أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ندم للدكتور رمضان علي عبود















المزيد.....

بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ندم للدكتور رمضان علي عبود


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 12:03
المحور: الادب والفن
    


بين الإقدام الذي يمثل الجرأة والشجاعة والعزم على اقتحام الحياة، وبين الندم بوصفه انكساراً داخلياً متأخراً، تتشكل في قصة ندم منطقة رمادية شديدة القسوة؛ منطقة لا يكون فيها الإنسان قادراً على المضي الكامل نحو ما يريد، ولا قادراً كذلك على الاعتراف الصريح بما اقترفت يداه. ومن هنا، لا يعود الندم توبة خالصة بقدر ما يصبح ارتباكاً أخلاقياً وخوفاً من مواجهة الذات، لأن التوبة الحقيقية فعل شجاع، في حين أن الندم وحده قد يكون مجرد شعور موجع لا يغير شيئاً.
ومنذ البداية، يضعنا الكاتب الدكتور رمضان علي عبود أمام صورة نجاح تكاد تكون مكتملة؛ شاب وسيم، متفوق، حصل على وظيفة مرموقة، وسيارة فارهة، ومستقبل يبدو مفتوح الأبواب. وكأن القصة تريد إن تقول أن النجاح الحقيقي لا يعني بالضرورة اكتمال النضج الداخلي، فكم من إنسان بدا منتصراً أمام الناس، بينما كان مهزوماً أمام نفسه.
ولعل مقولة أفلاطون:
"البداية هي أهم جزء في أي عمل"
تبدو شديدة الالتصاق بهذه القصة، لأن الخطأ لم يكن في النهاية وحدها، بل في الطريقة التي بدأت بها العلاقة منذ لحظتها الأولى، حين تُركت العاطفة تقود القرار بعيداً عن وضوح الموقف وحدود المسؤولية.
لقد رسم الكاتب مشهد اللقاء الأول بعناية عاطفية واضحة؛ نظرات متبادلة، ارتباك جميل، إعجاب خاطف، ثم رقم هاتف يتحول إلى بوابة لحلم واسع. وفي المقابل، كانت الفتاة تدخل تلك العلاقة بقلب بريء يصدق ما يسمعه، إذ كانت تعتبره بداية القصائد ونهاية القوافي، وترى في حضوره اكتمال المعنى الذي كانت تبحث عنه طويلاً، حتى بدت الأيام معها وكأنها تمشي بخفة نحو مستقبل لا يعرف الانكسار، بينما كان الشاب يعيش انجذاباً لم يحسمه داخلياً. ولهذا، بدا الحب هنا أقرب إلى اندفاع عاطفي منه إلى مشروع ناضج قادر على مواجهة الواقع.
ومع تطور العلاقة، لا نرى مجرد اتصالات ولقاءات، بل نرى تعلقاً نفسياً يتنامى بهدوء، حتى أصبحت الفتاة تبني داخلها صورة مستقبل كامل، فكانت تتصور خيوط الفجر تتألق وتعانق الشمس، كأن الحياة كلها تتهيأ لولادة حلم جديد، فيما كانت هي تمنح قلبها يقيناً أكبر من قدرة الواقع على حمايته. ومن هنا تحديداً، تكمن قسوة الانهيار لاحقاً؛ لأن الإنسان لا يتألم فقط حين يخسر شخصاً، بل حين يخسر الطمأنينة التي كان يربطها بوجوده.
فالحب الحقيقي لا يمنح العاطفة وحدها، بل يمنح شعوراً بالأمان، والاستقرار، واليقين وسط عالم مضطرب. وعندما ينتهي الحب، لا ترحل المشاعر فقط، بل ينهار معها ذلك الإحساس الخفي بالأمان النفسي. لذلك، فإن الفتاة في القصة لم تكن تبكي حبيباً بقدر ما كانت تبكي ذاتها التي صدقت، وانتظرت، وأحبت بإخلاص، إذ كانت تجد الكون دونه عدم، وأن غيابه لا يسرق منها رجلاً فحسب، بل يطفئ المعنى الذي كانت تتكئ عليه في مواجهة العالم.
