داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 00:42
المحور:
الادب والفن
من الجنونِ أن يعترف العقل بلغة الأشعار كخدعة للتباهي, أو أن يجد كفارةً للأشواقِ من دون ترقب النهايات, فهل ينفعُ مباركةَ آلهةِ الحريةِ عبر المحيطاتِ بعدما يذوبُ ندماً كما تراوده الأحلام, ويبكي دماً في الليلِ والنهار, ويعلنُ توبةَ الهمسات, ويقيدُ حروفَه بسلاسلٍ من شوكِ الصحاري ثم يئنُ ويصارعُ البقاء, وجنونٌ أن يحمي قانونُ اللا منطق حركاتِ المغفلين المتواليةِ في عالمِ الطيبةِ وحسنِ الظنِ بعيونٍ معصوبةٍ ولسانٍ يلهجُ فقط بالدعاء, وجنونٌ أن تتمرغَ الأطلالُ بالأوهام, أطلالُ النفسِ والوطنِ والإيثارِ والبوحِ في ثرثرةِ الأسرار, وترقدُ دمعاتُ الأنجم في عيونِ الظلامِ بلا دثار, وجنونٌ أن تتوزعَ الأمانيُ كهديرِ الضياعِ في حمرةِ الجمراتِ بين رمادِ الأقدار, ويرضى باللحظةِ التي تمضي بأمواجِ الذكريات, وتسرقُ الشهورُ لجينَ النورِ من هالةِ الأقمار, فمتى وجد القلبُ قيثارةً تعزفُ لحنَ الحرية, فذلك نذيرُ شؤم بأنه سيحكم عليه بالتعاسةِ وقلةِ الاقتدار, فاللحدُ إن توفرَ أو في زنزانةٍ تحبسُ الأنفاس.
تدورُ في أعماقِ "شلش المرهون" تلك الشخصيةُ الجدليةُ في رواية " بلابوش" للروائي "عبد الرحمن الهويش" همهماتُ حزنٍ غامضةٍ من أولِ يومٍ استبيح به الوطنُ على أثرِ حكايةٍ أمدها ألف عام, بل وما قبلها في مسألةِ إثباتِ الوجود, في وطنٍ ينتحبُ منذ أراد أن يكون, كان قلبه يثقلُ تحت وطأةِ الذكريات, تارةٌ يختنقُ باليأسِ وتارةٌ أخرى تلمعُ فيه بقايا أمل " لا تخافي يا ابنتي, فأنا معكِ" فالأسئلةُ تتوارد في ذهنه كيف يمكن لروحٍ أن تصمدَ أمام كلِّ تلك الجراح؟ وفي كلِّ لحظةٍ كان يكرر السؤال, ترى هل ستظل أحلامهُ رهينةَ الخشيةِ من السلاسل, أم سيأتي يومٌ وتتحرر فيه روحهُ من هذا الكابوس الذي أخذ يلازمه؟ إلا أنَّ كلَّ شيءٍ تغير عندما أصبحت الكرامةُ على المحك, عاريةٌ على المصاطبِ بعد أن نهبوا قطرةَ الحياءِ منه, وقد تحولت إلى مجردِ فكرةٍ ترسخت من سنين في المخيلةِ على أثرِ المطالعةِ وحديثِ المجالس, والألمُ بدأ يضحكُ من ضبابيةِ المشهدِ وعمقِ الجراح, لذا فهي تحاول أن تدافع عن نفسِها باستحياءٍ في ظلِ الوضوحِ والبدءِ بتلاشي وجودها, لكنها أيقنت أنها ترسمُ خطواتَها في الظلام, مدججةٌ بالموتِ من خشيةِ افتضاحِ الأسرار, فهي عاجزةٌ كالشخصِ المقيدِ اليدين بسلاسلٍ من حديدٍ ومصفد الأرجل معهما.
