أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور رمضان على عبود















المزيد.....

من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور رمضان على عبود


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 10 - 07:31
المحور: الادب والفن
    


ثمة حياة تبدأ بالامتلاء حد الفيض، وتنتهي إلى صمت كثيف يشبه الحافة؛ حافة لا يُسمع عندها سوى وقع الخطى الأخيرة وهي تتباطأ، كأن الحياة رحلة غروب طويلة. وهكذا، بين هذين الحدين يقف المسن القروي، وقد انتقل من ضجيج المواسم، وصرير المحاريث، وثغاء المواشي في البراري، إلى طقوس يومية صغيرة، تكاد تكون بقايا حياة أكثر منها حياة كاملة. هناك، في فسحة الدار، يتكئ على أريكة الانتظار الباعثة على الملل، ساهم العينين، شارد الذهن ينظر في الفراغ الممتد، يراقب مصباحاً ضوءٍ باهت، كأن المصباح نفسه يشيخ معه.
كان أحمد في شبابه يركض خلف الأرض كما لو أنها وعد أبدي، يسابق الفجر إلى الحقوق، ويعد المواسم معياراً لجدوى وجوده. وفي تلك المرحلة، كان الفائض في الحبوب، وفي الأغنام، وفي العلاقات، يمنحه شعوراً بالامتلاء؛ غير أنه، في المقابل، لم ينتبه أن الامتلاء الخارجي لا يعني بالضرورة اكتمال الداخل، وأن الكل ربما يبحث عن السعادة الوهمية وهو يظنها خلاصه كغيره خلاصه الأخير. ومن ثم، ظل زمناً طويلاً يؤجل سؤال ذاته، لأن الإنسان لا يتحمل مواجهة نفسه؛ ولهذا، يملأ حياته بالضجيج، بالعمل، بالمجاملات؛ فهو لا يبحث عن إجابات بقدر ما يبحث عن التوقف عن الهروب. غير أن الشيخوخة باغتته بسؤال أشد صفاء. كما يقول ألبير كامو:
"الشيخوخة ليست فقدان القدرة، بل مواجهة الحقيقة بلا أقنعة"
وعندئذ، حين تتساقط الأقنعة، لا يبقى للإنسان سوى حقيقته العارية: ماذا تبقى منه بعد أن هدأ الجسد؟ وماذا يبقى من الفلاح حين لا تعود الأرض بحاجة إلى ساعديه؟ هنا تحديداً تبدأ المواجهة. ليست الشيخوخة انطفاء، بل انكشاف؛ يقظة في ضجيج العمر، يكشف فيها المرء أن ما ظنه ثباتاً كان حركة دائمة نحو المجهول، وكأن الأمر، في المحصلة، لحظات طويلة يركض وراء سيل الأحلام، ليبقى وحده عالقاً في خيوط الصمت يرثي عمره المتلاشي، فيغور في خوالج الذكريات والهموم مع كل لحظة، في عالم مترامي الأطراف، إلا أنه بدأ يضيق مع تقادم الأيام، وكما يقول آرثر شوبنهاور:.
"نحن نركض وراء أشياء نظنها السعادة، وحين نبلغها نكتشف أنها كانت مجرد هروب"
لذلك، ركض خلف الوفرة، ثم خلف الراحة، ثم خلف جلسات الأصدقاء وضحكات المساء. بل إن تلك الجلسات التي كانت تبعده "عن التعب المتواصل في ظل حرارة الصيف اللاهبة" كما تخبرنا القصة، تحولت إلى ملاذ يومي ينتظره بلهفة. يتكرر المشهد يومياً؛ نفس الأشياء، نفس الانتظار، ونفس الأحاديث، حتى لكأن الزمن دائرة مغلقة لا تفضي إلا إلى ذاتها. وكلما بلغ غاية، ظهرت له أخرى، كأنها سراب يتقدم خطوة كلما اقترب منه. وعلى الرغم من أنه قرر أن يعتزل العالم، بقدر ما كان يجرب صيغة أخف للهروب في الوقت الضائع من الزمن، فإنه كان يدرك في قرارة نفسه أن الواقع لا يجامل، فالأسئلة تتزاحم دون أن يجد لها إجابات.
