داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 02:19
المحور:
الادب والفن
بين اطمئنانٍ تسرّبَ حتى صار حلماً، وغربةٍ تزحفُ لتصير واقعاً مرّا، تمتد مسافاتٌ موحشةٌ في زمن تبدلت فيه المعايير واختلطت فيه الثوابت، وتبعثرت مفردات الأمان. ليالٍ ثقيلةٍ يتناسل فيها الألم بلا توقف كما الظلال في عتمة لا فجر لها، وتغيب الرغبةُ في البقاءِ تحت وطأة قرارات لا تشبه هوى النفس. أي ليلٌ هذا، كوابيسه أطول من ظلاله؟ حتى دجلة، التي هي أمّ الحياة، صارت وحشا كاسرا تفترس أبناءها، ففي العتمة التي تتسلل إلى الأرواح، تُذبح الرغبة في البقاء على مذابح قرارات وُلدت من رحم الحجر لا من قلوب البشر.
ليال لا تحصى، تتكسر كالأحلام حين ترتطم بجدران الصمت، لا تسكنها إلا أنفاسُ الجوع، ورائحة الخبز الغائب، ومواقد مطفأة على ضفاف نهر دجلة الحزين، وقلوب ترتجف من هواجس تنخر اعماقها، تتساقطُ الأحلامُ على قارعةِ الفجر، كأنها لم تولد أصلا، كقلبٍ لم يعد يتحمل، فقرار النزوح يعني اقتلاع الكينونة من جذورها، وتتشظى الأصوات بين نداءِ النجاةِ وصدى ندم مؤجل، والجفون لا تغفو على أملٍ معلقٍ، وخوف قد يداهم في أية لحظة، والقلوب تئن، وطن سيغادر أرواحهم مع كل خطوة نحو اللاعودة، والزمن قرر أن يتنكر لأهله، وسيحاول أن يطرد الحرف من أرض الحلم إلى منافي النسيان.
على أعتاب بوابة تابيرا مدخل قلعة آشور، المشرعة كجرح مفتوح، على ذاكرة تئن منذ قرون، التي تمثل ذاكرة حضارية تضرب بجذورها عميقا في تربةِ الهوية، فبوابتُها لا تفتح إلا على حكاياتِ الهاربين من قدر لا يرحم، وعلى ضفافِ نهر دجلة الخالد، تتشكل الحكايات بلا عدد، فالوجوه بلا ظل، والقناديل خرساء لا تجيد سوى الحداد، والصمت يشهر وثائقه على الألسن، وهي تحاول أن تنزع عن الصدور حملها الثقيل، فتستتر الفضيلة، ويخفي خلفها بركاناً لا يهدأ، ويظهر المللُ في المشاعر الساخطة في لحظة فقدان التوازن بين العقل والقلب، فلا قانون يوقف التوحش، وضربات الفؤوس تقتلع الجذور من عمق التاريخ، كأن الماضي يصلبُ من جديد، لتقف على أطلالهِ مبتسمة تهمس ساخرة: كيف يكون الانتماء إلى تربةٍ لم تعد تحتوي ساكنيها؟ فالقلبُ يمزقه تناقض قاس، مصلوب بين حب للأرض، وخوف يركض به إلى هاويةِ الغياب.
الأيامُ تمضي كالأشباح، والخوفُ يشلُ حتى الصدى، وصوت أغاني الحصاد والعتابة والزهيري لم يعد يعرف ذلك الصدى، ما يوجع أكثر هو ذاك الأمل المفرط، الذي يغرق الحالم في ظلاله. إنها الطاعةُ العمياءُ، قيد وضع على الأعناق كي لا تتوقف الأنفاس، لكنهم لم يعد يتمكنون من مواصلة العذاب، واخفاء الكلمة في جحيم الدواخل. كلُّ الأشياءِ أصبحت بلا قيمة، والرجال هياكل تسير بلا ظل، بلا حلم، والكوابيس تتوالى، ليكون قرار الرحيل، في لحظات مفصلية يغدو القرار ليس مجرد حركة مكانية، بل مواجهة قسرية مع الهوية والانتماء، ومرآة لصراع داخلي وخارجي، حيث تتماهى الذات مع وجع الوطن، وتتداخل الجغرافيا مع الذاكرة، فتمضي الجموعُ متأبطةً خوفها، كطفل يضم بقايا لعبته كأنها وطنه الصغير، عليها أن تعبر الصحراء القاحلة في الليالي الحالكة، في خطوات سرية أبعد من الظنون، وحفيف الأقدام الحافية يتصاعد، فيفضح سرَّ الهاربين، وكأن أصوات تتداخل تصرخ للتوقف، أو من ذلك النهر الذي أصبح وحش كاسر، فتضيق الحروف، وتختنق بها الأنفاس، فلا شيء يسكنها سوى الآهات.
ففي الشعر بدأ العراق خريطة بشرية، مقطعة الأوصال بالحواجز، والخوف يلقن الرجفة للشفاه، فيختلط العزاء بالرعب، فلا أمان في الوطن، ولا دفء في الغربة، بل معادلة عبثية، لا بحر من الخلف للنجاة، ولا عدوٌ أمامهم للقتال، بل المجهول هو سيد المشهد. لكن هو بكاء الروح في هوى آشور، حيث تتناسل الذكريات من رحم النسيان، لعب الصغار وصخب الكبار، وعلى ندى دجلة في كل فجر، تروى حكايات الأجداد كما لو أنهم ما زالوا يحتفظون بأصواتهم، وربما ستذرف دموعا على وجوه الغرباء، فذاكرته لن تنسى وإن تجبّر الواقع وتشدد في طمسها، وعلى الصحراء، في ربيعها المتأخر، حيث تثقل الليالي كاهل الزمن، وأوراق الهوية تتساقط كأغصان يابسة في عاصفة، والأنفاس تختنق بغبار محيط المخيم، غابة من الخيام البالية تشبه شواهد القبور، ولا ظل فيها إلا الضياع، ورياح تئن بين أجنحتها، حاملة عويل أطفال لم يعرفوا عن بيوتهم سوى أنها صارت ركاما، أو في غربة الأحياء.
تحول النثر إلى صدى باهت، في دهاليز صمت خانق، كأن الحروفَ تسير معصوبة العينين، تتلمس المعنى ولا تدركه، وصمت يقيد ذلك المعنى بأغلال من حروف ميتة، تقيد الأصوات في رحم الصمت، وتقرأها الألسن كمراثي مبكرة، يلهث خلف حرية كأنها سراب، تخدع ببريقها ثم تغيب، يشق طريقه عبر سهول المعاناة، والشوق يمزق سكون الغربة في آشور، فتستغيث الهوية في صمت، بعدما نفد المال والجاه، ولم يبقَ سوى صدى الاسم. وفي ظلمة الليل تتدفق الحكايات كأشباحٍ تنبعث من رماد الذاكرة، من سرجون الأكدي وعشتار، إلى حكاياتِ العجائز والشيوخ، كلها تصعد من وجع الأرض نفسها، فالموت كان قدرا محتوما على جبين أهلها منذ القدم. هناك، حيث النهر يسرد صمته، ودرب "الملايات" يحفظ الخطوات، و"الموح"، والرمال التي تلتهب صيفا، واليوم صار البؤس ملامح محفورة في الوجوه.
الأيام تمر كدهور تنهك الأرواح بثقلها، والموت يترصدها في كلِّ الطرقات، والقصة تشبه خياما تركت في مهب الريح، لا تثبت على حال ولا تمتلك وجهة، لا قرار لها ولا اتجاه، ليلها طويل لا يوعد بصباح، ونهارها هش لا ينتظر مغيبا، وكأن الزمن تعرى من الأمان، وصارت الروايةُ أشبه بشهقة مكتومة تختنق تحت ركام الذكريات، ففي لحظات الانحسار وتراكم التحديات، يتجسد الشعور بالوحدة والتفكك كصورة شجرة منزوعة الأوراق، تقف في مهب الريح، وكأن الحروبَ لم تخلف سوى أنقاض إنسانٍ يتنفس بين الركام، ممزقا بين كرامة تتشبث ببقاياها، واستسلام تفرضه قسوة الواقع، فشخصياتها تهمس تحت رماد الليل، تبحث عن وطن يتوارى في غبار العدم، تذر أسئلتها في تربة الغياب، دون أن تنتظر إجابات، ففصولها خيوط مشدودة في قميص الحداد، لا لون فيها سوى نحيب الزمن.
