أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة














المزيد.....

قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8702 - 2026 / 5 / 9 - 02:06
المحور: الادب والفن
    


لا يدري لماذا يتسلل إلى داخله شعور ثقيل، كأن المساء الذي لم يأتِ بعد قد لبس وجهاً رمادياً عابساً، وجه امرأة أنهكها الانتظار حتى صارت تتكئ على الوحدة كما يتكئ الجسد على عكاز متشقق. كان يحدق في الغد كمن يحدق في هاوية بلا قناع، ويسأل نفسه:
- أهذا انغلاق يطبق على الروح أم أن في الأفق شقاً خفياً للنجاة؟
لا جواب.....
غير أن شيئاً ما في داخله كان يميل إلى يقين غامض: أن الثقل قادم، وأنه سيجلس عند حافة انطفائه، يراقب روحه وهي تغادر نحو الغياب النهائي، وأن تلك المرأة التي تسكن أعماقه ستغادر في اللحظة الأخيرة، حاملة معها الأسرار التي لم تقل، وتترك خلفها مشاهد محترقة لا يمكن أن يقف على أطلالها، أو أن تعاد ذكراها.
فجأة.... تكسرت الصور في رأسه كما لو أن عقلاً آخر قرر أن يعبث بترتيب العالم داخله. عملاق مجهول يظهر في أعلى الراقم الذي لا يعرف تفاصيله بعد، نظراً لضيق الوقت، كأنه يقف في نقطة مراقبة بين الحياة والموت، يحاول العملاق أن يسحبه إليه. كان يقاوم، لكن المقاومة نفسها بدأت تفقد شكلها، وتذوب كمن يحاول الإمساك بخيط دخان.
تخرج الكلمات من فمه لا نظام، وربما بلا لغة واضحة المعالم، كأنها صدى للغات كانت ولم يعد لها حضور. يوشك أن يلتفت حوله، لكن ما يراه إلا أشلاء للمعنى ذاته: صور متكسرة المعالم، عيون جاحظة، كأنها بقايا حضور بشري لا يزال يتشبث بالحياة دون أن يعرف لماذا؟
- أيكون هذا حلماً؟ أم أن الواقع فقد حدوده؟
لا أحد حوله، لا صوت، لا يد تمتد، لا عين تلتقط انهياره الصامت. وحده الغضب يخرج كصرخة داخلية لا تجد طريقها إلى الهواء، فيتحول إلى احتراق صامت، كأن الغضب هنا ليس فعلاً بل طريقة أخرى للاختناق.
المسافات بدأت تنكمش، الزمن يبتعد ويعود إلى الماضي القريب، والوجوه تتبدل، كأن الذاكرة نفسها بدأت تتخلص من تراكمات الحاضر لتعود به إلى أيام طفولته الأولى... إلى قريته التي كانت تستلقي على كتف التل القريب من النهر، تعود كما لو أن الزمن انفتح على تلك الطفولة دفعة واحدة: الدروب الترابية، البيوت الطينية، الحقول الربيعية كقصائد كتبت للتو، شباب يلبسون الدشاديش المقلمة، وشابات يسلكن الدرب الترابي نحو النهر وراء الدواب.
وهناك... أمه.
تجلس قرب المغزل، كما كانت دائماً، تهدهد حياة صغيرة إلى جوارها، كأنها تحرس عالمها بذات الحرص. لكنه بدأ يراها تتغير مع تقدم الزمن، وكأنه لم يرحمها، اليدان ترتعشان وهي تدير المغزل، رغم دفء الجو، كأن جسدها صار يسبق خوفها بأكثر من خطوة.
تنظر نحو الدرب. نظرة ليست انتظاراً فقط، بل حذراً أيضاً.. كأن شيئاً غير مرئي يقترب. يحاول أن يناديها، أن يلمس حضورها، لكن صوته يتلاشى قبل أن يصل. لا تجيب. كأنها تنظر عبره، لا إليه، وكأن شيئاً أعمق من الحياة يشدها بعيداً عن كل نداء.
ينظر إلى السماء يجدها زرقاء غريبة الصفاء، زرقاء على نحو لا يشبه أيام القرية، كأنها صافية أكثر مما ينبغي، كأن الصفاء نفسه علامة على شيء غير مطمئن.
ثم يعود الثقل.... حرارة لزجة تسري في جسده، يده ترتجف، فخذه الأيمن يئن تحت ألم مفاجئ. يتذكر أم يتوهم؟ أصوات إطلاق نار قريبة جداً، كأنها خرجت من جوفه لا من الخارج.
- هل كانت البداية؟ أم النهاية؟
كأنه في المنطقة الغامضة بينهما، حيث لا حياة كاملة ولا موت مكتمل، كل شيء يصبح معلقاً: السؤال، الجسد، الزمن، حتى المعنى، كأنه في استراحة قسرية بين احتمالين لا يملك اختبار أيهما. فالموت، إن كان قد حدث، فلن يشعر به حتماً، لكنه سيوجع الأحياء: أمه، في انتظارها، في خوفها الذي لا يفهمه أحد.
تتشظى الأزمنة داخله كما يتشظى الحبر حين يُسكب على ماء مضطرب، فلا يبقى شكل ولا اسم، فقط أثر باهت لما كان يوماً حقيقة.
يفتح عينيه....
سرير أبيض، أجهزة، أصوات خافتة تشبه التنفس الصناعي للعالم، قطرات سائل تتساقط في انبوب أبيض رفيع تصل إلى ذراعه كأنها تعيد ترتيب وجوده. يحدق في سقف لا يعرفه، كأنه خرج للتو من زمن لا اسم له. يرفع يده المرتجفة نحو فخذه الأيمن... يضغط.. الألم يجيب فوراً، حاداً، حقيقياً، كأنه يوقع على شهادة وجوده. يبتسم بصمت لا يشبه الفرح: فهو ليس في منطقة الموت، ولا في الحياة كاملة أيضاً. فقط جسد قد تأجلت نهايته قليلا....



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت: قراءة تأمل ...
- قصة قصيرة: عقدُ اللؤلؤ
- رمزية العشق والهوية: تأملات في قصيدة الزير والثأر في ديوان ا ...
- قصة قصيرة: فات الأوان
- حديثُ البراءة: ارحالٌ في ظلالِ الماضي وتوقٌ للزمنِ النقي وقص ...
- قصة قصيرة: فضيلة
- قصة قصيرة: شبيهُ الروح
- تأملات في قارئة قواعد العشق في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر ...
- قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ
- على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سو ...
- قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي
- أحلامِ الموتى وتيه الهوية بين المجدِ والخذلان: تأملات في قصي ...
- قصة قصيرة: بانتظار الرحيل
- بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة ...
- قصة قصيرة: فتاة القلعة
- مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في ...
- قصة قصيرة: الحصة الإضافية
- قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة
- تابيرا؛ تأملات في قصص مجموعة آشورية للدكتور محمد أحمد سلطان
- جغرافيةٌ ضحّت وتأريخٌ ربما سينصف؛ رحلةٌ في خِضابِ الدمِ والح ...


المزيد.....




- الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك ...
- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة