داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 08:21
المحور:
الادب والفن
في لحظاتِ الغسقِ الأولى، تتشابكُ ألوانُ السماءِ بين رمادِ الذكرى ولهيبِ الأمل، وتتلألأ خيوطُ الشمسِ الأخيرة كأنها تحترقُ في أفقٍ بعيد، فتتناثرُ الذكرياتُ كأوراقِ الخريف، تطفو على صفحةِ الأيامِ كأحلامٍ أُرجئت، تنتظرُ ضوءاً قد لا يأتي، وتئنُّ كرياحٍ غريبةٍ في مهبِّ السماء، مؤكدةً أنَّ الأحلامَ تذبلُ ببطء، وأنَّ الجسرَ الرابطَ بينها وبين الحاضرِ يوشكُ على الانهيار، لم تكن هناك أجنحةٌ تكفي لعبورِ هذا الانهيارِ المفاجئ، فاجتاحتها العتمةُ كضبابٍ كثيفٍ يتسللُ بين مساحاتِ الروح، وتحتوي أحلامَها في صمت، كأنها تهدهدُها لتنامَ في حضنِ النسيان، وهكذا، إذا بتلك الهمسات، التي كانت مجردَ صدى خافت، سرعان ما تحولت إلى تساؤلاتٍ مريرةٍ مع نفسها: ما جدوى كلِّ هذا الانتظار؟ ما فائدةُ ضياعِ اللحظاتِ خلفَ أحلامٍ تائهةٍ لا تجدُ سبيلاً لتحقيقها؟ ثم يرتفع صوتها، المغلفُ بالحيرة، لتخاطبَ سيدَ الصمت: "ماذا تقول؟" فيأتيها صدى نيتشه من أعماقِ اللاوعي:
" إنَّ ما يرتكبه الأشرارُ من المآسي لا يوازي ضرره ما يرتكبه الأخيار، فإنَّ وطأتهم أشدُ قسوةً على العالم"
حينها، بدأ الارتباكُ ينهشُ هدوءها، وأخذت تتساءل: هل اختلط الحقُ بالباطل؟ أم أنَّ الحقيقةَ تُخفي وجهها خلف قناعٍ مخادع؟
في تلك اللحظة، تحاولُ الشاعرةُ انتزاعَ قلبها المثقلِ بالحنينِ والشوقِ نحو الأرضِ التي خطَت فيها أول خُطاها، وكأنَّ صدى هذه المشاعرِ يتجلى في قولها" يا سيدي، تعال معي، نسافرُ إلى زمنٍ اسموه بزمنِ الجاهلية"، فتلك الذكرياتُ البريئةُ تختزنُ دفءَ الطفولةِ ونقاءَ الحبِ الصادق، وفي لحظةِ تأملٍ عميقةٍ، بين رغبتها في الهروبِ من سجنِ الحاضرِ وخوفها من فقدانِ ما تبقى من شغفها، شعرت بأنَّ جذوةَ الروحِ توشكُ على الخفوت، كأنها شمعةٌ تتآكلُ ببطءٍ في غرفةٍ باردة، فالجرحُ الصامتُ الذي طالما تجاهلته بدأ يهمسُ في أعماقها، وكأنه يطالبُ بأن يُسمع صوته في يوم ما، ومن هنا، بدأت مخيلتُها تسافرُ محلقةً بعيداً عن قيودِ المألوف، في رحلةٍ زمنيةٍ تعودُ بها عقاربُ الساعةِ إلى ماضٍ سحيق، علّها تتحررُ من أسرِ اللحظةِ الراهنةِ وتفلتُ من عبثيةِ الشوقِ الذي ينهشُ كيانَها، وهناك، عند حوافِ الذاكرةِ البعيدةِ، تأملُ أن تستيقظَ اللحظاتُ الغافيةُ، وتجد نفسها تقفُ على أعتابِ مجد الكلماتِ التي لم تعد تُقال في حاضرها الآن، حيث يغدو الماضي ملاذاً، والزمنُ ظلٌّ يتلاشى في أفقِ الأمل.
" يا سيدي
تعال معي
نسافرُ إلى زمنٍ
اسموه بزمنِ الجاهلية"
لذلك، تتوقُ إلى زمنِ الصدقِ وصفاءِ الأرواح، حيث تتجلى الحقائقُ الإنسانيةُ في أنقى صورها، يسودُ فيه الحبُ نقياً لا تشوبه المصالح، له طعم لا ينسى، والشوقُ عالمٌ بلا حدود، هناك كان العالمُ مفتاحاً لكلِّ باب، والأحلامُ أوسع من السماء، تمتدُ بلا قيودٍ ولا جدران، لذا أخذت تنادي بهمسها المعتاد، وصدى صوتها يرتجفُ في الأفق: " تعال إلى زمنٍ يسكنه الضوء، حيث وميضُ الأملِ قادرٌ على إشراقةِ الأيامِ التي ظنناها أنها انطفأت إلى الأبد."
