داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8697 - 2026 / 5 / 4 - 12:01
المحور:
الادب والفن
تنتفضُ الروحُ على أعتابِ خيماتِ الحزن، تحاولُ أن تكسرَ صمتَ الليل، لكنَّ هاجسَ الظلمةِ يتمددُ في أرجائها كطوفانٍ يبتلعُ كلَّ شيء، يغمرُ كلَّ زاوية، ويقيدُ نبضَها المرتجف، ثمةُ صراعٌ داخلي يعتملُ في الأعماق، حيث تفرُّ الروحُ من مجهولٍ يتربصُ بها، تحاولُ أن تهتدي إلى مرفأ آمنٍ في دهاليزِ الذات، فتضيعُ في المتاهة، ويخرجُ القلبُ بلا هدى، يبحثُ في دروبِ اللغةِ عن كلماتٍ تنيرُ له الدرب، عن حرفٍ يطفئ نارَ الوجد، عن بزوغِ فجرٍ يبددُ عتمةَ التيه، كأنَّها ولادةٌ جديدةٌ بعد عناءٍ وانتظارٍ طويل.
هناك، حيث تتشكلُ الطينةُ الأولىُ من جديد، تنسابُ الروحُ في سكينةٍ مستحقة، كأنَّها تلتحفُ النورَ بعد أزمانٍ من الجمودِ والعطش، هو ذاتُ الصراعُ الأزلي بين الألمِ الروحي والتوقِ للخلاص، بين الانغلاق في سديمٍ لا مرئي والانعتاقِ نحو فضاءاتٍ أكثرَ إشراقا، حيث يتحولُ العطشُ الداخليُّ إلى فيضٍ من النقاء، ولم يعد الجسدُ سوى قيدٍ ثقيلٍ أخذ يتلاشى أمامَ السمو الروحي.
في لحظةِ تجلٍّ خاطفة، يكشفُ العشقُ عن وجههِ الآخر، ذاك الوجهُ الذي تحجبه الأعينُ وتراه القلوب، فالعينُ تهوى ما يجذبها، والعقلُ يعشقُ ما يفهمه، أما القلبُ فينبضُ لمن يلامسه، لكنَّ الروحَ وحدهَا تهوى من يشبهها، فالعشقُ ليس مجردَ انجذاب، بل هو انعكاسٌ للذاتِ في مرآةِ الآخر، فالذين يتحدثون عن الحبِ أو العشقِ كثيراً، هم غالباً من يفتقدونه، وكما قال أنيس منصور:
" إنَّ الشمسَ التي هي مصدرٌ للحياةِ كلها، ليست فيها حياة"
ومن هنا تنبعثُ قواعدُ العشقِ في أعمقِ تجلياتها، لا كعاطفةٍ عابرة، بل كإشراقٍ روحي يعيدُ ترتيب الفوضى الداخلية، كما يفعلُ البرقُ حين ينيرُ سماءً موحشةً في لحظةِ وعيٍّ خاطفة.
إنَّها لحظةُ العبورِ بين الواقعِ والخيال، بين الادراكِ الحسيِّ والتجلي الروحي، حيث تبدأ الذاتُ في رحلةِ بحثها الدائمِ عن النور، تماماً كما يسعى التائهُ نحو الهدى، ففي نهايةِ المطافِ يدركُ العاشقُ أنَّ الحبَ في جوهرهِ الأعمق، ليس إلا الجسرُ الذي يقوده إلى العشقِ الإلهي، حيث تنصهرُ الذاتُ في نورٍ لا ينطفئ، وتكتملُ الرحلةُ بمعرفةٍ لا تحتاجُ إلى دليل.
وفي هذا المسارِ الصوفي، يظهرُ العشقُ لا كمجردِ تجربةٍ فردية، بل كعمليةِ ارتقاء، حيث تتلاشى الفواصلُ بين العاشقِ والمعشوق، ويتحولُ العشقُ إلى وسيلةٍ لاكتشافِ الجوهرِ الحقيقي للذات، هنا، يصبحُ البحثُ عن النورِ انعكاساً للبحثِ عن المعنى، ويكونُ العشقُ طريقاً لاكتشافِ حقيقةِ الذات، وليس فقط للخروجِ من الألمِ الروحي.
