أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: فات الأوان














المزيد.....

قصة قصيرة: فات الأوان


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8700 - 2026 / 5 / 7 - 01:07
المحور: الادب والفن
    


غرفةٌ ضيقةٌ يخيمُ فيها الصمتُ كمدينةٍ تائهةٍ هجرها أهلها منذ زمنٍ ليس بالبعيد، عدا أشعةِ الشمسِ التي خفف بعضاً من عتمةِ المكان، ترتسمُ صورةٌ على السريرِ الوحيدِ لرجلٍ مسنٍّ يشبهه تماما، يتدرجُ في سلمِ الستينيات من العمر، لا يعلمُ إن كان يعاني من الفشلِ أيضا في محاولةٍ لإرضاءِ الناس، أو أن يكون تائهاً في ملحمةِ الأوجاعِ وحيداً منكسرا، لكنه يبدو كذلك، إذ قد غزاه الشيبُ ورسمت ضروبُ الحياةِ اخاديداً في وجهه النحيف في وقتٍ مبكر، بجانبِ ذلك السريرِ تتوزعُ العديدُ من الأجهزةِ الطبية، تبدو بأنها تكتفي برسمِ خطوطٍ مستقيمة، وهنالك بعضُ المصابيحِ الصغيرةِ تتوامضُ بين لحظةٍ وأخرى.
يدخلُ رجلٌ فجأةً مسرعاً يضعُ فوق ملابسه معطفاً أبيضاً طويلا، يرافقه رجلان، أحدهما يحملُ جهازَ قياسِ الضغطِ والآخرُ يحملُ بعضَ الأوراق، يبدو بأن الرجلَ الأولَ طبيب، إذ يُعلقُ حولَ رقبته جهازَ قياسِ نبضاتِ القلب، أخفض نظرة صوبَ الأرضِ بعدما أجرى بعضَ الفحوصات، جسدٌ مثقلٌ بندبٍ سودٍ تظهرُ على ذراعيه، ثم بدأ الصمتُ يرحل، تتوافدُ الأشخاصُ، أحاديثٌ بين الضجيجِ والهمسِ، دموعٌ غصت بها العيون, يستغربُ مما يرى، أنه يعرفهم تماما، إخوته وأبناءه، لذا بدأت تراوده أسئلةٌ كثيرةٌ حضرت في لحظتها تمزقُ القلبَ الحزين، وتتلاشى معها بداية الأحلام، لذا بدا يحاولُ إيقافَ الغوصِ في متاهاتِ الظنون, ويستمعُ لتوسلات القلب والضمير:
- ما الذي يجري هنا؟ أيكون هذا مشفى؟
تزدادُ غرابته أكثر وقلبه لا يستكين وهو يرقبُ ذلك الجسدَ الممددَ على السرير، لا يتحركُ رغم ذلك الهلعِ والجلبةِ وفحصِ لنبضاتِ القلب، إنهم يغمضون أعينه، ويغطون رأسه بذلك الغطاءِ الأبيضِ الخفيفِ الذي يخفي باقي الجسم، كأنهم يبعدونه من زحمةِ الحياةِ وتُخلخلُ وجوده في هذا الوجود، ثم أخذت تزدادُ الألغازُ والطلاسمُ وهو يشاهدُ علاماتِ الارتباكِ الواضحةِ في حركاتِ إخوته وأبنائه, وسحابةُ الندمِ تندفُ رذاذاً قاتماً تُكحلُ بها عيونَ الألم، فتلتهبُ حيرتهُ هشيمَ الروح، وهو الأسيرُ المكبلُ بهوى الأبناءِ كميّتٍ لا زال متشبثٌ بخيطِ نور.
- لِمَ يا بني كأنك تنوي مغادرةَ لجّةَ النسيان؟
لا إجابة، يتمنى أن يكتوي ذلك الابن بجمرِ الندمِ, وأن يستشعرَ ببداية انهيارٍ لقلعة السند, بروحٍ تسكنُ عزاء الفقد, لذا أخذ يرفعُ صوته وإن جازف بوهنٍ في خريفِ العمر، إلا أنه يبقى كرمادٍ تحت موقدِ الإهمال، لا يرتجى منه الاشتعال، تسمع:
- عظّمَ اللهُ أجورَكم، كان رجلاً طيبا.
يحاولُ ابعاد امتدادٍ لعجزه السابقِ وقراءةُ الدواخلَ وما تضمره الوجوه، إلا أنه يجد نفسه يرسو في سواحلِ التيه، يتخبطُ في لجّةٍ بعيدة المدى من تناقضاتِ الحياة، مهزومُ الخطى، خاسرٌ في رهانِ الخطوات، لذا بدأ يصرخ:
- ما الذي يجري؟ أجبوني.