ومن هذا المنطلق، لا تريد أن تصبحَ غريبةً هناك، فهي تحملُ إنسانيتها كهويةٍ أبدية، ولا ترغبُ أن تصبحَ عنواناً للتيهِ من جديد، بل تسعى إلى التعايشِ مع جوهرِ الأشياء، أن تسلمَ ذاتَها لتلك الطبيعةِ البكر، وتتجاهلُ أعماقها المشحونةَ بالألم، وأن تتحررَ من رهابِ التفوهِ بمطلقِ الحرية. لكن، لكن مخيلتها قد استُنفدت في بناءِ عوالمَ وهميةٍ داخل عالمٍ ضيقٍ يؤمنُ بالخوفِ كأداةٍ للقيادة، حيث يصبحُ الوجودُ مشروطاً بالقدر، والفراغُ مشبعاً بالمصادفاتِ وأشباحٍ غير مرئية، إلا من تلك العتمةِ التي تساوت فيها الأشياءُ جميعها، حيث فقدَ كلُّ شيءٍ معناهُ، وحدَها العتمةِ استطاعت أن تحتوي أحلامها، ففي داخلها وصلتِ الأشياءُ إلى غايةِ الكمال.
في المقابل، هناك، الحبُ مقدسٌ لا ريب فيه، وإن نطقت به، على النقيضِ من هذا النقاء، تجدُّ حاضراً مليئاً بالتناقضات، حيث تتلاشى الأحلامُ تحت وطأةِ القيود، لهذا السبب، تمتدُّ روحُها لتحتضنَ العالمَ بأسرهِ تحت زرقةِ السماء، تسامرُ النجوم، ويحتفي بلونِ الشمسِ العذري في ذروةِ النهار، والصمتُ يسكنُ الأشياءَ، إلا حين تستدعي الضرورة القصوى همساً عابراً، بعيداً عن تعقيدِ الرؤى والأفكارِ الميتافيزيقية، إنه حبٌّ يفيضُ بلا توقف، يتدفقُ كالمعاني السابحةِ في دروبِ لا نهاية لها، حيث لا أحدُّ يعترضُ بوجوده، وعسى أن تفهم وحدَها أسرارِ الحياةِ الغامضة، تدركُ التأثيرَ الخفي لهذا السفرِ البعيد، فلا تجدُ أمام روحها المتوجعة إلا الإذعان لإرادتها الداخلية، تلك التي تدفعها للاستمرارِ رغم كلِّ شيء.
وفي محاولةٍ أخيرة، لا تتوقفُ في عالمها، تماماً كما الضوءُ في قصيدتِها لا يُولد إلا من عمقِ العتمة، وبينما تعيشُ في صراعِها الداخلي، نجدها تسعى لإضاءةِ زوايا الروحِ المتعبة، فتتلمسُ جدرانه الباردة بأناملٍ مرتعشة، تسمعُ صدى أنفاسِها يترددُ في الفراغ، ولا تستسلم، فتسقي أسرجةَ الليلِ بدموعِها كي لا تنطفئ، وتتذوقُ مرارةَ الدموعِ المالحةِ، كأنها بقايا حزنٍ قديم، وتحمي كؤوسَ الأملِ من الانكسار، فالحبُ وحدُه يبدو قادراً على إزالةِ البرزخِ بين الأزمنةِ والتأمل، في محرابِها الطويل، تحاولُ إسكاتَ الوحوشِ الداخليةِ التي تنهشها بلا هوادة، مؤمنةً بأنَّ النورَ لا يولد إلا من عمقِ العتمة.
" هواءٌ نقيٌّ،
أرواحُ أهلهِ زكيةٌ
الحبُ عندهم مقدسٌ
الصلاةُ في محرابه عبادةٌ
والموتُ من أجله شهادةٌ"
يا لها من غربةٍ صامتةٍ، حيث يسكنُ كلُّ شيءٍ بلا حراك، بلا أشباحٍ تترصدها، أو آلامٍ متواريةٍ في الظلال، بل تصالحٌ تامٌ مع ذاتها، حريةٌ بلا فوضى، وسكونٌ يُشبه عزفٌ أبدي، هي عالمٌ من الأرواحِ الحزينةِ، لكنّها مدمجةٌ بالهيامِ والنشوةِ، فروحُها لها رائحةٌ اصليةٌ في معجمِ الزهور، كعطرِ الزهورِ البرية، هناك، تدعوه إلى عالمٍ يفوحُ بعبقِ البحر، وتصدحُ فيه أمواجٌ لا تهدأ، وتغمره نسماتٌ مملوءةٌ بملوحةِ الذكريات، عالمٌ تطيرُ معه إليه على جنحِ فراشة، فهو عالمٌ لا يحملُ ملامحَ متصنعة، تتركُ فيه حاضرها الماضي، ذاك الذي تاهت فيه الخطواتُ نحو أفقٍ لا نهاية له، هنا، الكونُ يتنفسُ أغاني المطر، وتتمازجُ الأحلامُ مع ألوانِ الشفقِ في انسجامٍ صامتٍ، بعيدٌ عن ضجيجِ الأيام، الأرواحُ هنا تحلّقُ كالطيورِ بلا خوفٍ من السقوطِ، وتتركُ خلفها ما أخفته العاداتُ خلفَ جدرانِ الزمن، هنا، الحكايةُ لا تنتهي، حيث الودُ جوهرٌ معطرٌ بالبخور، بلا راياتٍ مرفوعةٍ ولا هتافاتٍ أو طبول، فقط سكينةٌ تترددُ بين أصداءِ الأمل.
" تعال يا سيدي
نطيرُ على جنحِ فراشةٍ
تحطُ بنا
في خيمةِ وردٍ
هنالك في زمنِ
الودِ
لتنفسَ عطرَ الزهورِ
ونتعطرُ بالبخورِ
بدلا من العطورِ
الفرنسية"
وعلى الرغم من كلِّ ذلك، يُؤلمها حاضرُها الذي أصبحَ من الماضي، فهو ليس سوى خرائبٍ محاطةٍ بقضبانٍ من القيود، وأحلامٍ توأد قبل أن ترى النور، فالإخلاصُ ادعاءُ الاغلبية، لكنَّ تلك الاغلبيةَ تخشى المغامرةَ في دروبِ الصدق، هي الاثارةُ تغري لتكون الاستقامةُ مدعاةَ فخرٍ قبل الانتكاسة، كأنما تدعو إلى أن تبقى بالماضي حاضرها الآن، متمسكةٌ بالأحلامِ ذاتها، لا هروباً من الفوارق، بل لفهمها، وإن كانت بشراً لابد أن تحملَ على كتفيها الأخطاء، وتكتشفَ هشاشةَ الإنسان، ذاك الذي ينادي بالمُثلِ وهو أولُ من يخونها، الذي يرددُ أكاذيبَ الرعاةِ القدامى خارج الفهمِ والاستيعاب، وكأنه يتجولُ في سراديبٍ مجهولةٍ، يبحثُ عن شيءٍ يدركُ في قرارةِ نفسه أنه لن يأتي، ولكي يغطي فشله بأن يكثرَ من الزيجات، ويغرقُ في القيلِ والقال، ويرتدي قناعَ الزهدِ المصطنع، ويصارعُ انعكاساتِ ضعفه في مرايا لا تعكس سوى هشاشتهِ الداخلية.
على ضوء ذلك، هنا تشعر أنها على قيدِ الحياة، فالفرحُ الصادقُ يهبها طمأنينةً تتجاوزُ حدودَ الاستهلاك، ولا تحتاج إلى أن تتقمص الطبيعةَ لتثبت صِدقَ وجودها، فالصدقُ في نظرها، أن يكونَ الإنسانُ صريحاً مع نفسه، فلا يكذبُ لسانه بما لم يقل، ولا يخدعُ قلبه بعقودٍ لا ينوي الوفاءَ بها، فهناك، في عمقِ الإدراك، ستجدُ الحق، وبه ستعيش، لا بالخبز فقط، وهنا السماحةُ والعفوُ فهما ينبعان من قوةٍ داخليةٍ لا يمتلكها إلا الأقوياء الذين تجاوزوا جراحهم.
وفي النهايةِ، وكأنها تختمُ قصيدتَها بإقرارٍ موجعٍ: أنَّ الباطلَ قد ساد، وأنَّ الأملَ يتلاشى كظلٍّ في الغروب، لا ندم في حاضرها، ولا رجاءٌ قادرٌ على تغيير ما كان، ورغم كلِّ شيء، تظلُّ في داخلها شرارةٌ صغيرةٌ من الإيمانِ بأنَّ الصدقَ وحده كفيلٌ بإحياءِ ما ظنَّ الجميعُ أنه مات، لذا فضّلتِ التعايشَ في صمتِ الانتظارِ في عصرِ قد مضى، ربما يولد الأملُ من رمادِ الخسارة، أو ربما لم يكن هناك أملٌ من الأساس، سوى ذلك الذي اخترعته الروحُ كي تستمر، وفي هذا الاعتراف، نجد تأملاً أوسع في جدليةِ الزمنِ بين ماضٍ نقي وحاضرٍ ضبابي" فتعال معي" صرخةٌ تترددُ بين أروقةِ الروح، تجسّدُ رحلةَ البحثِ عن شيءٍ مفقود، عن لحظةِ صفاءٍ كانت يوماً ما تنتمي إليها، وفي النهايةِ، تبقى الذكرياتُ شاهدةٌ على ما كان، وتُحيي ما ماتَ في زوايا القلبِ المنسية، تلك هي الحكايةُ التي لا تُروى، لكنها تُعاشُ بكلِّ تفاصيلها المؤلمةِ.
" بعيداً عن تعقيداتِ المدنيةِ
وعن تعددِ الزوجاتِ
والطائفيةِ
ولا نقولُ إلا الصدقَ
ولا يحقُ إلا الحقُ"
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