يظهرُ الشاعرُ السويديُ في القصيدةِ وكأنَّها التفاتةٌ تربويةٌ توجيهيةٌ للصغيرةِ " شمس" ، إذ تقرأ منذ نعومةِ اظفارِها عن اسفارِ الخالدين، الذين سطّروا أروعَ الإنجازاتِ الروحيةِ وتجاوزوا ملذاتِ الحياة، الذين صبروا واجتهدوا في تحقيقِ تلك الغاية، وتجاوزُ حدودِ الذاتِ إلى آفاقٍ أسمي، كأنَّها تشيرُ إلى ضرورةِ التعلمِ والنمو الفكري منذ الصغر، خاصةً بالقضايا العقائديةِ والتي تُظهر الحاجةَ الروحيةَ إليها أكثر من الحاجةِ المعرفية، مما ينعكسُ على عدمِ الزحزحةِ والثباتِ في ظلِّ تقلباتِ الحياة.
تبدو القصيدةُ وكأنّها تنطلقُ من" جلال الدين الرومي"، الباحثُ عن الفيضِ الذي سيرشده إلى الطريقِ القويم، ويكشفُ له السبيل، هو ساكنٌ في ذاته، كطائرٍ هامدُ الجناحين، في داخلهِ لواعجٌ وألمٌ يتمنى أن ينقضُّ عليهما ليحلقَ بعيداً عن طوفانِ الأيامِ الذي لا يرحم، يفتشُ عن صوتِ النجاةِ في كلِّ مكان، في الروابي، في الجبال، في أرواحِ البؤساءِ الذين يعانون، فالليلُ طويلٌ لا ينجلي، وناقوسُ الشكِ يدقُ في رأسه، في صمتِ وحدته التي تقيده، قلبهُ هائمٌ، غير مرئي، ضائعٌ بين الأسئلةِ والأسرارِ التي بدأت تظهر، فهو يجاهدُ لفتحِ طلاسمٍ روحيةٍ تكشفُ له الحقيقةَ المفقودة، ومع كلِّ لحظةٍ يمر بها، يبدأ في انتظارِ النورِ الذي سيحرره من عزلته، منتظراً "شمس الدين التبريزي" حينها سيبرد قلبُه ويغسلُ روحه من هذا الجفاءِ الروحي، فالقراءةُ هنا ليست مجردَ اكتسابٍ للمعرفة، بل هي لقاءٌ أول مع العشق، ذلك العشقُ الذي يتسلل إلى الروحِ بصمت، ليعيدَ ترتيبَ الفوضى الداخلية ويمنحُ الذاتَ بعداً جديداً من الفهمِ والوجود.
" بروايةٍ صوفيةٍ قرأت شمسُ الصغيرةُ
طفلةُ الأُفقِ
ليلاً.. وكان البابُ منتظراً شخصاً
ليرشده إلى الطرقِ"
وفي هذا السياق، تتجسدُ الهويةُ كعمليةٍ تشكّلٍ ذاتيٍّ عبر العشقِ والمعرفة، فلا يكون العشقُ مجردَ تجربةٍ وجدانية، بل مدخلاً لإعادةِ تعريفِ الذات، هذا ما يظهر جلياً في تجربةِ "جلال الدين الرومي"، الذي لم يكنْ يبحثُ عن الحبِ كغايةٍ في ذاته، بل كان يسعى إلى هويةٍ تتجاوزُ المحدود، إلى وجودٍ يتخطى ذاته الأولى ليجدَ حقيقته في الآخر، فكان "شمس الدين التبريزي" بالنسبةِ له ليس مجردَ مرشدا، بل انعكاساً لهويةٍ كان "الرومي" يفتقدها، ومن هنا، يصبحُ العشقُ ليس مجردَ إحساس، بل مرآةً تنعكسُ فيها أعمق الأسئلةِ الوجوديةِ حول من نكون والى أين نسير.
تدورُ أحداثُ الروايةِ حول المشي تحت وميضِ البرق الذي يكشفُ الطريقَ للحظة، متّبِعاً أثر " شمس الدين التبريزي" المبارك، والحلمَ الذي يسكن روحه، إذ تبدأ القصةُ بانتقالِ الضوءِ من "شمس" إلى "جلال"، ليكون هذا الانتقالُ رمزاً للانتقالِ الروحي من المعلمِ إلى التلميذ، كان "الروميُّ" دائماً يبحثُ عن أثرِ الحقيقةِ في هذا العالم، ويعكسُ جوهرَ الرحلةِ الصوفيةِ المستمرةِ نحو التحققِ الروحي، فالعاشقُ الحق، هو الذي يلتزم بهذا المسار، يمرُّ بتجربةٍ عظيمة، ينتقلُ من حالةِ الاضطرابِ الروحي إلى السكينة، ومن التشتتِ إلى التواصلِ العميقِ بالله، لذلك، تتجسدُ أهميةُ البحثِ عن الحقيقةِ من خلالِ الإلهامِ الصوفي الذي يفتحُ أبوابَ المعرفةِ الروحيةِ لكلِّ من يسعى إليها بقلبٍ صادقٍ وعقلٍ مستنير، فالبحثُ عن الحقيقةِ في هذا السياقِ ليس مجردَ مسعاً عقلي، بل هو رحلةً روحيةً يتخطى فيها العاشقُ جميعَ حدودِ العالمِ الماديِّ ليحققَ الاتصالَ المباشرَ مع الذاتِ الإلهية.
