أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة نيشان للكاتب حسن العميري














المزيد.....

بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة نيشان للكاتب حسن العميري


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8694 - 2026 / 5 / 1 - 10:43
المحور: الادب والفن
    


بين حلم البندقية الذي يرفرف بأجنحة الأمل فوق غبار الأيام، وتابوت الخشب الذي ينتظر في نهاية الطريق بوصفه حقيقة لا تؤجل، تمتد مساحة من الفقد المبكر الذي لا يرحم. فهنا، كما لو أن الحلم رسالة تأتي من أعماق النفس، حاملاً ما لا يستطيع الوعي احتماله، يبدو الحلم كضوء يتهادى في العتمة، يحاول تبديد ظلام الواقع القاسي. غير أن هذا الواقع الذي يفرض شروطه الصلبة، فهو يمثل الحقيقة التي لا مفر من الوقوف عندها. وعلى هذا النحو، وأمام ميزان الاختبار الحاد، يتحول الحلم إلى صرخة مدوية تُختنق في مخاضات النوم، ذلك لأن الحياة والحلم، كما لو أنهما أوراق من كتاب واحد، لا تقرأ إحداهما دون أن تفضي إلى الأخرى، كما يوصفهما "شوبنهاور". ولعل ما يمنح الحلم هذه الكثافة الوجودية، أنه ليس مهرباً من الفقد، بل شكلاً من أشكال مواجهته، إذ كما يقول نيتشه:
" الحلم مقاومة للفقد لا هروباً منه"
أما الفقد هنا فلا يأتي كخاتمة فحسب، بل كمعضلة وجودية تُطارد "نيشان" منذ البداية، لتؤكد ظل تابوت الخشب الذي يلاحق حلم البندقية كقدر لا مفر منه.
ومن هنا، لا تُروى قصة "نيشان" بوصفها حكاية طفل فقد أمه فحسب، فالكاتب "العميري" أراد أن يوصفها كسيرة ذاكرة وُلدت مثقلة بالقدر. فكأن المكان، وقبل الشخصيات، هو الذي يعلن طبيعة المصير. قرية من طين، تعيش على حافة النهر، بين عطاءٍ يومي وتهديد دائم. النهر هنا كما يوصفه الكاتب ليس مجرد مجرى ماء، بل مرآة وجودية للزمن المتقلب؛ يمنح الحياة كما يمنح الخوف، يروي الزرع ويزرع الرعب. وهكذا، يبدو مدرسة حياتية مبكرة تدرب أهل القرية على قبول الازدواج: نعمة لا تخلو من نقمة.
في هذا السياق، تتشكل الذاكرة الجماعية للقرية: ضجيج المساء، عودة الأغنام، دخان التنانير، ضوء الفوانيس، والموائد البسيطة. إنها طقوس يومية تُنتج هوية المكان، وتمنح ساكنيه شعوراً بالأمان المؤقت. غير أن هذا الأمان، أشبه بزجاج رقيق، ما يلبث أن يتشقق حين يتدخل القدر.
وعند هذه العتبة، يأتي حلم الشيخ "أبي نيشان" بالبندقية ذات القبضة الخشبية لا بوصفه حلماً شخصياً، بل كنبوءة رمزية. فالبندقية، بما تحمله من دلالات القوة والحماية والاستمرار، تمثل رغبة الشيخ في امتداد اسمه وسلطته عبر الذَكر. أما القبضة الخشبية، فتبدو كعلامة صامتة خبأها القدر في الحلم، ليعيد استحضارها لاحقاً في صورة أكثر قسوة: التابوت. هنا تبدأ لعبة المصير الخفية، إذ يُخزن الرمز منذ البداية، لكنه لا يكشف وجهه الحقيقي إلا عند اكتمال الخسارة.
وبالفعل، يولد "نيشان" محاطاً بالفرح، كأنه جواب الحلم، وتحقيق الوعد. غير أن الحلم، كما لو أنه شكل من أشكال المقاومة للفقد، لا يستطيع إلغاءه. فالكاتب لا يمنحه زمناً طويلاً للبراءة الخالصة. الأم، التي تمثل للطفل العالم بأسره، تبدأ بالذبول. وذبولها ليس جسديا فقط، بل هو شرخ أول في ذاكرة الطفل، يشبه تصدع جدار لم يجف طينه بعد. يرى "نيشان" الحزن في وجهها قبل أن يفهم معناه، فيتعلم الألم قبل أن يتعلم الكلمات، ويغدو، في هذه المرحلة، كغزال جريح يقف على الشاطئ، لا يرى زرقة البحر، سوى قطرات دمه تتسع، كلما ظن أن النجاة أقرب.
ومن هنا تكتسب التفاصيل الصغيرة فداحتها. فمشهد اختباء "نيشان" في شعر أمه ليس تفصيلاً عاطفياً عابراً، بل فعل تشبث بالهوية. فالأم هنا ليست شخصاً فحسب، بل جذراً. وحين يُنتزع الجذر، لا يبقى سوى الفراغ. انتقال الأم إلى مشفى المدينة يضيف بعداً آخر للفقد: المدينة بوصفها مكاناً غريباً، تُنتزع فيه الأم من محيطها الطبيعي، ويُقصى الطفل عن وداعته الأولى، وكأن القدر يتعمد أن يجعل الفقد ناقصاً، معلقاً بين حضور وغياب.
وعند مشهد اللقاء الأخير، يبلغ التوتر الرمزي ذروته. العناق ليس عناق وداع فحسب، بل محاولة يائسة لتثبيت الذاكرة. "نيشان" لا يبكي لأنه طفل، بل لأنه يشعر، على نحو غامض، أن الحضن لن يتكرر. إنه إحساس الكائن الذي أصيب في صميم أمانه الأول، فصار يرى العالم من ثقب الفقد، لا من فسحة الطمأنينة. فهنا، ما لا تبكيه العين، تتكفل الذاكرة بحمله طويلاً، وتتحول الذاكرة من وعاء للفرح إلى أرشيف وجع مفتوح.
ثم يأتي التابوت الخشبي ليغلق الدائرة. فالخشب الذي كان قبضة بندقية في الحلم، صار قبضة موت في الواقع. وهنا تتجلى قسوة القدر في أبسط مفارقاتها: ما وُعد به الشيخ قوة، يتحقق خسارة لابنه. أما "نيشان"، فيتحقق له قدر آخر؛ أن يُوسم بالفقد مبكراً، وأن تتشكل هويته على أساس الغياب.
وفي الخاتمة، حيث تتوقف الدموع ولا يتوقف البكاء، تنقل القصة من مستوى الحدث إلى مستوى الوجود. "نيشان" لم يعد يبكي بعينيه، بل بكيانه كله، فالدموع تليق ببداية الحزن، أما الألم الحقيقي فيسكن القلب بصمت. لقد أصبح حزنه جزءاً من تعريفه لنفسه، ندبة لا تندمل، وذاكرة لا تشيخ مهما تقادم الزمن.
هكذا لا ينتهي الفقد في قصة "نيشان" بهذا المعنى عند موت الأم، بل يبدأ بوصفه قدراً يُعاد تمثيله في الذاكرة كل يوم، كذلك كيف يصنع الفقد هوية الإنسان، وكيف تتحول تلك الذاكرة من سجل للحياة إلى شاهد على ما لا يُستعاد. إنها قصة تقول إن بعض الأقدار لا تُفهم، بل تُحمل، كما حمل "نيشان" فقده، ومضى به إلى اليوم، إذ يكبر الجسد، فيما يظل القلب واقفاً عند أول حضن غاب.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: فتاة القلعة
- مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في ...
- قصة قصيرة: الحصة الإضافية
- قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة
- تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف؛ رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف: رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- قصة قصيرة: عشتار
- بين الدفء والعري؛ تأملات في جدلية الكرامة في رواية المعطف لن ...
- قصة قصيرة: حدودُ الذئب
- بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروا ...
- قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء
- وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ ...
- قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...
- قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت
- تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هي ...
- قصة قصيرة: ما لا يُرى
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل
- من البراءة إلى الاستسلام: قراءة في القبول الأعمى في رواية ال ...


المزيد.....




- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...
- مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا ...
- -عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى ...
- دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع ...
- مدن الدوائر الموبوءة بالأدعية 


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة نيشان للكاتب حسن العميري