أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي














المزيد.....

قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8696 - 2026 / 5 / 3 - 03:39
المحور: الادب والفن
    


مضتْ ثلاثُ ليالٍ ولم يذقْ طعمَ النوم فيها، منذ السبتُ المجنون، ذلك اليومُ الذي بدأ منذ صباحه الباكر تُنسجُ خيوطُ الكفنِ الأبيض، ليسرقَ الموتُ منه فلذةَ كبدهِ، موتٌ مجانيٌ بسلسلةٍ متواليةٍ قد لا تتوقف, رغم عدم تصديقه بلحظةِ الرحيل، لكن هي الناسَ تتحركُ من حوله، تواسيه، تحاولُ أن تُخرجَ بعضاً من تلك الأحزانِ التي أخذت تجثمُ على صدره، والاستغرابُ يجعله يقفُ بذاتِ الدهشةِ من المواساةِ المتكررةِ بين الحين والآخر، وأصواتٌ تتسابقُ في دواخله، تسأله بشكلٍ متتابع.
- هل رحلَ مصطفى؟
يحدقُ في سقفِ الغرفة, يصيبه الرعبُ, وناقوسٌ حزينٌ يدقُ في رأسه بضجيجٍ صاخب, يتحولُ على شكلِ ضرباتِ فأسِ متتالية.
- لا, لا يمكنه أن يرحلَ بهذه السرعة.
تحضرُ التفاصيلُ كلُّها، كيف لا يتناولَ طعامه قبل أن يمدَ والده يده، لا يرفعُ نظره بوجهه، لذا بدأ يشعرُ بالاختناق، صخرةٌ تقفُ على الصدر، فالأحزانُ والآهات تكتمُ الأنفاس، ليقفَ الزمنُ، والروحُ تدخلُ في سديمٍ بعيدِ المدى، والليلُ حالكٌ كالحقد، ومراسيمُ عزاءٍ يراها تمتدُ لمسافات، كراسي بالوانٍ حمرٍ كلونِ الدم، الماء، القهوة.
- ترى ما الذي حدث؟
تتوسعُ الفاجعةُ في دواخله، تتحرك، تلامسُ قلبه، تدمعُ عيونه، يزدادُ هلعه، يصرخُ باسمه.
- أين ذهب مصطفى؟
بين دروبِ الفقدِ تاه، رمى الفؤادُ أجزاءه بشكلِ شظايا متفحمة، والفكرُ أَخْذ يشتكي، يجوبُ الكونَ، يرتعش، تتعالى الرياح، الأصوات، نواحٌ يخلعُ نياطَ القلوب، عاصفةٌ من الصراخِ تهبُ تملأ مساحةَ باحة الحوش الواسعة, ليبدأ الغولُ يغرسُ أنيابه بين الثنايا، وأخذ الرعبُ يدورُ دورته، مع إيمانه بالقدر، بأنه سيقودُ الجميعَ إلى ذلك الأجلِ المحتوم، والأحجارُ تحزُ الوجدانَ، يسأله حفيده.
- أين أبي؟
تتناثرُ الأحلامُ كشظايا الزجاجِ المتكسرة، وتغيبُ النجومُ من الليل، والسماءُ أخذت تكتسي لونَ الرمادِ في وضحِ النهار والشمسُ في كبدها، والأقدارُ وضعته أمام اختبار الخيارِ الأوحد من دون إنذارٍ مسبقٍ، وطائرُ البومِ ينوح، يناغي طائرَ الموتِ، لذا أخذ يركضُ وراء سرابٍ مجهول، يبحثُ عن شيءٍ لا يعرفُ سره.
يواسيه زميلٌ له يجلسُ بالقربِ منه.
- الصبرُ, الصبرُ, انما الصبرُ عند الصدمةِ الأولى.
يحاولُ أن يجيب, إلا أن كلماته تبقى مسجاةً على مقصلةِ الانتظار, لذا أخذ يوشرُ إلى قلبه والدموعُ تنهمرُ من عينيه.
- جمرةٌ هنا تتحرك.
فأجهش ذلك الزميل على بكائه.
ما كان يَظُنُ أن ترميه سهامُ المنايا، ليتقاسمَ طعمُ الرحيل، لذا بدأت الحروفُ تهربُ منه خجلة، تسكنه الحيرة، وتتسللُ إلى لونِ تلك الدموعِ قبل أن يجيب، والنبضُ يُوخِزُ صدره من الألم، فتخرجُ مرارةَ الرحيلِ، بعدما يداهمه شبحُ الغياب، فتنمحي ما ظل من لونِ عينيه، ويهشمُ الموتُ بقايا العمر.
- أتكفي الدموع، وحروفُ الكلماتِ تمتصُ ذاكرةَ الحنين؟
كيف سَيُبْحِرُ بموجه الغادر؟ وإن عاشَ، فسيبقى بقلبٍ متفحمٍ، يتشظى بعطره، والرحيلُ الماكرُ ينامُ على الأرصفةِ الدامية، يصحو ولا فجرٌ يستقبله، سوى بقايا خريفٍ يهدده شتاتُ النهايات، وستدومُ مواسمُ النواحِ وتمطرُ النوائبُ، لتسقي وجدَها أزهاراً سوداً بلونِ كبده، ويشتعلُ في أوجِ الكلمات.
- مكلومٌ أنا يا ولدي.
فتُقتَلُ الروح، يتعاطى السبات، ويناجي الموتَ بِكُلِّ لحظةٍ، بعدما ملَّته السكرات.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- أحلامِ الموتى وتيه الهوية بين المجدِ والخذلان: تأملات في قصي ...
- قصة قصيرة: بانتظار الرحيل
- بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة ...
- قصة قصيرة: فتاة القلعة
- مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في ...
- قصة قصيرة: الحصة الإضافية
- قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة
- تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف؛ رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف: رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- قصة قصيرة: عشتار
- بين الدفء والعري؛ تأملات في جدلية الكرامة في رواية المعطف لن ...
- قصة قصيرة: حدودُ الذئب
- بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروا ...
- قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء
- وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ ...
- قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...
- قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت
- تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هي ...


المزيد.....




- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...
- فنانو اليمن بين الحرب والجوع.. حين تُباع اللوحات لتبقى الحيا ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي