أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: بانتظار الرحيل














المزيد.....

قصة قصيرة: بانتظار الرحيل


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8695 - 2026 / 5 / 2 - 00:49
المحور: الادب والفن
    


ترفرفُ بأجنحةِ الفرحِ بجسدِها الأثيري، تبحثُ عن الحلمِ الذي رسمته مخيلتها، وبقلبٍ يخفقُ بعدما انبثقت فيه الحياة، لا تشعرُ بوقعِ خطواتِها على البلاط، ولا بالقفزاتِ التي تعيدها إلى مرحِ الطفولةِ التي تخشى أن يتلاشى من دونِ سابقِ إنذار، ولا لصدى أغانيها البريئةِ التي تُخرجُ مكامنَ السرور، أخذت تحملقُ في الأفقِ الممتدِ عبر نافذةِ غرفتِها الواسعةِ في الطابقِ العلوي بعدما هدأت بعضَ الشيء، وما زال صدى الأغنيةِ الأخيرةِ يؤثرُ في أنوثتِها, يقتحمُ هدوءها ويمدها بسبلِ النشوةِ في ظلِ فرصةِ انشغالِ والدتها خارج البيت، أمٌ صارمةٌ في التربية، تدققُ في أدقِ التفاصيلِ وبوجهٍ عابسٍ مع أدنى حركة وإن كانت عفوية، لذا غابت في صمتها خشيةَ حضورها المفاجئ وهي مفعمةٍ بالمشاعر، إلا أنَّ ذكرى والدها الطموح قد داهمتها لتخرجها من سيلِ تلك الأحلام، تستحضر صورته أمامها ومواقفه التي كانت الأجملَ في حياتها، فالوالدُ قد كرّسَ حياته لإسعادِ تلك الأسرة، كان يحاولُ أن يجعلَ من البيتِ جنةً في الأرض، وأن يبعدَ شبحَ العوزِ والفقرِ المدقعِ الذي كتمَ أنفاسَ الطموحِ والأحلام, وقد عانى منهما قبل أن يلتحقَ بالكليةِ العسكرية، إلا أنَّ الأمَ غالبا ما تحاول أن تفقدها الروح، فتذكرهما بأنها هي من رفعَت والديهما من قيدِ الفقر والعوزِ الاجتماعي، مرددةٌ بأنَّ المالَ والجاهَ هما من يصنعا السعادة، أما هي فما زالت غارقةً في أحلامِ يقظتها، تحلقُ بأجنحتها مع خيالاتها في فضائها الخاص، كأنها لم تعدْ تفهمُ لغةَ والدتها.
إيماءةُ أخيها الصامتةُ تجعلُ سيلَ الأسئلةِ تتدفق، ربما تتحدثُ عن أشياءٍ لا علاقة لها بها، إلا أنَّ ما تعرفه عنه بأنه أسيرٌ لطريقته في العيش، أن تكون له خصوصية حتى وإن صادرت إرادةَ غيره، لذا بدت تحاول أن تتحررَ من خوفِها الأصم، إلا أنَّ نظراتِ والدتها المتفحصةُ تؤكد لها بوقوعِ خطباً ما، وثمةُ أمرِ ما يجري في الخفاء، أخذ الأرقُ ينتابها في أغلبِ الليالي، وأفكارُها تجرها إلى مسالكٍ بعيدةٍ عميقةٍ في التصور، لذا لاح على وجهها سآمةٌ واضحة، وصدرُها يختلجُ لفهمِ ما يدور، كأنها بدت تنظرُ إلى حطامِ أحلامها، وصورةُ حاضرها كأنه ضبابي، فأيقنت بأنها وبعد والدها ربما ستعيش في طمأنينةٍ مزيفة، هذا ما بدا لها.
- ماذا سأفعل؟
أخذت تشعرُ بوجودِ دوارٍ في رأسها، وبدأ الوهنُ يسري في جسدِها، ونبراتُها ترتعشُ وإن كانت تهمسُ مع نفسها، ساهيةٌ غارقةٌ في تفكيرٍ عميق، وازداد شعورُها بالهزيمة، فالألمُ يبدو هو من مقوماتِ حياتها بعد رحيلِ والدها، والأيامُ تمضي متسارعةٌ من جعبةِ الزمن، لذا بدت تحاولُ وإن لم تكنْ تعتقدُ بأنَّ لطاقةِ الإنسانِ عتبةٌ لا يمكن الاستمرارَ في تجاوزها، إذ وجدت نفسها في دوامةِ ريحٍ مجنونةٍ تعصف بها، لتخرجها عنوة من خيالها الذي ينسجُ لها أجمل الأحلام.
- ماذا تعني تلك الايماءة؟
تنظرُ إلى والدتِها تجدها كأنها شخصٌ لم تعدْ تعرفه، فترى في ملامحِ وجهها الصارم جفافاً من العاطفة، لم تجدْ فيها ما يشبهها، يتضاعفُ الهاجسُ أكثر مع الأيام، أرادت أن تصرخَ بكلِّ صوتِها وترفضَ الخنوعَ لتقاليدِ تلك الوالدةِ كما تتصور، فهنالك ثمةُ أوقاتٍ من الجنونِ الذي لا بد منه، لتتمكنَ من رفضِ اكتسابِ تلك الأصولِ من روحِ والدتها الأرستقراطية، ولكن هيهات، فلقد بدت تشعرُ بتبددِ قوتها وهروبها منها، وأدركت بأنها تسيرُ وراءَ قدرها وإن كابرت، وعبثا تحاولُ الفرارَ من الحطامِ الذي في نيتهم صناعته لها، لذا أخذت دواخلُها تغلي بالوانٍ من براكينِ الغضب، تهيمُ في هذا العالمِ الغريبِ ويقودها كالمجنونةِ إلى واقعٍ تخشاه، فصروحُ الغنى والجاهِ لم تحصدْ منها غير الوقوعِ أسيرةً لليأس، ومغادرةَ سطوحِ البساطةِ والمرح، ضائعةً وراء غايةٍ كأنها بدت تتلاشى، وبدأت تقلبُ أحلامَها من فرحٍ إلى أوهامٍ ثم إلى دموع، وفراغٌ يلتهمها تعجزُ الكلماتُ عن غمره.
- أأنتظر؟
تنتظر كي تقادَ إلى حيث يرادُ لها أن تذهب، تحرقها النظراتُ من جديد، الفكاكُ مستحيل، تفقدها الشعورً بوجودها، لتصنعَ هوةً سحيقةً تفصل بينهما، فرغبةُ والدتها في أن تستمرَ بتلك النظرةِ إلى العالمِ من خلال المالِ ليكون الزواجُ ناجحا، زواجٌ تودُ من خلاله الأم أن تنسى تأريخاً تعتبره ظلما، فلقد قبلت تلك الأمُ باندفاعِها الطائش المعروف عنها وراء رتبةٍ عسكريةٍ براقة, وإن كان لا يخلو من وسامةٍ وشجاعة، يتهدجُ صوتُ الأبنة، فهي بحاجةٍ إلى من يسمعها في لحظاتِ الضيق، أن يوقفَ زحفَ الآمالِ الغبية، لا تعلمُ أن كانت تستطيع لملمةَ شتاتها، لذا توقفت ابتسامتها، ولاذت في صمتٍ مطبق، بعدما عجزت من نبشِ الحقائقِ من الجذور، وأيقنت بأنَّ قبولَ الواقعِ يعني لها الهزيمة، ولكن ما الحيلة، ولأخيها الإذعان، ولوالدتها الطاعة العمياء، ولزوجها المرتقب الاقتناع بما يمتلكه من أموال.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة ...
- قصة قصيرة: فتاة القلعة
- مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في ...
- قصة قصيرة: الحصة الإضافية
- قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة
- تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف؛ رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف: رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- قصة قصيرة: عشتار
- بين الدفء والعري؛ تأملات في جدلية الكرامة في رواية المعطف لن ...
- قصة قصيرة: حدودُ الذئب
- بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروا ...
- قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء
- وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ ...
- قصة قصيرة: البقاء تحت الشمس
- الهوية المؤجلة؛ تأملات في مرايا المنفى في رواية المنافي السع ...
- قصة قصيرة: وصيةٌ على سواتر الموت
- تأملات في جدلية الوعي والهوية في رواية بلد العميان للكاتب هي ...
- قصة قصيرة: ما لا يُرى
- قصة قصيرة: حين يصرخ الظل


المزيد.....




- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة
- مفارقات كوميدية بين -كزبرة- وأحمد غزي في فيلم -محمود التاني- ...
- انطفأ السراج وبدأ عصر -الموديلز-
- أكرم سيتي يختزل قرنًا من الاستبداد في دقيقتين
- أبو الغيط يترأس اجتماع مجلس إدارة الصندوق العربي للمعونة الف ...
- مهرجان كان السينمائي: لجنة التحكيم تبدأ عملها في مشاهدة أفلا ...
- -عيبٌ أُحبّه-.. 7 أيام كافية لهزّ الوجدان في الرواية الأولى ...
- دراسة نقدية لنص(نص غانية) من ديوان (قصائد تشاغب العشق) للشاع ...
- مدن الدوائر الموبوءة بالأدعية 


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: بانتظار الرحيل