أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان














المزيد.....

تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان


داود سلمان عجاج

الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 08:23
المحور: الادب والفن
    


ما بين الماضي والحاضر تدون المآثر, وربما دفنت في المهدِ الأحلام, وتداوت الجروحُ بالنسيان, صورٌ هاربةٌ على شاطئ دجلة الغربي وما بعدها في تلول العكر, يتبعها صوتُ غربانٍ يعكس صدى العزلة, وأخرى خَطّت بالحروفِ وتكلمت, فالدنيا محال أن تكسرها, فهي السنون التي تثبت حضورها وإن تقدمت الأعمار, بعلاقةٍ روحيةٍ لا يمكن أن تتلاشى, ففيها تجد الكينونةَ الطبيعية, ترتبط بأطفالٍ قبل أربعةِ آلافٍ من السنين وما بعدها, تحملُ حالةَ السلامِ الداخلي, فالطفولةُ هي نفسها لا تشيخ, والشيخوخة لا تداهم الدواخل, نفسُ الجرفِ الحاد الذي يشهد لصور تلك الطفولة, هي ذات الامتداد, ومحاولةُ صيدِ طائرِ الخُضّر المُسالم, وبناءُ كوخٍ بحجمِ كف اليد في الرمال الرطبة, أماكن غادروها ولم تغادرهم.
من قلعةِ آشورٍ وبوابتها تابيرا يبدأ التأريخ, بوابة الملوك, تابيرا يا هوسَ الإيثارِ الذي يلقن خلجاتِ الحروفِ بأرواحٍ أخرى تتناسخ, تأريخٌ يرسمُ للمنطقةِ الخلودِ في هذا الوجود, وما قبلها هي المخاض لبناء مملكة مدنية تمتد إلى أقاصِ الأرض, وتحملُ معها ثقافةَ التطورِ ومواكبةَ العصر, وتستمد من تلك المآثرِ حكاياتٍ لا تنتهي, منها ما يرتبط بالواقع مع الإضافاتِ من نسجِ الخيال, ومنها يأخذ من الأسطورةِ ذلك الرقي وكسر المستحيل, آلاف من السنين تعود, إنَّ كلَّ حجرٍ من تلك الأرض وما حولها يحمل في طياته قصص الأجداد, الذين بنوا حضارةً غنية ًبالثقافةِ والفنون, فتلك الحكاياتُ صدى في قلوبِ الأجيال, تنعكس في تقاليدهم وعاداتهم, في عطائهم الثقافي بفنونه كلها.
عشرون قصة كتبت استكمالا لهذا الإرث واستلهاما منه, يتجلى فيها تأثير الماضي على الحاضر, ليكون دليلا على قوةِ الإرادةِ الإنسانيةِ وقدرتها على التغيير والتطوير, عشرون قصة كتبت بعدما قالوا لعقارب الساعة " توقفي" وللحاضر " قف" وإن كانت أنفاسهم كأنما تحاول أن تكسر وهم القضبان, هنا الأجيالُ تتوارث, هنا الأجيالُ تكتب مآثرها, إن كان بالسيف أو بالقلم, إنه الانتماء الوجداني في عمق الأرضِ وامتداد التأريخ, وكما يقول الشاعر الدكتور حمد الدوخي" كأنما قلعة آشور تبث بسحرها على المناطق المحيطة بها" نعم هي آشور, بزقورتها, ببوابتها, بشارع الاحتفالات, وبمعبدها الذي تجمع فيه من نذر نفسه لخدمة الإله آشور حينما يتجلى في بداية نيسان من كلِّ عام, إنه العرس الذي تجدده الأجيالُ بقناعةِ الانتماء, هي الوجود, هي الثبات على مدى العصور, قصصٌ تضيء لنا الطريق, وتذكرنا بأن لكلِّ إنسانٍ يمكن أن يكون له دور في تشكيل التأريخ, وأن كلَّ لحظةٍ تمر ترسم فيها عبر الزمن لوحة مليئة بالتفاصيل والألوان, تمثل الهوية والانتماء.
قصصُ تابيرا تدور حول ذكريات الطفولة وعبثتيها, ذلك الماضي الذي يجدون فيه ملاذهم من دون قيود, تلك البراءةُ والشوقُ الذي يظهر في العيون, ورمالُ الشطآنِ الملتهبةِ حتى يداهمهم الظلام, وتظهر الأشجارُ كأشباحٍ تحملقُ بعينٍ واحدةٍ بعدما كانت كمصدرٍ للأنسِ والظلالِ في وضح النهار, فينتقل الخوفُ معهم على الوسادةِ وفوق الفراش, وأخرى تتناول النزوح, كل يومٍ تنسج المخيلاتُ طرقَ الخلاص, وفي الأحلامِ تعكس غير ذلك, إلا أن تفسيرها يعطي بصيصِ أملٍ بذلك الوطنِ الذي يتعايش مع الوجدان, لكن حينما يعاد تركيب مرآة الذاكرة توحي غير ذلك, ففي القرى المحاذية لنهر دجلة تخبئ براكينَ في دواخل الاشخاص, حزينةٌ تشتاقُ إلى الانفجار, إذ تراودهم الخيباتُ حد الاختناق, وخطواتُ الرعبِ المرتبكةُ في وسطِ الظلامِ تبحث عن مرساة في أسرارِ الليل, دروبٌ تضيقُ فيها الانفاس, حتى النهر لم يعد يسع سطحه لتلك الأجساد, فرصاصةٌ واحدةٌ تكتفي لتنهي حياة إنسان, خوفٌ يجلبُ الوجلَ بعدما طمست الحكايات, ورائحةُ الموتِ تنتشر في كلِّ مكان, إذ تستشعر الأرواحُ نبضَ المأساة, فمنها ما كان يخشى من مستقبل الأيام, والبعضُ من الضياع, ومنها ما يبث عبثا روحَ الإيثارِ في النفوس.
إنها لم تعد قصصٌ للذكرياتِ خارج أسوار الزمان, بل هي دروسٌ حيةٌ لذلك الترابط بهذه الأرض وفي أحلكِ الظروف, فتتجول الأرواحُ فيها بحثا عن وجودها, وتعكس كذلك أحزان الغربة القاسية, فغريزةُ الإنسان ربما قادرة على بناء الذات رغم التحديات, فكلُّ قصةٍ هي بمثابة تجربة ولبنة في بناءِ الهويةِ والانتماء, فلا سبيل إلى الفرح, إنما هو الهروبُ في ملذاتِ النسيان, فهي تروي أغاني الحب اللامرئي الذي بقي حبيس ما بين الثنايا, وكذلك أغاني الحصاد, أو عن صم الآذان خشية الاعتراف بوجود الجوع, أو الفقد المر لشقيق الروح, وهي بمثابة أحياء الإرث الثقافي لتقرأه الأجيالُ في وطن الأحزان, وهي تروي كذلك شهادة الحضور وما تتركه من أثرٍ في النفوس والأرواح, في بقايا إنسان, تجربةٌ جديدةٌ بسردٍ أجمل رغم كتل الحزن المتراكمة, تحتفي بالماضي, وربما هنالك أملٌ ما بمستقبلٍ أفضل رغم التحديات, على أمل أن تجف ينابيع تلك الأحزان.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف؛ رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- قصة قصيرة: عشتار
- بين الدفء والعري؛ تأملات في جدلية الكرامة في رواية المعطف لن ...
- قصة قصيرة: حدودُ الذئب
- بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروا ...
- قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء
- وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ ...
- قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...
- قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت
- تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هي ...
- قصة قصيرة: ما لا يُرى
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...
- صوتُ الحقِ في مواجهةِ ماردِ السكوت؛ تأملات في هكذا قالت جدتي ...
- قصة قصيرة؛ مومياء الذاكرة


المزيد.....




- كوميديا وأكشن وإثارة.. هذه قائمة الأفلام التي تنتظرك في صيف ...
- العقلانية في الثقافة الإسلامية بنادي القراءة في اتحاد الأدبا ...
- مستقبل علم التاريخ: تساؤلات حول المنهج واللغة ومحورية السلطة ...
- الأمن بانتظاره وأبوه تبرأ منه.. تصريحات الفنان الأردني حسام ...
- فلسطين تتصدر مهرجان الإسكندرية للفيلم القصير بمشاركة عربية و ...
- سيارتك في خطر.. عندما يكون اختيار فيلم الحماية الخاطئ كارثيا ...
- في عصر السيلفي.. لماذا ابتلعتنا صورُنا؟
- ثرفانتس و-دون كيشوت-.. هل كان مؤسس الرواية الأوروبية من أصل ...
- فيلم -بيّت الحس- لليلى بوزيد: عن الصمت العائلي والحب الممنوع ...
- -عشق أبدي-.. مصمم تونسي يطرّز اللغة العربية على فساتين زفافه ...


المزيد.....

- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني
- رحلتي في ذاكرة الأدب / عائد ماجد


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان