أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سوسن يحيى قاسم















المزيد.....

على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سوسن يحيى قاسم


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 08:38
المحور: الادب والفن
    


ما بين الفقدِ وساعاتِ الجلوسِ الموحشةُ على مصطبةِ الانتظار, تساقطت سنون من زمنِ العمرِ القصير. تسمو بنا الشاعرةُ سوسن يحيى في فضاءِ تجربتِها الشعريةِ الثانية( مشاعرٌ صماء) الصادرة عن دارِ المتن للنشر والطباعة في بغداد, وهي تترجم لنا صوراً شعريةً حسيةً مبتكرةً بخطابِ الأرواح, تحاولُ أن تحوّلَ الآمَ الصمتِ لأبجديةٍ جديدةٍ ببنيةٍ دلاليةٍ ذات منظورٍ حسي متقن, وكأن حروفَها تنبأت لقصةِ الحزنِ والغبن, في أول درسٍ من دروسِ حياتها, وكأن مخيلةَ قصائدها هي تلك العرافةُ ذاتها, بعدما وِلِدت أنثى, في بلدٍ شرقي, فبكت حين وعت على صوتِ ذلك النواح, إذ أدركت أنها ولجت في ظلمةِ الضياء, لذا بدت ترددُ بصوتِ المشاعرِ العذب, الذي ما عاد يصغي إلا لذلك الهمسِ غير المسموع, ترددُ ترانيمَ البراءة, بعدما عرفت بأن لا أمان لها في وسطِ غربةِ اللاوجود.
تعكسُ الشاعرةُ لنا في أبياتِها الصماءُ ومن خلال تجربةٍ واقعية, وتركيبةٍ نفسيةٍ وبيئيةٍ واجتماعية, مرارةَ عقدةُ اللومِ التي تكاد تعاني منها معظمُ الإناثِ في مجتمعاتنا, وكأنها المسؤولةُ عما رزقت به من إناثٍ أو ذكور, قصائدٌ جاهدةٌ لتحريرِ العقول, ونبذ لون ذلك الاسوداد, وملامح الوجل, وكأنها العارُ على وجهِ كلِّ كظيمٍ قد بُشر بالأنثى, واصفةً بحبكةِ التعبيرِ ومتانةِ البوحِ قسماتُ وجهِ الأمهات, وهي تمطرُ بنظراتِ شؤم, حينما تعرفت على ملامحها أول مرة, وكلما احتفت بعيد ميلادها, فتذرف الدموعَ بتيه النظرات.
أبياتٌ صماءٌ لكنها تصرخُ بأفواهٍ مهذبةٍ روحيا, متمكنةِ من توظيفِ أدواتٍ فكرية, صنعتها ذكرياتٌ مؤلمةٌ وكلماتٌ تلتقط صوراً فلسفيةً لمشاهدٍ حقيقيةٍ تبثُ بجرأةِ الخيال, ثم تحاول أن توقفَ نبضَ القلبِ اللاهث خلف البقاء, وتنسى البكاء, تظنُ أنَّ الأقدارَ سمحت لها أن تفرحَ بقدومه, كي تخفي سرَ الوجودِ ما بين الأحشاء, فالغرفةُ لا تسعها, ولا الأرضُ ولا الفضاء, بعدما عرفت أنه سيولد ذكرا, فلن تتكرر المأساة, إلا أنَّ الخوفَ يداهمها في نشوةِ الفرح, حينما تشعر بنبضاته وحركاته, إنها الأرضُ التي تلفُ ما بين أحشائِها حبيباً تلو حبيب, وتترك لها العبراتٍ بالمجان, فلا تترك لأختيه ذلك السندَ المنتظر, ربما تخشى تلك الأرضُ عليه النهاية منذ البداية, وربما تخشى عليه من تعددِ الأقنعة, أو ربما كأنها تعتقدُ أنها أكثرُ حناناً من الأحشاء, فما بين الخوفِ والفرح, وذلك الانتظارِ الطويل, إذ تناست الآمَ الطعناتِ التي كانت تتعرض لها لحظة بلحظة, وأخذت تتخيله على القطعةِ البيضاء, باسماٍ يضجُ بعبير الريحان.
وتسمو بنا والتأملاتُ الشعريةُ بألوانٍ سرديةٍ لتجربةٍ عميقةِ الشجن, متأسيةً بتجلياتٍ لرسائلٍ مأساويةِ الرثاء, إلا أنَّها متمسكةٌ بطوقِ الصبر, المبثوثِ بأملِ النجاة, لتبقى الآمالُ معلقةٌ في الفضاء, كعصافيرٍ ترفرفُ بلا وجهة, ومع كلِّ لحظةٍ تمر يزدادُ شغفُها لرؤيته, ذلك الوجهُ الذي تتصوره, سيكون شعاعَ الأملِ في عالمِها المظلم, إلا أنَّ المنايا حاضرة, فالقافلةُ قد اختارت لها بهذه المرةٍ رفيقاً من طيورِ الجنةِ من الأحباب, كما خطفت منها الأبَ والحبيبَ قبل الأوان, فتلاشت الأحلامُ في ظلالِ الواقع.
تمرُ السنين, كانت تنامُ في أحضانِ الغياب, تلتحفُ مشاعرُها في لحافِ الصمم, وتنبشُ في رمادِ القلبِ المحترق, وتسامرُ طيفَ طفلِها المستحيل, تراجعُ الأشعارَ التي كانت ستكتبها له, لتغنيها حتى يغفو, وإذا بها تكتبُ في غولِ الغياب, والأرقُ سليلُ الروح, وتاهت في أسفارِ الوهم, يتهيأ لها أنه يناديها كلُّ ليلة" يا أماه" فتفزع وتفتح عينيها, لا ترى شيئا, أيكون ينام في الفراشِ القريب, أم في الغرفةِ الثانية, أم تراه خلف أبوابٍ مؤصدة, أم يختفي وراء الأحجار؟ وأي أحجارٍ هنا؟ فالشوقُ يهزها, فاغرةٌ فمها لتنعش الروح, تناديه باسمه المفترض لكن لا يجيب.
وفي أبياتٍ أخرى تعود بنا شاعرةُ الفقد, لصممٍ الخواءِ بمشاعرٍ قررت أن تضعَ أصابعَها في أذني قلبها حتى لا تستجيبُ لأيٍ نداءٍ عاطفي, ذلك العنوانُ الذي اختارته لمجموعتها الشعرية, متجاهلةٌ كلُّ العهود, وزيفُ العاطفةِ في زمنٍ ما يزال يستلبُ حقوقَ المرأةِ وإرثها, فلا تنوي كسرَ قيودِ الصمت, إلا بالشعر, فهو لديها يفضحُ مهازلَ الرياء وأخلاقياتِ التقاليدِ الجوفاء, لا تسمحُ أن ينبضَ القلبَ للشوق, ولا ينقشُ في وجهها غيمةُ الشغف, ولا أن تغفو بجفونِ لهفة انتظار, لا تبحث عن مواعيد للارتواء, لتتبنى منظورَ الوصفِ البلاغي بتعابيرٍ ثرية, تكتب بها في كلِّ ليلةٍ على جدارِ الصمت مفرداتٍ أليمة" رسائلٌ خافتةٌ صماء" تبكي شكواها الحروف, فتنام في أحضانِ الغياب, أو تهيمُ في بيداءِ الوهمِ بلا هدف, بلا مواثيقٍ مع الضوء, أو مع دجى الليل, فينفجرُ بركانُ الدمعِ كأنها تدخلُ حرباٍ مع وجودها, بوجودِها إن كانت لا تزالُ كائناً حياً أم أخذت الترابَ مسكنا, كما ذلك الطفلُ الأمل.
كبّلوا حروفَها بقيودِ الحزن, وقيّدَوها بالأوهام, ولم يتركوها بسلام, اغتالوا الصبرَ, حاربوا أمومتها, لأنها لم تنجب ذكرا, فلاذت بالدمعِ حتى تفحمت مناديلُ البكاء, إلا أنها امرأةٌ في امرأةٍ أخرى, تشعلُ روحَ الثباتِ في أوقاتِ الحزن, فتخرجُ امرأةٌ أخرى دون أن تستولي عليها طقوسُ الظلامِ تقارعُ الظلمَ والاستبداد, بسلاحِ الأشعار.
إننا أمام تجلياتٍ في عوالمِ اللغةِ بإجادةٍ متناسقةٍ وبوسائلِ تعابيرها الاحترافية, بنهجٍ استلهمته من سدادةِ أرواحِ وقلوبِ من فقدتهم, وكأنها كتبت برفقتهم أولَ قصائدها الطفولية, لترسم طيفَ فارسٍ في الأذهان, الذي أنبت لهيبَ الشوقِ في الأعماق, فأصبحت تتراقص هذيانا دونما ملل, تبحرُ في عبابِ أمواجِ الحب, بلا مرسى, بلا شطآن, فالبوحُ هنا بلا قيود, تركضُ خلف طيفِ الروح, وقلبُها ينشطر حائراً ما بين بطين وبطين, فتغازلُ ضوءَ الشمسِ وتضاحكُ النجوم, لتنسى خرافةَ الوجود, وتجاوزت مدارك المسافات, وماجت في هيجانِ الأشواقِ عبر القلوبِ بلا حدود, والنارُ تتأججُ في الوريد, تناجي القيثار, فتلاشت متاهاتُ الغربة, وأنينُ الفقدِ والضياع.
إلا أنَّ تلك الرهبةَ من لحظاتِ الوداعِ تمسُ جوهرَها, فتتيه من جديدٍ في دهاليزِ الضياع, لا تريد أن تتصورَ ذلك مجردَ التصور, فما أبشع لديها لحظاتٍ الفراق, لا تريد أن تضيع ملامحه, بقايا عطره, ولا أن تنعي الأقمار, أن تخفتَ الروح, وتنفجرَ ببكاءٍ مستهام, كبكاءِ طفلٍ فَقَدَ للتو أحضانَ الحنان, ويكابدُ أوجاعَ الفطام, أو كأنها زنبقةٌ تموتُ في صقيعِ الأيام, فلا تود أن تحضرَ صورَ الكلماتِ الحزينة, بطفولةِ روحِها الجديدة, دون أن تعكسَ المرايا وجه حزنها الدفين.
فهل حقا هذه الأرضُ لم تعدْ تحتوي غير الفراق؟ فالفارسُ امتطى حصانَ الموتِ من سنين, ووالدٌ قد رسمَ لوحةَ الرحيل, وأطَّرَها طفلُها الصغيرُ الوحيد, والطيفُ يحاولُ الآن, كي يتركها لنارِ الظنون, تلك النارُ التي بدأت تنهشُ جسدها, وتنهشُ العروق, وهي المعتقلةُ بذاتِ العينين, وكأنه قد توقفَ من أن يبعثَ رسائله عبرَ النجوم, تلك الرسائلُ التي كانت تخبره بأنَّ كلَّ شيءٍ سيكون على ما يرام, لذا كانت تراه توأما للصدقِ وشبيها للروح, فلم تعد تذق الجفونُ طعمَ النوم, ووهنت الجروحُ من جديد, وعاد الخوفُ يؤرقُ حروفَها, خشيةً أن تصابَ برماحِ الفقدِ من جديد, فتكون صريعةُ الوداع.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي
- أحلامِ الموتى وتيه الهوية بين المجدِ والخذلان: تأملات في قصي ...
- قصة قصيرة: بانتظار الرحيل
- بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة ...
- قصة قصيرة: فتاة القلعة
- مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في ...
- قصة قصيرة: الحصة الإضافية
- قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة
- تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف؛ رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف: رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- قصة قصيرة: عشتار
- بين الدفء والعري؛ تأملات في جدلية الكرامة في رواية المعطف لن ...
- قصة قصيرة: حدودُ الذئب
- بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروا ...
- قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء
- وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ ...
- قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...
- قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سوسن يحيى قاسم