أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة














المزيد.....

قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8692 - 2026 / 4 / 29 - 08:24
المحور: الادب والفن
    


لم يستطع النومَ في الليلةِ الفائتةِ التي قضاها بمزاجٍ سيئٍ في إحدى القرى المزروعةِ على التلالِ غرب النهر، وحتى وإن حصل على إغفاءةٍ قصيرةٍ فقد يستيقظ مذعورا، فكأنما العالمَ قد حضر بزحامه وصخبه، يرافقها مشاهدٌ مرعبةٌ يرسمها الخيال، يدورُ بعينين شاردتين لا تعرفان عن أي شيءٍ تبحثان، يسافرُ خلالها في رحلاتٍ تتجاوزُ المكانَ والزمانَ لمليءِ الفراغِ المؤلمِ والتخلصِ من رتابةِ التعايش، يتمنى لو يكون بلا أفكار في رأسه، أن يمحي كلَّ ما علق في الذاكرةِ طيلة هذه السنين، أن يعود إلى ذلك الكائنِ البريء القابعِ في الأعماق، فالبراءةُ تتجاوز الخوف، تراوده الشكوكُ في إمكانيةِ تجاوز أوقاته وهو يعيش مع غياهبِ حيرته، يحاولُ الوقوفَ عند مفترقِ الطرقِ ما بين الحدةِ والاستسلام، عله يسلك الطريقَ الأسلم، فلقد أمضى سنين عديدة من عمره يستمعُ إلى الحلولِ التي يجدها تتداول على الألسنِ لمعضلاتٍ مرت وقد تكررت من دون أن يجد له دور في التدخلِ خشية الفشل، وبدواعي أن يقف خلف صمت يخفي وراءه حكمة كبيرة كما يقال، لم يتقبل بينه وبين نفسه بوقوفه بذات الحياد من دون إبداء رأيه حتى وإن كان خاطئا، ولا يتورع من أن يقول كل ما يخطر بباله، استجابة لحديثِ القلب، ولا الاستسلام للتيار بطواعيته المعهودة انسجاما مع رفضِ دواخله، كان يعد الدقائق لبزوغ فجر يمزق ستار الليل البهيم، لذا؛ نهض من فراشه مبكرا وجلس فوق دكةٍ خشبيةٍ تحت شجرةٍ في وسطِ الحوش وارفة الظل، يحاول التنفسَ بهدوء عسى أن تتسرب منة رائحةُ الخوف، وعسى أن يكون أقل تشتتا في عالمه الصغير.
ينظر إلى العالمِ بيأسِ غريق وعلى كاهله سنين أضيفت على عمره, يرى المشاهدَ التي كأنما لم تكن مألوفة لديه, ولم يتعود على رؤيتها عند كلِّ صباحٍ حيث يكون الجو صافيا, فعقله غالبا ما يهيم بالأحلام, طيورٌ تحلقُ في السماء, وصدى زقزقة عصافير يضاعف الأصوات, ودجاجةٌ تسبق أفراخها الستة خرجت من مسكنها للتو باندفاع يصعب تجاهله, ربما لا تمتلك الخوف الذي في دواخله, ويمكنها تبديل مزاجها حسب اللحظة وقد تطول متعتها, إلا أنها بدأت ترقب بحذر بنظرات متهربة كأنما تتوقع حدث ما, بدا الانتظار طويلا, وصل إلى حد النية بتجاهل حركة الصغار والأم الحذرة, ربما لمغادرة فظاظة هذا الواقع, يدرك أن تخبطاته ليست استثناء, لكن الشيء المؤكد لديه بأنه لا يزال على هذه الشاكلة, يتصارع مع أشباحه بهدفِ تصحيح حاضره المتأرجح, وأن يواصل التجديف ضد ماضيه المسالم.
لم يكن بمقدوره أن يمضي بعيدا مع أفكاره خارج نطاق حاضره يتأمل الفراغَ تائها في عالمه الخيالي متصالحا مع الحياة يبحثُ عن الهدوءِ في الطبيعة خارج حدود الممكن, فعلى همس الذكريات وحضور الواقع صار يتعايش معه مجبرا, ونواياه تتأرجح تحت ضغط الخوف الخفي والوثوق المفتعل, وثمة ما يعتمل في الروح بدأ يستشعر, فلربما هنالك موقف سيعيده إلى حقيقة ذلك الواقع, فالصبحُ ينذره بحدثٍ سيرعبه وستهتز معه دواخله, لذا أخذ يرقبُ الدروب, ومواصلة الترقب على ما يحدث على الأرض وفي الأجواء, ربما ستعكس ما رسخ في الذهن وسيظهر على السطح حتما, هذا ما رسمه الخيال, يتمنى أن لا تكون كذلك, إلا أنه بدأ يرى بالفعل صورا أقرب إلى حقيقةِ الحياةِ التي يتعايش معها ويحاول جاهداً الهروب منها, إذ وجد الدجاجةَ تتراجعُ نحو مسكنها بخطى ضائعة يتبعها الصغار بصُئِيٍّ يتعالى كأنها نداءات استغاثة كلما سبقتهم الأم بخطوات, بعدما خرجت بفعل طبيعتها للبحث عن الطعام, مكسورة الجناحين تكثر من النقنقة, كأنها تحاول أن تمدهما إلى أقصى مداهما فوق صغارها بمعرفة حسية بقرب الخطر.
الطيرُ الجارحُ يحوم فوقها, الزمنُ يتوقفُ أو يكاد, لذا بدأ يتحرك بعقله لا بجسده الذي لا يزال يخشى خطوط التماس, يحاول أن يفتح فمه كي يصرخ علّه ينذرها ولكن الكلمات لا تخرج, يستشعر بوجود قوةٍ تنبثقُ من دواخله مع رغبةٍ عمياءٍ لا يعرف أين كانت تختبئ, تحاولُ عن بعدٍ مساعدة تلك التي فُجعتْ بأحدِ صغارها من النهوض, يتمسكُ بخيطِ أملٍ كطيفٍ رهيف, إلا أنَّ الحركةَ جمدت في الهواء وبرأس مليء برؤى مطابقة, اللحظاتُ تعيدُ نفسها, المشهدُ يتكرر, الزمنُ يتجمّد كذلك, فالدجاجةُ لم تتمكن من الوصولِ إلى المسكن, تحتمي بالخيبة, والطيرُ الجارحُ يعاودُ الكرة, تتكرسُ التناقضات, الألمُ الطفوليُ يعاود الحضور, والكراهيةُ تتصاعدُ من أعماقه, وصوتُ الاستغاثةِ يتضاعف, يغمضُ عينيه, فلم يعد قادرا على تحملِ مثلِ هذه المشاهد, يتمتم ضائعا في المتاهات, لا يتمنى أن تكون تلك الصورُ حقيقية, أن يجد نفسه كما يمني النفس في فضاءٍ حر, يتوقفُ الكلام, ينشده بحقيقةِ المشهد, وشعورٌ يشبه الذنب من عدمِ الجدوى بالتشبث بوهمِ السلام, عبر مقارنةِ المفاهيم من عالمِ طفولته البريء, لذا بدأ العالمُ يعتمُ في عينيه, والخيباتُ تتكرس, ثم برقت في ذهنه ومضةٌ وصلت إلى مسامعه بهيئةِ فحيحٍ يتصاعد, ليرى في ظلمةِ مسكنِ تلك المفجوعةِ ثعباناً متهيأ للانقضاض.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف؛ رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف: رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- قصة قصيرة: عشتار
- بين الدفء والعري؛ تأملات في جدلية الكرامة في رواية المعطف لن ...
- قصة قصيرة: حدودُ الذئب
- بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروا ...
- قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء
- وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ ...
- قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...
- قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت
- تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هي ...
- قصة قصيرة: ما لا يُرى
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...
- قصة قصيرة؛ المقعد الخالي
- تأملاتٌ في سيرةِ أنثى شرقية بين قيودِ الهويةِ ووهجِ العشق: ق ...


المزيد.....




- 4 حكايات في ليلة زفاف واحدة.. هل قال -الكلام على إيه- ما سكت ...
- بريطانيا: جوقة الأوبرا الملكية تحتفل بانطلاق مونديال 2026 بع ...
- الثقافة جسر جديد بين موسكو والرباط
- مكسيم خليل: دولة القانون هي الطريق الوحيد لسوريا القادمة
- قلعة بعلبك بلا موسيقى هذا الصيف.. لماذا تأجل أحد أعرق مهرجان ...
- رحيل الأديب السوري عبد الله عيسى السلامة.. -بحتري العصر- وصو ...
- دميترييف بعد فضيحة المختبرات البيولوجية الأمريكية: ما الرواي ...
- -متى- تعيد كاظم الساهر إلى جذوره.. هل يعيد القيصر اختراع صوت ...
- أريانا غراندي تطالب البيت الأبيض بالتوقف عن استخدام موسيقاها ...
- الهوية الوطنية تجذب جيل الشباب.. قفزة في الإقبال على الثقافة ...


المزيد.....

- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة