة قصيرة: عشتار
- بين الدفء والعري؛ تأملات في جدلية الكرامة في رواية المعطف لن ...
- قصة قصيرة: حدودُ الذئب
- بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروا ...
- قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء
- وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ ...
- قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...
- قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت
- تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هي ...
- قصة قصيرة: ما لا يُرى
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي


المزيد.....




- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...
- مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا ...
- -عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى ...
- دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع ...
- مدن الدوائر الموبوءة بالأدعية 


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: الحصة الإضافية