فلا مخرجٌ إلا بمحاولةِ هروبه إلى الماضي, إلى" جواهر" حيث الشوقُ العارمُ إلى لياليها, فهي الأملُ في حاضره الضبابي وعنوانٌ للزمان, رغم ما ترافقه مع ذكرياتِ الحربِ والقتلِ بالمجان, وما بين النظرةِ التي تترسخُ في مخيلةِ الأغلبِ عن محيطها, على الرغمِ من الإفصاحِ عن غير ذلك, فحينما تتفجرُ الرغبةُ فستُكسر محدداتُ العقلِ والاتزان, وما يتبعها من نحرٍ للعشقِ على مذبحِ الحياةِ كما يتصوره "شلش المرهون" وهو يجوب القرى الغجريةَ المنتشرةَ رغم البعدِ عن وحدته العسكرية, يبحث فيها عن الحريةِ والحب" هم يعيشون لأنفسهم, يعيشون ليومهم" في ذلك الحلمِ الذي ظل يلازمه في اليقظةِ وفي حضرةِ الغياب, وابتعاداً عن أقرانه الذين يقاتلون كما يدعي الأعلامُ عن وهمِ الحريةِ التي لم تتجاوز الأذهان, وإن غابت الأجسادُ عن هذا العالمِ, فلربما سيستمر ذلك التصورُ في العالمِ الأخر, حسب الاعتقاد, فيتساءل, كيف يمكن للفردِ أن يعيشَ في زمنٍ يعيدُ التاريخُ نفسه, فيما يحاول الآخرون إقناع أنفسهم بأنهم أحرار؟.
"بلابوش" ذلك العنوانُ الذي يُحيرُ الألباب, إذ يسأل والده عن معناه, فيجيبه" عندما يقلُ حياءُ الناس, وينتشرُ الخراب, وعندما يتناهى الناسُ بنكوصِ المبادئ والأخلاق, فذلك هو البلابوش" تصويرٌ دقيقٌ لحدثٍ وضع البلدَ في طريقِ المتاهات, طريقُ الأحلامِ المتسربلةِ بالسراب, كتحولِ البحارِ إلى صحاري, طريقُ اللاهوية, فللذكرياتِ حضورُ الإصرارِ في ملامحِ الطفولةِ الراسخةِ في الذاكرة, فتعيده إلى حربِ الثمانِ سنوات, بقلبٍ يتشظى على حافاتِ الغربة, فالموتُ يحيطُ بلا استثناءٍ في لحظةٍ يضمحلُ فيها لونُ الشمسِ بلا مقدمات, سوى تلك البقعةِ في بيوتاتِ قريةِ "جواهر" الغجرية التي ترزحُ تحت عبءِ الأيام, حيث كانت رائحةُ الترابِ المختلطَ بالمطرِ تذكره بجذوره, وفي بيوتاتِها المفتوحةُ الأبوابُ تعكس مدى السعادةِ التي تُخيّمُ على الأرواح, تلك التي تشعُ فيها الأحلام, بعالمٍ منزوعٌ من كلِّ أنواعِ التعقيدِ والهموم, "جواهر" التي علمته بأنَّ الحرية أمانٌ للحياةِ كلها, فهي لا تعني قبضةُ القيودِ بيد الغير, بل أن تكون في رحلةِ البحثِ عنها إلى الأبدِ حتى الكفن, هي تعايشٌ وليست فروض, وهي القوةُ وإن كانت بلا جسد, فهي ليست مكانا, بل هي شعورٌ يمكن أن يكون مع كلِّ خطوةٍ إن اخترنا أن نعيشها, فإن فُرضت فذلك يعني العبوديةُ المحض, وكأنها تشعره بأنه هنا الآن خارجُ سيطرةِ الموت, تشعره بالضياعِ من دون تربصُ العيونُ الذي لن يجده إلى أن يكون الموتُ سبيلا, تشعره بالوجود, باللامسوؤلية, وتفهمه بأنَّ المسؤولية ذاتها هي أولى حلقاتِ الالتزامِ الحياتي وبالتالي توصله إلى العبوديةِ ولو بعد حين.