ومن أكثر اللحظات قسوة في النص، تلك اللحظة التي بدأ فيها الشاب بمراجعة نفسه، غير أنه لم يراجعها بدافع النضج الأخلاقي الكامل، بل بدافع الخوف الاجتماعي والشك الداخلي. لقد بدأ ينظر إلى الفتاة لا بوصفها إنسانة أحبته، بل بوصفها دليلاً على خطأ ارتكبه هو نفسه. وهنا، تظهر المفارقة المؤلمة؛ إذ حاسبها على فعل كانت شريكته فيه، وكأنه أراد أن يتخفف من شعوره بالذنب عبر تحميلها وحدها معنى الخطأ.
ولهذا، بدا الندم عنده أقرب إلى الهروب منه إلى التوبة. فالإنسان حين يتوب حقاً، يتحمل مسؤوليته الأخلاقية كاملة، أما حين يهرب، فإنه يبحث عن مبررات تريحه من مواجهة صورته الحقيقية. وفي الليل المظلم، يأتي اللوم، لا بوصفه خوفاً مرتبكاً من صورة بدأت تتشقق أمام مرآته الداخلية.
ولعل مقولة أرسطو:
"الانتصار على النفس هو أعظم انتصار"
تتجلى هنا بوضوح، لأن البطل لم يستطع أن ينتصر على اضطرابه الداخلي، ولا على خوفه من المجتمع، ولا حتى على الصورة المثالية التي أراد رسمها لنفسه. ولذلك اختار الطريق الأسهل: الانسحاب البارد.
إن أكثر ما يوجع في القصة ليس الفراق ذاته، بل الطريقة التي حدث بها. فالتجاهل الطويل، والبرود المفاجئ، وترك الطرف الآخر يذوب قلقاً وحيرة، كلها أشكال من الهروب الصامت، فتتراكم الظنون فتغرق الأشرعة، وتتحول الأيام التي كانت مضيئة إلى مساحة من الانتظار الثقيل الذي لا يصل إلى يقين. إذ إن الندم الشديد غالباً ما يُخرس صاحبه، لأن الكلمات تبدو عاجزة عن إصلاح ما تم كسره.
وفي لحظة المواجهة الأخيرة، حين قال لها إنه ندم لأنه لا يقبل بهذا النوع من العلاقات، كان في الحقيقة يعترف بخوفه أكثر مما يعترف بخطئه. لقد أراد أن يبدأ حياة جديدة نظيفة في نظره، لكنه نسي أن خلفه قلباً مكسوراً سيبقى يحمل أثر تلك الكلمات لسنوات طويلة. إذ تركها وترك المفردات تمر غير آبهة بها، تأخذ ما تشتهي وتمضي، فيما بقيت هي وحيدة أمام خراب لا تستطيع اللغة أن تضمده.
وهنا، تتجسد المأساة الحقيقية في القصة؛ فالبعض يظن أن إنهاء العلاقة يطوي آثارها، بينما الحقيقة أن بعض الكلمات لا تموت، بل تستقر عميقاً داخل الروح. فتتصور الليل يسير نحو الهاوية، وكل ذكرى كانت تتحول في داخلها إلى جرح جديد يوقظ ما حاولت دفنه بالصمت.
ويبدو السؤال الافتراضي للفتاة في نهاية التأمل وكأنه السؤال الأكثر صدقاً في النص كله:
"هل كنت حقاً أستحق كل هذا الألم فقط لأنني أحببتك؟"
إن هذا السؤال لا يخصها وحدها، بل يخص كل قلب دخل علاقة بصدق، ثم وجد نفسه وحيداً أمام انهيار مفاجئ لا تفسير له سوى خوف الطرف الآخر من مواجهة نفسه. ليتركها تكتب بالدموع نبض أنفاسها بخجل، ويصبح الحزن اللغة الوحيدة القادرة على البقاء بعد انكسار الحلم.
كما أن القصة تطرح إشكالية اجتماعية عميقة تتعلق بازدواجية المعايير؛ فالشاب سمح لنفسه بالدخول في العلاقة، واستمتع بكل تفاصيلها، ثم عاد ليعتبر الفتاة وحدها دليلا على عدم الصلاحية للزواج. وبذلك، يتحول الندم إلى نوع من التبرير الأخلاقي المتأخر، لا إلى مراجعة عادلة للذات.
وفي الحلم يقضم ذئب النوم زهر اليد، ويخنقها شبح متمثل في صورته، حتى غدا حضوره في ذاكرتها أشبه بكابوس طويل لا ينتهي. وهنا، يخيل لنا أن الشاب كان يعيش صراعاً بين صورتين: صورة الرجل العصري المنفتح الذي يحب بحرية، وصورة الرجل التقليدي الذي يريد زوجة لا تخرج عن الإطار الاجتماعي الصارم. وبين هاتين الصورتين سقط الحب، وضاعت الفتاة.