رغم ما يحمله النازحون من أوجاع، يحاولون عبثا دفن الأهم تحت رماد التفاصيل اليومية، إذ كانوا يظنون أن النزوح رحلة عودة قريبة، لكن تلك العودة صارت أسطورة يهمس بها الهائمون في ليل التيه، فحين ينتزع الإنسان من أرضه، لا تتهاوى الأشياء وحدها، بل ينهار المعنى ذاته، فالإنسان دون أرض تنجبه، وحكاية يتطهر بها، يفقد مكانه في العالم، وتنقطع صلته بما حوله، وتغدو اللغة ملجأ مهددا بالانهيار، والهوية متأرجحة، ففي حضرة هذا التلاشي، لا تملك الكتابة سوى أن تصرخ للامساك بالذات قبل أن تذوب في العدم.
ومع كل هذا، تظل الكلمات- شعرا ونثرا، قصة ورواية- بلسما خفيا يربت على أعماق الروح، فتصبح الحروفُ أوطاناً بديلة، وكل جملة هي محاولة لإصلاح ما كسرته الجغرافيا، وبين كل سطر وآخر تنهض صورة، وتستغيث هوية، كل سطر يحمل روح هاربة، والحرف يئن كلما كُتب، وفي قلب الحكايات، يقف الزمنُ شاهدا على انكسار الخطى وتبعثر الأحلام، حكاياتٌ هي لا تكتب بالحبر فقط، بل بأنينِ الفقدِ وصمتِ الألمِ العالقِ في الحناجر، إنها لا تستجدي العطف، بل ترصد ملامح الهوية الممزقة، هوية الإنسان الذي يُجبر على مغادرة الجغرافيا والتاريخ معا، فيشعلون قنديلا واحدا كل ليلة، ليس ليضيء الخيمة، بل لترى آشور من بعيد أن الحياةَ لا تزال تنبض فيهم.
حينها يتنازع العقل والقلب كخصمين في ساحة التيه، لا غالب فيها سوى الحيرة، فمن يكون حين ينزع من أرضه التي رعت ذاكرته؟ ومن يكون حين يفرض عليه نسيان تاريخه؟
في قلب محيط خانق، حين ينفصل الحلم قسرا، وترتطم الروح بجدار الزمن، تتشقق الصور وتتولد الكلمات من رحم المعاناة، وكأن وجوههم خرائط ضياع تُرسم من جديد على خطوط الألم، تحمل عبء التذكر، ثم عبء البقاء، حتى عبء الحياة نفسها، تُكتب كي لا تموت، كي تبقى حية في زمن تمحى الأسماء والأثر، وإن جرحت، فهي بلسم، وإن نزفت، فهي شهادة، فالكلمة النازحة تبحث عن مأوى بعدما لفظتها القواميس، وضاع معناها بين المنافي، فهل يعود النازح يوما إلى وطنه؟ أم أن الوطن يصبح مجرد ذكرى تتداولها الألسن؟.
حين يجبر الإنسان على مغادرة الأرض التي كتب عليها أولى حكاياته، يصطخب الصوتان في داخله، صوت الأرض التي نشأ عليها، وصوت الغربة الذي يراوده، لكن لا صوت يعلو فوق صوت الحنين في خرائب الذاكرة، وتصبح اللغة ملاذه الأخير، وتصير الجملة المكبوتة امتدادا لكرامته، وصرخة دفنت تحت ركام الإنكار لكنها ما تزال تُسمع، في واقع يمزق الهويات ويقيم الحواجز. فاللغة لم تكن شاهدة على الضياع فقط، بل على صراع الكينونة ذاتها، وعلى مقاومة التلاشي، كأنها نشيج متصل يتلو مراثي الغياب، فيتحول إلى سلاحٍ في وجه الغربة، أو كأنها تحفر بأظافرها في ذاكرة الأرض.
ما يكتبه النازحون ليس مجرد حروف على ورق، بل دم ينزف من جروح لم تندمل، هي وثيقة وجودية، تثبت أن أدب النزوح ليس رواية للمعاناة فحسب، بل فعل مقاومة بالكلمة، وسعي لإعادة تشكيل العالم بعد أن تهدمت اركانه، إنه أدب خط بالوجع، لكنه أيضا كُتب بالأمل، ذلك الأمل العنيد الذي يرفض أن تموت الذاكرة، فحتى إن رحلت الأجساد، تبقى الكلمات شموعا لا تنطفئ، تحمل وعد العودة في قلب كل غربة.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