ففي هذه البقعةِ المسالمةِ التي لا تهاب الحرية, أنت فيها لنفسك خارجُ نطاقِ الزمن, يمكنك اختيارَ الضياعِ في غمرةِ خيالِ مسافرٍ بلا حدود, يلفظ عمقَ التراكماتِ من أوجاعٍ صارخةٍ على أسوارها قبل أن يدخلَ ويقبلَ الترويض, فهذا يعني لا وجودَ للقيودِ حتى مع خيوطِ أفكاره المشتتة, فإن اختارَ الوجودَ الذي ترغبه النفس بعيدا عن محدداتها, فلابد أن لا يخامره إحساسٌ بالضعفِ والوهنِ على خريطةِ الوجودِ الإنساني, رغم إدراكه أنَّ ذلك الوجودَ ربما سيكون في يومٍ ما على طريقِ الاحتضار, وعلى مرأى ومسمع من وضعَ تلك القوانينَ التي أخذت توسع دائرةَ التقييدِ لذلك الوجود.
لا يريد أن يشعرَ بأنه يسير على طريقِ النهايةِ وهو في وسطِ الطريق, ولا أن يجفَ انتظاره على الواحِ الأمل, أحداثٌ تتوالى, وثوابتٌ تتغير, وأصبح لمن لا وجود لهم وجود, والقيودُ تضيقُ تحاولُ قتلَ الحريةِ التي ينادون فيها جهارا, وما خفي فيبقى ما بين أوساطِ أصحابِ القرار" أفكارٌ يا ابنتي, اليومُ فاصلٌ بين الأمسِ والغد, لن يكون هنالك تشابه على الإطلاق" فالحياةُ توالي للعتبات, والشعورُ بالوهنِ يتضاعف, فتمرُ بها وإلى أن تصلَ العتبةَ الأخيرة.
منولوجٌ داخليٌ لكلِّ شخصياتِ الرواية, كلٌّ على حدة, كأنما الأفكارُ الجديدةُ قضت على النسيجِ الاجتماعي, أو قضت على إمكانيةِ الإفصاحِ بعد حالةِ التشرذم, وكأن الأحداثَ تعني بأنَّ من جاءَ من أجلِ بثِ روحِ الحريةِ كمم الأفواه, وربما وجد قسم من حديثِ النفسِ قبولاً وليس حلاً كما في "سامي" و"شلش" وأخرى بقيت رهينةَ الأيامِ وقد تموت تلك الأسرارُ مع صاحبِها كما في ابنته " أفكار"
استعاد "شلش" ذكرياته عن أيامِ طفولته, عندما كانت الأحلامُ بسيطة, وكانت القلوبُ خاليةً من الأعباء, لكن تلك الأيامَ بدت تتبدد كضبابِ أمام شمسِ التغيير الغريبة, كلُّ هذه الذكرياتُ تواردت إلى ذهنه وهو في طريقِ العودةِ من المعتقل, ومع حضورِ ذلك الألمِ الدامي مما حصل له خلف الأبوابِ المؤصدة, كان لديه الشكُ ببعض ممارساتِ ذوي القربى, إلا أنه لم يكن ليعتقد لأن تصل بمثابةِ الخنجرِ الذي طعنه في ظهره, او كرصاصاتِ الغدر وهي تخترقُ خوالجه, فيدوي أزيزُ الألمِ في جوفِ صدره, كلماتٌ تذكرُ الدوافعَ الحقيقيةَ التي تختبئ وراءَ ستارِ الكذبِ المحض, حيث انقلب كلُّ من كان يخشاه على أعقابِهم, وكأنهم لم يكونوا يوما جزءا من رحلته" لكن ينتظركَ أمرٌ آخر تقوم به لتبقى رؤوسنا مرفوعةٌ" هكذا يقول أخوه سليمان, غدرٌ جعلَ الأملَ في هذا الارتباط مجردُ وهم, ليجد نفسه وحيدا في ساحةِ معركةِ الحياة, بينما تتعالى أصواتُهم بالتنديدِ واللومِ لما فعلته حسب ادعائهم ابنته" أفكار" ليتجرع هو مرارةَ أخرى بعدما فقدَ قبلها تلك الكرامةَ بألمٍ داخلي لا يمكن الإفصاحُ عنه, فالروحُ أرخصُ من أن تهدر, وكذلك خيانةُ الثقةِ بعدما أداروا له ظهورَهم سعيا وراء المصالح, وأصبح الواقعُ مجردَ شظايا تشتت الأحلام, ليعيش غربةً مزدوجة, غربةُ الوطنِ وغربةُ من ذويه.