الأفكارُ ترفضُ المطاوعة، ترفضُ التعلقَ بحلمٍ يبتعدُ كلما حاولَ الاقتراب، ترفضُ تجمعَ شتاتِ الذاكرة، تخذله كالعادة، تزدادُ حيرته، تدفعه نحو حدودِ المجهول، وطريقُ العودةِ إلى نقطةِ البدايةِ أصبح من المحال، ينادي عليهم:
- من أنا؟ ومن أنتم؟
تتسارعُ الإجراءاتُ لنقلِ ذلك الجسدِ إلى خارجِ المشفى، فلقد تهاوت آخرُ ورقةٍ من أوراق عمره المتأرجحة على الدوامِ في مهبِ الريح، سيطوفُ حتماً لمدةٍ قليلةٍ في بيته مرتعَ الصبا والشباب، ربما لتخففَ عنه لواعجُ الحبِ القديم، تداهمه الشكوك، التساؤلات، الفرضيات، الاتجاهُ إلى المقبرة، ومن ثم صلاةِ الجنازة، يبادرُ ولده البكر ويكسرُ لحظاتِ الانتظار:
- من لديه دين عليه، فأنا من يسددْ عنه.
يطوفُ الولدُ البكرُ أمام الصفوف، رافعا بيده "أنا من يسدد" يفتحُ هو فمه للاحتجاج، إلا أن صراخه لم يعدْ يجلجلُ كما كان، لذا أخذ يطوفُ هروباً بلا أجنحةٍ في الدروبِ والحقولِ قبل الغروب، يبحثُ في الحقيقة، في جذورِها علّها تسعفه، فالصمتُ يتوارى ويزدادُ البكاءُ ووجعٌ من محنةِ الغياب، لذا أخذت الحيرةُ تداهمه أكثر حينما أخذوا ينزلون بذلك الشبيه في حفرةِ القبر، يتقدمهم أولاده كذلك، الدقائقُ تمرُ كأنها دهورٌ، ومن ثم ينهالَ التراب.
ينظرُ إلى أولاده وهم في حالةِ انكسار، وأخذ يتصورُ شريطَ حياته، فربما دارت به السنين بين فقر وغنى، وألمَ ناقوسِ ذلك الفقرِ وهو يدقُ في رأسه، كأنه معولٌ يحفرُ في الجمجمة، وكم رسمَ في مخيلته أحلاماً وأحلاما، فتدمعُ عيناه حزناً عند ساعةِ الغروب، وربما حاولَ أن ينسلخَ من صورةِ الإنسانِ المنهكِ الذي ارتبط بالعوزِ والبشرة ذات اللون الداكن، وكم حاول أن يعوض هؤلاء الأبناء كل ما فات.
- من أنا؟ وما تلك العتمةُ في الدواخل؟
ينادي بأعلى صوته بعدما أسدلَ الستائرَ من على أبوابِ الحزنِ وسقطَ القلمُ على آخرِ كلمةٍ كتبها للتاريخ, فات الأوان أيتها الدموعُ والأحزان.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حديثُ البراءة: ارحالٌ في ظلالِ الماضي وتوقٌ للزمنِ النقي وقص ...
- قصة قصيرة: فضيلة
- قصة قصيرة: شبيهُ الروح
- تأملات في قارئة قواعد العشق في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر ...
- قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ
- على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سو ...
- قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي
- أحلامِ الموتى وتيه الهوية بين المجدِ والخذلان: تأملات في قصي ...
- قصة قصيرة: بانتظار الرحيل
- بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة ...
- قصة قصيرة: فتاة القلعة
- مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في ...
- قصة قصيرة: الحصة الإضافية
- قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة
- تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف؛ رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف: رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...
- قصة قصيرة: عشتار
- بين الدفء والعري؛ تأملات في جدلية الكرامة في رواية المعطف لن ...
- قصة قصيرة: حدودُ الذئب


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: فات الأوان