داود سلمان عجاج
الحوار المتمدن-العدد: 8691 - 2026 / 4 / 28 - 08:58
المحور:
الادب والفن
"خِضابُ الدمِ والحناء" ليس مجردُ تعبيرٍ عن الحزنِ والفرح, بل هو تجسيدٌ عميقٌ للواقعِ الاجتماعي والثقافي في وطنٍ مملوءٍ بالمآسي والأفراح, فالخِضابُ هنا يمثل مزيجاً من الدمِ الذي يسيلُ نتيجةً التضحيات, أما الحناءُ, فهي ترمزُ إلى الاحتفالِ بالحياة وببعض التقاليد, نقيضان ينبغي أن يتأقلم الإنسانُ معهما وإن لم يجتمعا معا, فالحزنُ يئن من جراحاتٍ أحدثتها مخالبُ حيواناتٍ ضاريةٍ في ربوعِ البلاد, في وطنِ المآسي عبر التاريخ, فلابد أن يكونَ خِضابُ الدمِ على الجبهات, وعلى الأسمالِ التي يرتديها, فيوحي بأنَّ العجزَ مجبولٌ مع الصمتِ كأنه نما بالفطرة, أو بشكلٍّ توارثي, فلا ينفع معها جلدُ الذات, أو حتى الحلولِ الترقيعيةِ بعيدا عن زمنه المشوه.
أما الفرحُ فقد يجد نفسه يسبحُ بأجنحةٍ في فضاءٍ مفتوحٍ ليس فيه عسكرة المدن, فينسلخُ من ذلك الاغتراب, ليتعلق بوجوده كإنسانٍ ولدَ على الفطرةِ ويود أن يبقى كذلك, فيستمعُ إلى صدى صوتٍ بعيدٍ من تحت الركام, ينادي أنَّ السعادةَ في الإيثار, مع الصفحِ ما بين القلوب, فالذخيرةُ لن تنفد طالما هنالك من يؤجج الخلاف.
وتتوالى الثنائيات, تتداخل, كأنما هي كائناتٌ شبحيةٌ تمتلك التناسخ, في الأزمانِ كلها والأمكنة, "الشقاء والسعادة" "البؤس والنعيم" "الشر والخير" "القبح والجمال" وللدمعةِ وجهان لتلك الأضداد, فالحياةُ هي الساحةُ الكبرى لصراعها, فلولا الضدُ ما كان ليوجد ضده, إنها ليست مجردُ مشاعراً متناقضة, بل هي تمثل التجربةُ الإنسانيةُ الغنيةُ بصورها كلها.
فلربما قد تجد الحزنَ على الفقدِ ينسجُ ذكرياتٍ عزيزة, وكما قيل" الألمُ يعلمنا قيمةُ الفرح" فهو معجونٌ في الأبدانِ مع الترابِ والماء, مع الصرخةِ الأخيرةِ لهابيل, تلك التي غُلفت بأكفانِ الخوفِ الملطخِ بالدماء, مما يجعلُ الفرحَ كقيمةٍ أكثر وضوحا عندما يأتي بعده, بينما تمثل السعادةُ تلك اللحظاتِ العابرةَ من الانتصار, قبل أن تدفن تحت رمالِ النسيان, أو تلك النشوةُ حينما تضاء عتمةُ الليل, قبل أن تُقاد إلى حتفها, وقد تنبثقُ تلك السعادةُ من اللحظاتِ البسيطة, مع الحنينِ البدائي, مع صلوات العجائز, مع الضحكةِ الطفولةِ البريئة, أو لمسةُ يدٍ دافئة, أو الهروبُ من الواقع, فوق بساطِ الريح, فيسمو في الأعالي ولو للحظات.
الحياةُ بمزيجِها المعقد من الألوان, تعكسُ قوةَ الروحِ البشريةِ في مواجهةِ التحديات ومواصلةَ العومِ المتعب, وتعززُ الفهمَ الدقيقَ لعلاقةِ الإنسانِ بالأرض, حيث يظهرُ ارتباطُ الترابِ بجذورِ الهويةِ والانتماء, وكما قال" نيتشه" ما لا يقتلني يجعلني أقوى" مما يبرز كيف يمكن أن تنبع السعادةُ من عمقِ الألمِ والمعاناة, لتصبح هذه اللحظاتُ هي الساحةَ الكبرى لصراعِ الحياة. فصراعُ هذه المشاعرُ المتضادةُ يجعلنا نخوضُ في خضمِ الكينونةِ البشرية, ما بين الوهمِ والشك, وما بين الرحمةِ والتأمل, فمن الآلامِ نتعلم كيفية استغلالَ لحظاتِ الفرح, ويدفعنا إلى التأملِ في جمالِ الذكريات, فهي تغذي الروح, فالقدرةُ على التعايشِ مع هذه الأضدادِ تعكس قوةَ الروح, وتجعل مع كلِّ لحظة, تجربةً فريدةً في حياتنا.
" خِضابُ الدمِ والحناء" وتجربةُ الشاعر" همام الهويش, الأخيرة, تجسدُ تلك المضادات, فالأولى منها تمثل البقاء, تحملُ ذكرى الآهاتِ والتضحياتِ التي تعايش معها الشاعر, بينما تعكسُ الثانيةُ تناقصُ الفرحُ ومرادفاتُها مع الأيام, بل ومنها تولد تلك الأحزان, وهنا يظهر الشكُ كعنصرٍ أضافي, إذ يذكر في إهداءه" للتأريخ لعله ينصف" مما يعكسُ خيبةَ الأملِ في سردِ التاريخِ الذي قد يغفل تضحيات الأفراد, قد يغفل جغرافيةَ المكان, جغرافيةَ التضحيةِ والفداء, وربما سينصف الدموع, وينصف الآهاتِ عندما تُركت تكابد المصير.
إنَّ الشعرَ بالنسبةِ للشاعر" همام الهويش" هو وسيلةٌ للتعبيرِ عن الهويةِ والتجربةِ الإنسانية, ويعكس كيف يعاش الحزنَ في الثقافةِ العراقية, ومع الحزنِ والجراحاتِ العميقة, ليبقى الأملُ حاضرا, إذ رمز له بالحناء, كتعبيرٍ عن الحياةِ والنمو, مما يعكس قدرةَ الشعبِ على النهوضِ من الرماد, مثل العنقاء, لذا يُظهر الشاعرُ أنَّ الحياةَ ليست مجردُ صراعاً بين الألمِ والفرح, أو الوجود في الحالةِ الافتراضيةِ ما بين الحياةِ والموت, بأملٍ خفيٍ ربما من رحمِ الغيب, بل هي تلك الرحلةُ المعقدةُ التي تتطلب فيها التقبلَ والاعتراف.
" وعراقٌ حتى بالترابِ عطاءهُ
إن أثمرت في فصلِها أشجاري "
يشدو الشاعرُ بالعراق وكأنه يمتلك خصائصاً تجعلُ من ترابه العطاءَ في الأثمارِ والفوائد, فالترابُ هنا يرمز إلى الهويةِ الثقافيةِ والتاريخيةِ للعراق, وهو رمزٌ إلى غنى الأرض وذاكرتها الجماعية, إضافة إلى الفخرِ والاعتزازِ في أولِ بيتٍ له في الديوان, فوطنٌ مثلُ العراقِ على الرغمِ مما تعرض له من ويلات, سيبقى مهداً للحياةِ والنمو, والأثمارُ هنا تمثلُ تلكما الثنائي, ويعكس أيضا القدرةَ على البقاءِ رغم التحديات.
وهو مما يوحي إلى الترابطِ ما بين الإنسانِ العراقي والأرض, فالطبيعةُ تعكسُ الثراءَ الثقافيِ والتاريخيِ لهذا البلدِ العريق, مما يعزز أنَّ الأوقاتَ الصعبةَ ستنتهي حتما, وتكرسُ الإيمانَ بأنَّ الغد يحمل فرصا جديدة, لذا ففي هذا البيتِ يعكس عمقَ الهويةِ العراقيةِ والمرونةِ في تقبلِ التقلبات, ويبقى فيها الترابُ هو الرمزُ للعطاءِ المتجدد, وتجسدُ الأشجارُ الأملَ في الحياة.
وفي وصفٍ آخرٍ أكثرُ وقعا في النفوس.
" فإذا اثخنت في إيذاءه
صب جرحا أحمر اللون حريق"
فالعراقُ تعرضَ على مدى التاريخ للأذى والمعاناة, بحياةٍ تتوالد بمخاضٍ عسيرٍ من رحمِ التحدي في تيهٍ امتد لسنينٍ طوال, مما يدل على حجمِ الجروح التي لحقت به, و" الإيذاء " هنا لا يقتصر فقط على الجروحِ الجسدية, بل ليشمل الألمَ النفسي الناتج عن الحروبِ والصراعاتِ الداخلية, فالجرحُ الأحمرُ يرمزُ للدمِ والألم, للكفاحِ المضني, لشبحِ الاحتضار, مما يجسد التضحياتِ التي قدمها الشعبُ على مدى العصور, والحريقُ يرمزُ لحرارةِ الألمِ وفداحةِ المعاناة, مما يوحي بأنَّ هذا الأذى ليس مجردُ جرحاً عابرا, بل هو جرحٌ مؤلمٌ يتسبب في احتراقِ الروح, ويبرز أثرها على الهويةِ والانتماء, وربما في نظرةٍ تفاؤلية يرمز في قلةِ تقديرٍ إلى الثورةِ والإصرارِ على النهوضِ رغم ذلك الألم.
وفي وصفٍ آخر يؤطر ذلك المجدَ التليد.
" كانت فصاحته يوما وبزته
بل كان يقطر من أسلافه أدبا "
يعكس هنا عمقَ الثقافةِ والتجربةِ في الشعبِ العراقي, والفصاحةُ هي السمةُ البارزةُ له, كما وتعكس قيمةَ الهويةِ الثقافيةِ من خلال "البزة " والتي تعني تلك المكانةُ الاجتماعية, فالتراثُ الأدبيُ والثقافيُ يتدفق من الأجدادِ إلى الأجيالِ اللاحقة, كالمتنبي والجواهري وعبدالرزاق عبدالواحد, مما يعطي انطباعا عن الغنى والوفرة, وكيف أثروا في تكوينِ الهويةِ الأدبيةِ للبلاد, وهذا يعزز بأنَّ الفصاحةَ ليست مجردُ سمةً فردية, بل هي جزءٌ من إرثٍ ثقافي جماعي, وكذلك الاعتزازُ بذلك التراثِ كي تنقل تلك القيمَ عبر الأجيال, " فالبزة" لا تعني هنا الملابس فقط, بل تعكس تلك المكانةَ الاجتماعيةَ والثقافية, وتربط مع الاحترامِ والتقديرِ الذي يحظى به الأفرادُ في بلدٍ كالعراق.
" كف الملامة ها قد زدت أوجاعي
من أخبر القوم من قد جاءهم ساعي
كف الملامة وأغنم حسن سابقة
وأرعى النفوس مجيبا دعوة الداعي
وأصبو لفعل جميل أنت صانعه
وأخفض بصوتك لا تبدو كمذياع"
ففي قصيدة" كف الملامة" استشهدنا في الثلاثةِ أبيات الأول, ففيها يتحدث الشاعرُ عن الألمِ الذي يشعر به بسبب العتابِ واللوم, فبذلك العتابِ تزداد معاناته, يتذوق طعمَ الآهات, كأنما يحصد الهمومَ في حقلِ الأشواك, وهي تعكس تلك الرغبةَ في التوقفِ عن الانتقادات, على أملٍ بأنَّ تكون كغيمة عابرة, كما ويتساءل عن مصدرِ تلك الأخبارِ حتى وصلت إلى الآخرين من حوله, فهي كسهامِ الأعمى, ربما تخطئ وربما تصيب, لذا فهو يُظهر شعورا بالاستغراب أو القلق من تلك التساؤلات أو التفسيرات التي تكاد تتكرر بشكلٍ يومي وكأنه يتساءل" إلا يتوقفُ الزمن؟" فهي تقع ما بين الشكِ والتساؤل, وكصرخةِ إنسانٍ يفتشُ بين آتونِ النارِ عن الجنان, لا يؤمن بالتعويذة, بل فيها دعوةٌ إلى الرقي والاستفادة من اللحظاتِ الجيدةِ في الحاضر, أو تلك التي أصبحت من الماضي, وتعكس كذلك إلى بثِ روح التعاون والمحبة والترفع, والدفعُ إلى الطموحِ وفعل الخير, كما ويحث على التواضعِ وعدم الظهوِر بشكلٍ متكبرٍ أو مبالغٍ فيه, فالمذياعُ هنا يشير إلى الصوتِ العالي أو إلى الحديثِ المفرط.
وفي قصيدة أخرى تحت عنوان " ود" اخترت منها بيتين.
" خبأت وجدي تحت ظلة خافقي
وشددت فوق القلب صخر هصيم
وكتبت في كل الكهوف مهابة
وكهوف عينك مأمني ورقيمي"
يعبر الشاعرُ عن مشاعرِ الحبِ والهيام, بعدما نقش على جدرانِ القلب, وأصبح متسعا للأغاني, فيتنصل من ذاته إذا رأها, هروباً إلى كيانها, مع سرابِ تلك الأغاني, يتماوج معها, في تجلياتٍ أقرب إلى الحركاتِ الصوفية, لكنه يخفي ذلك الشغف تحت جناحِ ذلك القلب, فيخشى عليه من الصدى, من عبثيةِ الشوقِ إلى الحياة, ومن الخواتيمِ التي تجلب الأسى, فيعكس الحذرَ والاحتفاظَ بالمشاعرِ ما بين الثنايا والخلجات, فيتمدد عنده الوقتُ إلى ساعاتٍ طوال, مما يوحي على عمق العاطفة, فيتخذ التدابيرَ القويةَ لحمايةِ ذلك القلبِ من الأذى, من التشظي, من صدى صهيل الحزن الدفين, فيلوذ بالصخرِ الهصيم, إلى صرامةِ المشاعرِ التي تحيط به, لذا فالصورةُ تعكس ذلك المزيجً ما بين القوةِ والضعف, ما بين الصرامةِ وحماية القلبِ من الألم, كما ويظهر بأنه ترك أثره في أماكن متعددة, مما يدل على عمقِ التجربةِ وتأثيره في العالمِ من حوله, وتشير إلى وجودِ المهابةِ ككيانٍ قائمٍ بذاته, كما أنَّ عيونَ الحبيبِ هي الملاذُ والأمنُ بالنسبةِ له, مما يعكس قوة العاطفة, وهي ترمز للحمايةِ التي هو بأمسِ الحاجةِ إليها.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