أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: فضيلة














المزيد.....

قصة قصيرة: فضيلة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8699 - 2026 / 5 / 6 - 00:50
المحور: الادب والفن
    


تُمسكُ مغزلها وهي تجلسُ في الغرفةِ الطينيةِ المشرفةِ على المساحةِ الخضراءِ الواسعةِ التي تَمْتَدُّ ما بين التلالِ والنهرِ الذي تجري مياهه جنوباً، نافذةٌ خشبيةٌ مفتوحةٌ على مصراعيها، زُرعتْ فيها ثلاثةُ أعمدةٍ حديدية، تحركُ ذلك المغزلَ بحركةٍ ساهمةٍ وهي تستمعُ إلى زقزقةِ عصافيرٍ حائرةٍ في بناءِ عشِ الزوجيةِ في فراغِ السقفِ الخارجي الذي أصبح ملاذاً لتلك العصافيرِ كي تبني أعشاشها، إذ لا تنظرُ إلى حركةِ مغزلها إلا قليلاً، ترقبُ من خلالِ النافذةِ مرورَ الأشخاص، جيشٌ من الفقراءِ يجوبُ الأرض، أو حركتهم في إنجازِ أعمالهم اليومية، فذاك رجلٌ يرعى قطيعاً من الماشيةِ يساعده أبناؤه الصغار، وتلك امرأةٌ تحملُ على ظهرِها حزمةً من الحطب، تتهادى في مشيتها، لا تعرفُ إن كانتْ سعيدة أم لا، وهنالك صبيةٌ يتقاذفون الحجارة.
ينبضُ قلبُها, في لحظةِ شرودٍ تعودُ معه إلى دهاليزِ ذاكرتِها القديمةِ التي هجرتها منذ زمنٍ بعيد, بروحٍ هائمةٍ تدورُ في الأمكنةِ التي لها فيها ذكرى, تتسكعُ في دروبِ الاشتياق, شلالٌ من الحنينِ يدفعها إلى متابعةِ حلمها, أو إلى متابعةِ اشلائه وهي تتراقص, يأخذُها بعيداً معه, إلى تلك السنينِ الطوالِ وهي تنسجُ خيوطَ ذلك الحلم, تُكذّبُ القلبَ مرة, وتصدّقه في مراتٍ عديدة, واليأسُ يأخذُ دوره في الدوامةِ ما بين التكذيبِ والتصديق, وفارسُ الأحلامِ قد غادرَ منذ سنين ولم تعدْ تعرفُ عنه شيئاً, ذلك الحلمُ الوحيدُ الذي طُبع في الذاكرة, فسرعان ما غادر, أخذتْ تسبحُ في عوالمه, تبحثُ في اللاجدوى عن أملٍ قد فُقد, تُخفي نهايةَ شعرها الذي اجتاحه البياضُ تحت ربطةٍ داكنةِ اللون, ربما شاخَ وأخذ يتكئ على العصا, ربما تزوج وأصبح لديه احفاد.
- لا. لا يمكنني أن أصدقَ ذلك.
تتخيلُ كركرةَ الأطفال, وامرأةُ ترضعُ طفلاً وهي تهدهده.
- لماذا يتكررُ نفسُ الحلمِ بشكلٍ يومي؟ تسألُ نفسها.
تعودُ إلى تلك الرتابةِ اليوميةِ المتكررةِ بعدما تعالتْ زقزقةُ العصافيرِ, مع قسوةِ الوحدةِ واكوامِ الغزلِ المركونةِ في زاويةِ الغرفة, كُرَاتٌ ملونةٌ قد انتهتْ من انجازِها للتو لتصبحَ جاهزةً وتحت الطلب.
الصبرُ مع تقدمِ العمرِ بدأ ينفد، فلم يعدْ بإمكانها وضع المزيد من المشوقاتِ على حلمها المتكرر منذ ثلاثين عاما، بماضٍ ولى ولم يبقَ منه سوى شريطِ تلك الذكريات، إذ عاشتْ بصعوبةٍ بالغةٍ في أن تتناغمَ مع محيطها، مع التحديات، مع الأحلام، يراودها الزمنُ الذي سيأتي، أو ربما لا يتغيرُ منه شيء، وربما يزيدُ من الترهلات، لذا أخذتْ تنظرُ إلى العروقِ التي بدأتْ ترتفعُ في ظاهرِ الكفين، تركتْ المغزلَ جانباً، ثم أخذتْ تلامسُ بأصابِعها الخشنةِ الأخاديدِ التي تعمقتْ في وجهها، تستمعُ إلى لحنٍ شعبي حزينٍ من الغرفةِ المجاورة، تتحدثُ كلماتُ الأغنيةِ عن الهجرِ والنوى، لذا أخذتْ تتحركُ حزمةُ الأشواقِ التي لا زالتْ عالقةً في صدرها، وما بين ذلك بدأتْ تميلُ إلى الجانبِ المظلمِ من المتضادات، الأحزانُ تتجمعُ ، بل وتزدادُ وطأتها كلما تعمقَت في تذكر أيامها الخوالي، واليأسُ أخذ يَدِبُّ أكثر في الدواخل، ارتجفتْ أصابعها، وأدركت بأنها تعاني وحيدةٌ في ساحةِ الحياة.
يقطع شرودها صوتُ ابن أخيها مع أقدامٍ يدبُ وقعها على الأرض وصريرٌ متكرر للباب الخارجي.
- عمتي، متى سينتهي عملُكِ المتكرر؟
تجيبه بعدما سحبتْ نفساً عميقاً وأطالتُ النظر في وجهه الناصعِ البياض، ثم أخذتْ تنظرُ من خلالِ النافذةِ إلى امتدادِ المساحةِ الخضراء.
- كفْ عن هذهِ الأسئلة، واتركْ عمتكَ فضيلة في عالمِها الخاص.
أزعجها صوتُ والدته التي يشبه لونها الحليب، وحاولتْ أن تخفي تعابيرَ وجهها التي جعلتها تتصنعُ الاحتقارَ لمن يمتلكْ الجمال.
- لن انتهي حتى تدقَ ساعةُ الرحيل.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: شبيهُ الروح
- تأملات في قارئة قواعد العشق في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر ...
- قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ
- على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سو ...
- قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي
- أحلامِ الموتى وتيه الهوية بين المجدِ والخذلان: تأملات في قصي ...
- قصة قصيرة: بانتظار الرحيل
- بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة ...
- قصة قصيرة: فتاة القلعة
- مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في ...
- قصة قصيرة: الحصة الإضافية
- قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة
- تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف؛ رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف: رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- قصة قصيرة: عشتار
- بين الدفء والعري؛ تأملات في جدلية الكرامة في رواية المعطف لن ...
- قصة قصيرة: حدودُ الذئب
- بين الانكسارِ واستعادةِ المعنى؛ تأملاتٌ في جدليةِ الذات بروا ...
- قصة قصيرة: حين اختُزلت السماء


المزيد.....




- -مجانين كتب-.. وصفة مصرية للتشجيع على القراءة
- -العيشة بقت تقصر الزعنفة-.. فنانون مصريون ينضمون لترند -شكاو ...
- يوغا وساري ورسومات بالحناء.. ألوان الهند تملأ موسكو (صور)
- أبعد من هتلر وستالينغراد.. -الدحيح- يعرض الرواية الآسيوية لل ...
- هل تعود ميغان ماركل إلى التمثيل مجدداً؟.. مراسلة CNN تكشف ال ...
- سناء شعلان: الكلمة لا تواجه الصاروخ.. ومعظم مثقفينا انتهازيو ...
- -شاهدنا هذا الفيلم من قبل-.. وزير خارجية إيران يرد -ساخرا- ع ...
- مسرح غوركي للفنون يستضيف حفلا لأغاني وقصائد يسينين
- من مرسوم كاترين الثانية إلى حرب دونباس.. معرض يوثق تاريخ نوف ...
- مسلسل -من الصعب أن تكون إلهاً- المقتبس عن رواية الأخوين سترو ...


المزيد.....

- ديوان 24 شعر / منصور الريكان
- القصة الشاعرة والوعي الجمعي الحداثي/ مقاربة في دور القصة الش ... / ربيحة الرفاعي
- تصاوير لية الظمأ / السمّاح عبد الله
- ثلاثاءات عابر سبيل / السمّاح عبد الله
- ملامــح التجريــب في كتابـات السيـد حـافظ من خلال روايته يو ... / سلسبيل كريبع
- قناديل الحكمة / د. خالد زغريت
- حكاياتْ تَكاد تُنسى / فلاح العيفاري
- وعي ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- ديوان 23 الحاوي والعصفور / منصور الريكان
- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: فضيلة