ولعل العبارة القالة:
"أفضل أن أندم على ما فعلت، على أن أندم على ما لم أفعل"
تبدو هنا ذات وجهين؛ لأن المشكلة لم تكن في الإقدام على الحب، بل في غياب الشجاعة الكافية لتحمل نتائجه. فالحب يحتاج إلى مواجهة، وإلى وضوح، وإلى قدرة على تحمل المسؤولية، لا إلى انسحاب متأخر يُترك فيه الطرف الآخر وحيداً وسط الركام.
وفي عمق القصة، يلوح معنى آخر شديد المرارة: أن الإنسان قد ينجح في العمل، والمكانة، والمظهر، لكنه قد يفشل في أكثر اختباراته الإنسانية بساطة؛ الصدق مع نفسه. ولهذا، جاءت النهاية محملة بإحساس ثقيل لا يشبه التوبة بقدر ما يشبه الخسارة. فالندم الحقيقي لا يكون في ترك العلاقة فقط، بل في الطريقة التي انكسرت بها روح إنسان كان يظن أن الحب أمان.
وربما لهذا تبقى بعض الندوب مفتوحة مهما مر الزمن، لأن هناك كلمات لا تُنسى، وقلوباً لا تتعافى تماماً، وأحلاماً حين تُكسر لأول مرة، لا تعود كما كانت أبداً، فكيف لا وقد بدأ طيفه يتسلل عبر نافذتها فيغدو الوجه أمامها، فتبدو كأنها عمياء تمشي على الأشواك في خبب، وكأن القلب ذئب شريد وراء ظبيته، لا يعرف كيف يعود إلى طمأنينته الأولى.
وكما يقال: ليس كل سقوط نهاية، فسقوط المطر أجمل بداية. غير أن بعض الأرواح لا يسقط عليها المطر، بل يسقط عليها الصمت، فتظل معلقة بين ذكرى لا تموت ووجع لا يجد طريقه إلى النسيان. ومن هنا، ستخلع ثوب قلبها من كل طرب، بعدما سلم روحها إلى النار وغدا في وهدة النوم المر في الكرى، تاركاً خلفه روحاً تتعلم ببطء كيف تعيش بنصف قلب.
وربما لم تكن مأساة تلك الفتاة أنها أحبت، بل أن الرجل الذي أحبته لم يمتلك شجاعة الاعتراف بنفسه. فبعض الناس لا يهزمهم الحب، بل يهزمهم خوفهم من مواجهة ما يريدون حقاً.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب
- قصة قصيرة: تجدد الأحزان
- من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور ...
- تأملات في صراع الهويةِ والانتماءِ في كتاب أدب النزوح في آشور ...
- قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة
- بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت: قراءة تأمل ...
- قصة قصيرة: عقدُ اللؤلؤ
- رمزية العشق والهوية: تأملات في قصيدة الزير والثأر في ديوان ا ...
- قصة قصيرة: فات الأوان
- حديثُ البراءة: ارحالٌ في ظلالِ الماضي وتوقٌ للزمنِ النقي وقص ...
- قصة قصيرة: فضيلة
- قصة قصيرة: شبيهُ الروح
- تأملات في قارئة قواعد العشق في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر ...
- قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ
- على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سو ...
- قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي
- أحلامِ الموتى وتيه الهوية بين المجدِ والخذلان: تأملات في قصي ...
- قصة قصيرة: بانتظار الرحيل
- بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة ...
- قصة قصيرة: فتاة القلعة


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ندم للدكتور رمضان علي عبود