ومع ذلك, ففي خضمِ هذا الألم, يكتشف "شلش" أنَّ الحريةَ ليست مجردَ فكرة, بل هي رحلةٌ طويلةٌ تتطلب الشجاعةَ والمواجهة, حتى وأن أطلقَ ساقيه للريحِ متوجهاً إلى المجهول, ففي تلك اللحظاتِ يبدأ التفكيرُ في كيفيةِ الخلاص, هروباً من الغدرِ وفقد شرف الاعتزاز, ذلك الكابوسُ اللعينُ الذي لا يزال ينوخُ على صدره, فلابد من الهجرةِ خارج أرضِ الوطن, وإن كانت لوعتها أكبر, إلا أنَّ الخلاصَ وعدمَ رؤيةِ من يذكّره بذلك الفقدِ وتدنيس شرفُ ابنته "أفكار" قد يكون السببُ الذي يدفعه أكثر.
في تلك اللحظاتِ التي يلتقي فيها "شلش" ب "جواهر" يدرك أنَّها تمثلُ المكان الذي يبتعد فيه عن القيودِ والواقعِ وظلمِ الأقارب, كأنها بدأت تشعره بنقطةِ انطلاقه نحو عالمٍ رُسِمَ في مخيلته منذ سنين, ويشعر فيه وبه بالعيشِ وفقاً لخياراته الخاصة, لذا وكأنها أصبحت في نظرهِ أكثر من إنسان, بل بدت تلعب دوراً محورياً في تحرره, كما بدأ يظن, إذ يرى كأنها عقدٌ من اللؤلؤِ المكنوزِ في أعماقِ البحر, لا يراها إلا من تحدى الصعابَ وغاصَ في الأعماق, مع أنَّه لا يزال ما بين اليقينِ والشك, لتقول له" اتركها عندي وستكون بمأمن, وبخير" ففي حالةِ اليقينِ ستصبح حتما فرصةٌ لإعادةِ تعريف الهوية, إذ يجد نفسه عندها بلا رقيب, لذا بدأ يدركُ أنه قد يجد في هذه العلاقةِ غير التقليديةِ ملاذا, أو موقفاً كبيراً يصدر من" جواهر" إذ كان يتطلبُ منها حساباً دقيقاً لكلِّ خطوة, كي تحصل على جوازِ سفرٍ ل" أفكار" مع أنه يحمل في قلبه ذلك الانكسارَ من تراكمِ الأحداث, فلقد كانت أمواجُ الذكرياتِ تتلاطم في عقله, فهل سيجد يوماً طريقه نحو هدفه الاسمى؟ أم ستظلُ أحلامهُ عالقةً في دوامةٍ لا تنتهي؟ ليجد تلك الغجريةَ التي لا تحملُ في دواخلِها جزءاً من ركائزِ الانتماءِ إلى الوطنِ كما يظنُ الأغلب, ذلك القيدُ المتينُ في رقابِ من توهمَ بأنَّ الانتماءَ عطاءٌ فحسب" لقد كَفَلتُكَ" ليجد" جواهر" قد منحته بكلِّ اقتدارٍ حريةَ الانعتاقِ في وسطِ ظلماتِ اليأس, وربما سيكون هذا الانعتاقُ بدايةً لحلحلةِ صراعٍه الداخلي نحو تحقيق الذات, ليهمس لها" أشعر أنني الآن أكثر جرأة".
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