أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: شبيهُ الروح














المزيد.....

قصة قصيرة: شبيهُ الروح


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8698 - 2026 / 5 / 5 - 02:40
المحور: الادب والفن
    


الوقتُ هو مرورُ قطارِ منتصفِ الليل، هذا هو موعدُ اللقاء، موعدُ محادثة طيفه حين تهجعُ النفوس، يمرُ بضجيجهِ الذي يصدعُ الرأسَ بعجلاته حينما تصطدمُ بفواصلِ السكةِ الحديدية، تجدُ في حركته كأنه يقارعُ الصعاب، ويلبي رحلته اليومية بكلِّ عنفوان، كانت مشاعرُها تتزاحمُ كتزاحمِ الضجيجِ في وسطِ ذلك السكون، من هذا الزائرِ الغريبِ الذي طرقَ أبوابَ قلبها البريء لأولِ مرة، وزادَ نبضاته، لا تعرفُ مكنوناته سوى قلبٍ ينبضُ حينما تراه يسارعُ الخطى تجاه بستانِهم المجاور لدارِ سكناهم، إذ بدأت بابتسامة بعد نظرةٍ من بعيد، كأنها ولدتْ للتو من رحمِ الغيمِ الذي يحملُ بين ذراته إكسير لحياةٍ جديدة.
- ما الذي حدث؟
تغازلُ روحه، تتمتم بكلماتٍ مرتعشة، تداعبُ ضفائرها بمشطٍ خشبي تظهر في المساحة الوسط صورة لشابةٍ مبتسمة، دون أن تنثالَ بين الخصلاتِ الذهبية، ترسمُ في مخيلتها ملامسة أنامله لنهايةِ ضفائرها، تتأملُ أناملَ يديها وقدميها، كأنها بدأتْ تتفاعل مع ما تتخيله، يداهمها الرعبُ فجأة حينما وجدت نفسها ترتاح لذكره، وتتهللُ سرائرها، لتعلنَ في دواخلها حبسَ ذلك الزائرِ بين ثنايا القلب، تتخيلُ كلَّ مزحةٍ أو كلامٍ عابرٍ هي المقصودة فيه.
عالمٌ غريبٌ معقدٌ لا تستطيعُ فك ألغازه، تحاولُ أن تعيدَ نفسها إلى شاطئ البداية، إلى بدايةِ نبضِ القلبِ خفية، ولا تعرفُ كذلك لمَ تنتابها موجة من الرغبةِ في البكاءِ حينما يمرُ القطارُ الليلي، أفكارٌ وهميةٌ، أحلامٌ تتلاشى لكنها أقرب إلى الحقيقة، تحاولُ أن لا تكونَ فريسةً لهذا الوهم، إلا أنها تشعر وكأنه ملازم لها.
أفزعها أزيزُ الرصاصِ الذي يخترقُ الآفاقَ بعدما كانت تغطُ في نومٍ عميق، ليحملها عنوة إلى عالمِ اليقظةِ المخيف، لا تعرفُ ما الذي يجري في باحةِ الحوش، وهذا الكمُ الهائلُ من الرصاص، فأخيها الوحيد سيتزوج.
- ألف مبارك.
- ومبارك لكِ أيضا.
- وما شأني؟
- ستكونين بديلة شغار.
دفنتْ وجهها في راحةِ كفيها, وأخذتْ تصرخُ ونارُ الحزنِ يزدادُ سعيراً بين خلجاتِ صدرها, تحاولُ أن تصدَ القهقهاتِ المتعالية, قهقهةُ التقاليد, أن تختزلَ مسافةَ الصوتِ بين اللسانِ والقلب, لتصرخَ صراخٌ أشبه ما يكون بالنحيب, أو نعي القلب وهو يستهل بواسق الصبا وبهجة الربيع, حينما يصافح وجهها الطفولي الناصع البياض.
- لا, لن اقبلَ بهذا.
ينتابها إحساسٌ بمزيجِ من العزلةِ وفقدانِ الأمل، فيه تجدُ نفسها عاريةٌ بلا إرادة وتضاعفتْ غشاوةُ تفكيرها، تغرقُ في بقايا دموعها التي شتّت تقاسيم ملامحها الجميلة، تتصورُ كيف ستكون رهناً لروحٍ لا تشبهها، تحاولُ أن تثور، إلا أنها تجدُ نفسها قد اختزل ذلك البوح وهربت حروفه متقافزة إلى جهاتٍ مجهولة، ونيرانُ الشكوى قد كمدت وهي سيدة الحكايات الرفيفة ، فيزيدُ من كبتْ أنفاسها الذي يخزها بإبر اليأس، يداهم ذاكرتها على وقعِ أغنية.
"تدري مرات الغياب, إيصير شامتْ وظلْ احسبْ, أظل احسب"
تلتقطُ بدماغها المتعب صوراً مشوهةً لحروفٍ باهتةٍ رسمتها تلك العزلةُ التي اختارتها هي لنفسها، لوقعِ خطواتٍ تبدو واثقةٌ لرجلٍ يطاردها حتى في الأحلامِ المليئةِ بجنونها، وهي تقاوم برضابِ الوفاء، تتمرآى بصوره التي تناشد قوافي الهيام به، إلا أنها تفزعُ على صوتٍ أجش، ينوي ملاحقة حروفها حتى في شتاتها، وعليها مخاطبة الصمت بلغةِ الخرسان، ومطاردةُ السراب، تتخيلُ نفسها جثةٌ مسجى على قارعةِ الطريق، والناسُ تترحمُ على روحها كضحيةِ عشقٍ فطري.
- آه من أحلامٍ وئدتْ منذ الولادة.
ترى أقدامها تسير, تتعثر, ثم تسابقُ المكان, تبحثُ عن ذلك القلبِ الذي اودعتْ روحها هنالك في شغافه, تحاول أن تنتزعَ نفسها من دوامةِ القلقِ التي حاصرتْ تفكيرها, عسى أن تجده لا زالَ ينبض, أن يتماسكَ ويتركَ تخبطُ الكلماتِ بصمته المخيف منذ شهور.
- يا ولدي, كيف حاله اليوم؟
تنظرُ عيناها إلى تقاطيع ولدها الجامدة، تعبيرٌ خالٍ من وجودِ أمل، لذا كساها الاصفرار، والقلبُ ينبضُ والصدرُ يضيق، ودموعٌ بصوتٍ خافتٍ أقرب إلى الاستسلام، لذا أيقنت بأن رحلتها في هذا العالمِ باهتة المعالم، رحلةٌ نحو حتفها، ستسقط قريبا، وللمرة الأخيرة في طريق اللاعودة.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأملات في قارئة قواعد العشق في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر ...
- قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ
- على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سو ...
- قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي
- أحلامِ الموتى وتيه الهوية بين المجدِ والخذلان: تأملات في قصي ...
- قصة قصيرة: بانتظار الرحيل
- بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة ...
- قصة قصيرة: فتاة القلعة
- مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في ...
- قصة قصيرة: الحصة الإضافية
- قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة
- تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف؛ رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف: رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- قصة قصيرة: عشتار
- بين الدفء والعري؛ تأملات في جدلية الكرامة في رواية المعطف لن ...
- قصة قصيرة: حدودُ الذئب
- بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروا ...
- قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء
- وداعاً أيها الفصلُ الأخير؛ تأملاتٌ بين حلمِ التقديرِ وواقعِ ...


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: شبيهُ الروح