يقول" شمس الدين التبريزي":
" الوقتُ مجردُ وهمٍ، ما تحتاجه هو أن تعيشَ هذهِ اللحظة بالذات، هذا هو كل ما يهم"
" فالصوفي" سُمي " ابن الوقت" لأنه لا يأسفُ على الفائتِ ولا ينتظرُ الواردِ, وربما لأنه في حالةِ الفناءِ يعيشُ خارجَ إطارِ الزمنِ، وأدرك في لحظةِ تجلي أن الفرقَ بين الماضي والحاضرِ والمستقبلِ مجرد وهم، وقد أجمع أهمُ الحكماءِ والفلاسفةِ أنَّ الوقتَ مجرد" وهم" وأننا نعيشُ في سلسلةٍ من لحظاتٍ آنيةٍ، وكلُّ ما نشهده هو دوامةً من المعلوماتِ تحدثُ في أذهاننا، فالفضاءُ والوقتُ مجرد أدوات يستخدمها العقلُ البشري للبقاءِ.
في هذا الصدد، يقول الفيزيائي الإيطالي" كارلو روفيلي" في كتابه" نظامُ الزمنِ":
" نعتقدُ خطأً أنَّ الوقتَ شيءٌ جوهري، بينما الفيزياء تخبرنا أنه لا يوجدُ شيء يسمى الماضي أو المستقبل، فالوقتُ والحركةُ مجرد وهم"
الماضي والمستقبلُ هما اختراع إنساني صرف، على المستوى المجهري الكونتي الدقيق، فلا يمكنُ التمييزَ بين الماضي والمستقبل.
"وتدورُ أحداثُ الروايةِ
حولَ المشي تحت إضاءةِ البرقِ
عن شمسِ تبريزَ المباركِ
والحلمِ الذي في روحهِ أُلقي"
كما نرى في الأبياتِ التي تعكسُ العلاقةَ العميقةَ بين" الرومي" و" التبريزي" حيث يتم الكشفَ بينهما عن مكاشفةٍ روحيةٍ كبرى، حالةٌ من النشوةِ العرفانيةِ التي تصعبُ على الكلماتِ تفسيرها، وفي هذا الإطار، يصّورُ" شمس الدين التبريزي" باعتبارهِ تلك الأيقونةِ التي تمثل الصوتَ الإلهي الذي يمرُّ من خلاله النورُ إلى الكون، ليبثَ في كلِّ قلبٍ شوقاً للسيرِ في طريقِ المعرفةِ الروحية.
" يلقى جلالَ الدينِ
بينَ تلاميذٍ له في حالةِ الشوقِ"
هنالك فهمٌ عميقٌ بين "شمس" و"جلال"، فالمكاشفةُ توحي إلى ذلك التفاهمِ الروحي أو الفكري، حيث ينكشفُ كلُّ شيءٍ مستتر، ليذهبا إلى الحمايةِ الذاتيةِ أو محاولةِ تجاوزِ شيءٍ لا يتمكنا من كشفه بشكلٍّ كامل، أمَّا "شمس الدين التبريزي" فلقد كانت غايته في ذلك الاكتمالِ مع الله، في تلك الوحدةِ الروحيةِ العليا، والوصولِ إلى الحقيقةِ المطلقة، فالروحُ تنادي على توأمها، وذلك الإلهامُ أو النورُ الذي ينبعثُ من "شمس"، بدأ يؤثرُ في الخلقِ، فهو يمثلُ الهدايةَ والوعيَّ الذي يشارك مع الآخرين.
"فتدورُ بينهما مكاشفةٌ كبرى
ويحتجبان بالخرقِ
شمسُ انتهى في اللهِ أغنيةٌ
ليمرَّ منه الضوءُ للخلقِ"
هذه المكاشفةُ الكبرىُ بين "الرومي والتبريزي" تبرزُ العلاقةَ بين المعلمِ والتلميذِ كحالةٍ من التفاعلِ الروحي الذي لا ينتهي، فتحتدمُ الأشواق، وتنضجُ مع الغياب، بل يظلُّ يعبرُ من خلالِهما النورُ الإلهي إلى العالم، ومن خلال هذا الضوء، يتحققُ الكشفُ الداخليُّ الذي ينقلب فيه العاشقُ إلى نورٍ ينبضُ في كلِّ شيء، إذ تصبحُ الروحُ في حالةِ اتحادٍ لا يعترفُ بالحدودِ الزمانيةِ أو المكانيةِ، بحيث تصبحُ اللحظاتُ التي تقضيها في انتظارِ المحبوبِ غير مدرجةٍ في حساباتِ التوقيتِ المعتادة، فلا تقاسُ تلك اللحظاتُ إلا بمدى قربها من الحقيقةِ الروحية.
فإذا كان العشقُ في النصِ يمثلُ حالةَ تحولٍ روحي، فإنَّ الهويةَ تمثلُ نقطةَ انطلاقٍ وغاية، حيث يتحول السؤالُ: منْ نحب؟ وإلى من نصبح عبر هذا العشق؟ وهكذا، لا يصبحُ العشقُ مجردَ تجربة، بل مرآةً للذاتِ في أشدِّ لحظاتِها صفاء، إذ لا تكتملُ الهويةُ إلا حين تجد صداها في عشقٍ يتجاوزُ الزمانَ والمكان، عشقٌ لا يُعرفُ بالعقلِ وحده، بل بالإحساسِ والامتلاءِ الوجودي، عشقٌ بالهروبِ من الأنا التي تعيشُ في ضيقِ المكانِ والزمانِ إلى الاتساعِ الروحي الذي يقربه من المحبوب، فالانسحابُ من تلك الأنا يساعد على الاقترابِ من الحق.
" وجلالُ سوفَ يظلُّ يبحث عن أثَرٍ لهِ
في عالمِ المحقِ"
في هذا البيت، نرى كيف أنَّ "جلال الدين الرومي" سيبقى يبحثُ عن أثرِ المعلمِ في ذاته، متأملاً في جوهرِ العشقِ الصوفي الذي يكشف له عن حقيقةِ الوجود، وتتوجُ الروايةُ بتأملاتِ" الصغيرة" التي تقرأ عن "شمس وجلال" عبر قواعدِ العشق، فتنتقلُ بذلك الوعيِّ السطحيِ إلى فهمٍ أعمق للعشقِ الروحي الذي يتجاوز الحدودَ البشريةَ ليصلَ إلى العشقِ الإلهي.
" أمَّا الصغيرةُ فهي تقرأُ عن شخصيهما
بقواعدِ العشقِ"
إنَّ هذه الأبياتِ تعكسُ البعدَ الروحيِ للعشق، حيث تشيرُ إلى العشق ليس فقط كعاطفةٍ إنسانية، بل كقوةٍ تتجاوزُ الحواسَ المادية، لتؤدي في النهايةِ إلى الاتصالِ مع الروحِ الإلهية، وبذلك يُكتشفُ أنَّ العشقَ في أبسطِ تجلياته ليس إلا سعياً مستمراً من أجلِ الوصولِ إلى الحقيقةِ الكونية، التي تتمثلُ في العشقِ الإلهي الذي لا نهاية له، وهكذا، نجدُ أنَّ العشقَ لا يُفهم بمعزلٍ عن الهوية، بل إنّه في صميمِ تشكيلها، فكما أنَّ "الرومي" لم يكن ليصبحَ ما هو عليه دون "التبريزي"، كذلك لا يمكن للذاتِ أن تكتملَ دون تجربةِ العشقِ في أسمى معانيها، فالعشقُ في هذا السياقِ ليس مجردَ تجربةً وجدانية، بل طريقاً نحو اكتشافِ جوهرِ الإنسانِ وحقيقتهِ الروحية، إنَّه رحلةٌ تتجاوزُ الزمانَ والمكان، حيث لا يكون العشقُ هدفاً نهائياً، بل وسيلةً للوصولِ إلى المطلق، حيث يذوبُ العاشقُ في المحبوب، ويصبحُ العشقُ هويةً وجوديةً تتجاوزُ الحدود.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