أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في -إستروبيا- د. محمد فتحي عبدالعال















المزيد.....

مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في -إستروبيا- د. محمد فتحي عبدالعال


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 00:22
المحور: الادب والفن
    


في عالم يضج بالتناقضات ويئن تحت وطأة الصراع بين الصوت الأخلاقي في الإنسان وهمس الرغبة، ويمتحن الضمير في كل تفصيلة من تفاصيل الحياة، تأتي مجموعة "إستروبيا" لتفتح لنا باب المرافعة الكبرى مع الذات. هي لحظات للبحث عن سراب الرضا المفقود، عبر معايشة الذات في أقصى حدود انكسارها وتأملها الصامت، حتى تصل إلى مرحلة الاغتراب أو هشاشة النفس أمام المغريات. فحين تنكسر مرايا الروح، تتناثر معها شظايا العالم بأسره؛ كأن الداخل انقلب على الخارج، ويصبح البوح شكلا من أشكال المقاومة ضد الانكسار.
يظهر الأوجاع الكامنة وفق تلك النتائج بذاكرة لا تعرف النسيان، كأنها عالم يحتضن شكواه، وتنفس طويل من ضيق الصمت إلى فسحة البوح.
وعلى ضوء ما تقدم، يمكن القول إن شخصيات المجموعة القصصية ليست سوى وجوهنا نحن حين تغفل عن الموازين الداخلية، وبعد أن تتوه عن إنسانيتها في لهاثها وراء السراب، حيث يميل الحنين إلى وهم ليس إلا، وكأن النفس تبحث الوهم عن طمأنينة لم تعد ممكنة في الواقع.
ولعل دوستويفسكي كان مصيبا حينما التقط المأساة الإنسانية حين قال:
"إن الإفراط في الوعي علة"
فذلك الوعي المفرط هو ما يجعل شخصيات "إستروبيا" أكثر ألما، إذ تدرك سقوطها وهي تسقط، وتعي تناقضها وهي تعيشه.
تضع نصوص الدكتور "محمد فتحي عبدالعال" القارئ أمام مرآة مائلة، لا تُظهر الملامح كما هي، بل كما ينبغي أن تُرى. ومن هنا، تتسلل الحكايات من بين ظلال النفس الأمارة بالسوء لتساءلنا؛ ما الإنسان حين يتوارى المفروض الأخلاقي خلف رغبة جامحة أو منفعة عابرة؟؛ وهل يمكن للعقل أن يظل قاضياً عادلاً حين تكون الشهوة هي الشاهد، والهوى هو المحامي؟
إنها مرافعة وجودية تتجاوز حدود القصص إلى تأمل فلسفي في جدلية الخير والشر داخل الإنسان.
وفي "إستروبيا"، لا يدان أحد تماما، ولا يبرأ أحد بالمطلق، لأن المحاكمة تجري داخل النفس لا في ساحات القضاء، ولأن الشر لا يأتي من الخارج فحسب، بل ينبثق من داخل الإنسان نفسه حين تتواطأ الرغبة مع الخداع، وحين يصمت الضمير تحت وطأة الإغراء أو الخوف.
وهنا يتردد صدى مقولة كافكا العميقة:
"الضمير الذي يصمت طويلا يصبح شاهد زور"
ومن ثم، تعيد هذه المجموعة بناء الإنسان ككائن ممزق بين ما يُفترض أن يكونه وما تدفعه دوافعه الخفية لأن يكونه، بين الواجب بوصفه نداء السماء، والرغبة بوصفها همس الأرض.
وبذلك، يغدو كل نص فيها مشهدا من محكمة الضمير، وكل حوار استجوابا للذات وهي تتقلب بين الطهر والدنس، بين السمو والانحدار، متجولا بين الأمكنة بحثا عن معنى أعمق للحياة.
ففي قصة "الغاية والوسيلة" يتجلى مأزق الإنسان حين تنقلب الوسائل إلى غايات، وحين يتبدل الواجب الأخلاقي إلى قناع برّاق لمآرب دنيوية.
أما "وديع" فبدأ سعيه بحثا عن الثراء المشروع، يجد نفسه متورطاً في شبكة الإغراءات التي تحول النجاح إلى تواطؤ، والمهنة إلى تجارة بالنفوس. وهكذا تتسلل النفس الأمارة عبر منافذ الخوف والطموح، حتى تغدو الفضيلة ترفا، والضمير عبئا على الارتقاء الاجتماعي. وهنا يعيد الكاتب صياغة سؤال الإنسان الأزلي:
هل يمكن لغاية سامية أن تبرر سقوط الوسيلة في وحل السوء؟
وفي هذا المشهد، يتوارى المفروض الإنساني خلف وعود الخلاص المادي، ويتحول الوعي إلى صمت مبرر، وكأن النفس وجدت في الظلال منطقة راحة أكثر من ضوء الحقيقة.
أما في قصة "السيف حد" فنواجه نموذجا آخر للانقسام الداخلي، حيث يتحول العقل ممثلا في الدكتور "مغربي" إلى سلطة مطلقة تفرض معاييرها دون مراجعة. فبدل أن يكون العلم سبيلا للوعي، يصبح وسيلة للهيمنة، وبدل أن تكون المعرفة طريقا إلى التزكية، تغدو ميدانا جديدا للكبرياء المقنع بالفضيلة.
إنها النفس ذاتها، وقد غيرت أقنعتها فحين تتعب النفس من شهوات الجسد، تتغذى على شهوات الروح والعقل. وهنا تظهر المفارقة بين المفروض القيمي الذي يجعل العلم عبادة، بينما يحيله نداء السوء وثنا جديدا للذات.
وعلى هذا الأساس، تبدو "إستروبيا" كوثيقة أدبية عن الإنسان المعاصر الذي يعيش ازدواجية دائمة بين ما يعظ به نفسه وما يمارسه فعلا، بين الصيغة النظرية للمبدأ وتجسيده الواقعي. فالمجموعة لا تُدين شخصياتها بقدر ما تُظهر هشاشتها جميعا أمام غواية النفس، وكيف أن لحظة السقوط قد تكون في جوهرها لحظة كشف وتنوير، حين ندرك أن الشر لم يكن خارجنا، بل فينا، وأن المرافعة مع الذات لا تنتهي بالحكم، بل بالاعتراف.
في نهاية المرافعة، لا يصدر الحكم ولا تغلق القاعة، لأن الإنسان هو القاضي والمتهم في آن واحد. وكل ما فعله الدكتور "محمد فتحي عبدالعال" في "إستروبيا" أنه سلط ضوءا حادا على منطقة العتمة التي نحاول إخفاءها عن أنفسنا، فحين تنكسر مرايا الروح ثانية، لا نرى انعكاس أوجاعنا فحسب، بل صورة العالم وقد تماهت مع وجعنا.
ليست هذه المجموعة مجرد نصوص سردية، بل فرصة ثمينة للقارئ لاستكشاف الطبقات المعنوية في ذاته هو قبل أن يحاكم الشخصيات. إذ يدرك أن البراءة ليست غاية، ولا إدانة نهاية، بل سلسلة من المحاولات المتكررة لتبرير ما لا يُبرر، ولتجميل وجه النفس وهي تنصت لنداء السوء وتتظاهر بالاتزان. إنها رحلة وعي شاقة مع النفس، لا تقاس بالوصول، بل بالسير المستمر نحو النقاء الممكن.
تبدو المرافعة مع الذات إذن رحلة وعي لا حكما قضائيا، رحلة تقف عن حدود السؤال: هل ما زلنا نملك القدرة على أن نكون كما ينبغي، لا كما نُرغم أن نكون؟
في هذا السؤال يكن جوهر الإنسان كما تصوره "إستروبيا"؛ كائن ممزق بين ندائيين متوازيين لا يلتقيان، نداء السماء الذي يعلو بالمفروض الأخلاقي، ونداء الأرض الذي يهبط بالرغبة إلى حد الخطيئة.
وفي كل قصة من قصص المجموعة، يسكن إنسان يبحث عن توازن مستحيل بين الطهر والضعف، بين المبدأ والمصلحة، بين الأنا التي تأمر والضمير الذي ينهى. وما بين الأمر والنهي تتجسد مأساتنا الوجودية، فنحن لا نرتكب الخطيئة بقدر ما نكشف عن هشاشتنا أمامها. ولعل هذه الرسالة العميقة التي تود "إستروبيا" أن تهمس بها:
"أن الإنسان لا يقاس بنقائه، بل بقدر ما يقاوم ظله"
وهكذا تبقى المرافعة مفتوحة، يتجدد صداها كلما نظرنا في المرآة وسألنا بصوت خافت:
- من الذي يحاكم من؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: الحصة الإضافية
- قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة
- تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف؛ رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف: رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- قصة قصيرة: عشتار
- بين الدفء والعري؛ تأملات في جدلية الكرامة في رواية المعطف لن ...
- قصة قصيرة: حدودُ الذئب
- بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروا ...
- قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء
- وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ ...
- قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...
- قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت
- تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هي ...
- قصة قصيرة: ما لا يُرى
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...
- قصة قصيرة؛ ذاكرة الغرق
- عدالةٌ تبحثُ عن موطئ قدم في الحلم؛ تأملات بين وهم التغيير وق ...


المزيد.....




- مهرجان كان السينمائي 2026: عشاق السينما يحجزون أماكنهم على ا ...
- المجلس الثقافي البريطاني يعلن عن 10 مشاريع إبداعية جديدة ضمن ...
- رجل متهم بسرقة موسيقى بيونسيه غير المنشورة يُقرّ بالذنب
- طلاب مصر يدخلون البورصة.. هل تنجح الثقافة المالية بالمدارس؟ ...
- افتتاح الدورة الـ 79 لمهرجان كان السينمائي بحضور نخبة من الن ...
- نجمة عربية تكشف جنس مولودها بفستان -زهري- في حفل افتتاح مهرج ...
- هروب أم تهجير؟ حرب الرواية وأحداث النكبة تتكرر في -يانون- با ...
- “مركز اللغة الفرنسية يوجد في حوض نهر الكونغو” تصريح ماكرون ي ...
- غواية التشكيل وتجليات الأنثى: قراءة في قصيدة -امرأة... وكفى- ...
- الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في -إستروبيا- د. محمد فتحي عبدالعال