ومن هنا، تتسلل عزلة المسن، لا كعقوبة، بل كقدر داخلي. الغزلة ليست في غياب الناس فقط، بل في غياب الصورة التي اعتاد أن يرى نفسه من خلالها. لقد كان في عيون الآخرين: الغني، المضياف، القادر. لكن، ما إن تراجعت الأدوار، حتى أخذ يبحث عن نفسه فلا يجدها في المكان ذاته. سرى جنون الصمت في أركان البيت، وتحول هذيان الوهم إلى رفيق خفي يزاحم أنفاسه، في حين أن ذاكرته تمثل ذروة سنام النضال الإنساني تجاه الفناء الذي يترصد أنفاس الحياة فوق الأرض، وكأن النسيان سياج مضروب حول كل جهات تلك الذاكرة، ومن ثم، يصبح الأمر سجالاً بين سطوة المحو وأحلام البقاء.
ويحضر قول سورين كيركغور:
"أشد أشكال اليأس هو أن لا يكون الإنسان نفسه"
وعليه، أيمكن أن يكون اليأس في الشيخوخة هو التباعد بين الذات وصورتها القديمة؟ أن يعيش المرء على ذكرى قوته، فيما هو يدرك في قرارة نفسه أن الزمن قد أعاد رسم ملامحه؟ إن اليأس هنا ليس صراخاً، بل صمت طويل، صمت يشبه جلوسه عند الطارمة، يحدق في الحديقة، كأنما الحياة لوحة بيكاسو، مجموعة من المبهمات، لكنها في النهاية تظهر على حقيقتها، إذ يمضي وحيداً يقاسمه ظلمة الداخل، شاردا في دهاليز الغياب الوجودي بهيئة شبح أسطوري ترك الرغبة بالحياة, وله ركبتان تلامسان وجه الأرض.
ومع ذلك، تتكفل الذاكرة أحياناً بتلطيف هذا الصمت، فيسرج حصان الوهم حتى وإن تغلب نشيد الأسى. فحينذاك، ينساب صمت يتكلم بكل كيانه، فيمسح غبار السنين، ويفتح مقطعاً مصوراً لقطيع يرعى في مرابع خضراء، فيعود فجأة إلى سنوات الشباب، إلى "المرابع الخضراء في البراري المحيطة، وسفوح الهضاب، نهارات الربيع، وشمسه الجميلة" كما تصف القصة لحظة مشاهدته اليوتيوب، وكأن ثمة أشياء تتكلم. لكن، في المقابل، ما الذي تعنيه هذه العودة؟ هل هي استرجاع للماضي، أم إعادة تشكيل له؟
يقول مارسيل بروست:
"الذكرى ليست استعادة الماضي، بل إعادة تشكيله في وعيننا"
وبناء على ذلك، فهو لا يستعيد الماضي كما كان، بل كما يحتاجه الآن؛ يصقله، ينقيه من التعب، ويحتفظ منه بما يخفف وطأة الحاضر. وهكذا، تصبح الذاكرة ملاذاً أخيراً، يبني فيه عالماً موازياً، أقل قسوة من واقع لم يعد يطالبه بشيء، لكنه في الوقت ذاته لم يعد يمنحه دوراً واضحاً.
ومع هذا كله، فإن قراره أن يعيش بطريقته الخاصة، المتمثلة في طقوسه اليومية الصارمة: فتح القن، إطعام الخروف، رعاية الحديقة، وإعداد الشاي للأصدقاء، يشي برغبة في استعادة الذات؛ غير أن وجود الأسرة يظل ضرورة فطرية لا يمكن تجاوزها، فالأسرة ليست إطاراً اجتماعياً فحسب، بل هي الامتداد الطبيعي للإنسان وملاذه حين تطبق عليه التيارات. ومن ثم، فإن الحياة مهما انتعشت تبقى في حاجة إلى الدفء الإنساني الذي يمنح الوجود معناه ويخفف قسوة الوحدة. لذلك جاءت النهاية صادمة؛ لأنها لامست هذا الاحتياج العميق، وتركت آثراً وجدانياً لا يُمحى بسهولة. فصورة "أطراف الأصابع" التي تراءت لمحمد السلطان من خلف الشباك، ليست مجرد اكتشاف جثة، بل هي اكتشاف اللحظة التي توقف عندها كل هذا النبض، وتلك الطقوس، وهذا الأمل الخفي.
وهكذا ينتقل المسن من فائض الحياة إلى عتبة الغياب، لا دفعة واحدة، بل عبر تآكل بطيء للأدوار والمعاني. الغياب هنا لا يبدأ بالموت، بل يبدأ حين يضيق العالم حول الإنسان، حتى تنحصر حياته في طقوس متكررة: ثم، شيئا فشيئاً، تبدأ دهشة الانطفاء وعمق الفقد. إنها حياة في الحد الفاصل: لا هي اندفاع الشباب، ولا سكون العدم الكامل. بل إنها حياة تتأرجح بين ذكرى تُعاد صياغتها كل يوم، وحاضر يتخفف من ضجيجه شيئا فشيئا.
إلى أن طرق الجار الباب ذات صباح ولم يُفتح، بعد أن تفاجأ بعدم إشعار نار الضحى، وخلو الطارمة من الفراش اليومي، وانعدام رائحة الشاي، يزداد وجلاً، فكأنه بدأ يسمع في الأمكنة، في الأشياء بذور النداء، وتنسج للحلم عرشاً على مقعد الذكريات، فتصرخ الدار بصوت تلك الذكريات فلا تود السفر، وفي الجدران حكايات الحنين، وجوه قديمة تطل من الشمس، تزاحم السراب. عندئذ، لم يكن الغياب مفاجئاً تماماً؛ لقد كان يتمزق عليه منذ زمن. كان ينسحب من العالم بهدوء، يختصر حاجاته، يقلص دوائره، ويستعيض عن الامتلاء الخارجي بحوار صامت مع ذاته.
من فائض الحياة إلى عتبة الغياب. ليست رحلة خسارة فقط، بل رحلة انكشاف. أي إنها، في جوهرها، انكشاف لحقيقة الإنسان حين يتعرى من أدواره، ولا يبقى له سوى سؤال واحد: هل عشتُ نفسي حقاً، أم عشتُ ما ظننته سعادة؟ كان الماضي يؤلمه، وحاضره بحاجة إلى هديل اليمام، فكلما فكر في المحطات التي لم يصلها، أو التجارب في المحطات التي مر بها، تتعمق جروح الذكريات.
وهكذا، حين توقف نبض الحاج أحمد، لم يتوقف فقط قلب من لحم ودم، بل توقف زمن بكامله؛ فقد غابت معها تلك التفاصيل الصغيرة. وبذلك، كان الموت قد بدأ فعلاً قبل أن يدق الجار الباب. أما تلك الأصابع المتشبثة بالأرض، التي رآها محمد السلطان من خلف زجاج الشباك، لم تكن مجرد يد كانت تحتضر، بل كانت قبضة الوجود الأخيرة على العالم، وهي محاولة للتشبث ببقايا حياة. وربما، في النهاية، كان الحاج أحمد، في صمته الأخير، يردد ما كان يقوله في سره ذات مساء "كل غائب وعذره معه". لكن الغياب هذه المرة لم يكن له عذر، ولم يكن له عودة. كان غياباً نهائياً، لرجل عاش حياته على حافة الفائض والامتلاء، ليغادر من عتبة الصمت والانطفاء.
وهناك، أخيراً، عند تلك العتبة، تتكثف الحياة في لحظة واحدة: لحظة صدق أخير، بلا أقنعة. لحظة تصبح الأصابع المتشبثة بالأرض هي الإجابة الوحيدة عن سؤال ظل يؤجله عمراً كاملاً: هل كنتُ من عاش هذا العمر حقا؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- تأملات في صراع الهويةِ والانتماءِ في كتاب أدب النزوح في آشور ...
- قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة
- بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت: قراءة تأمل ...
- قصة قصيرة: عقدُ اللؤلؤ
- رمزية العشق والهوية: تأملات في قصيدة الزير والثأر في ديوان ا ...
- قصة قصيرة: فات الأوان
- حديثُ البراءة: ارحالٌ في ظلالِ الماضي وتوقٌ للزمنِ النقي وقص ...
- قصة قصيرة: فضيلة
- قصة قصيرة: شبيهُ الروح
- تأملات في قارئة قواعد العشق في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر ...
- قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ
- على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سو ...
- قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي
- أحلامِ الموتى وتيه الهوية بين المجدِ والخذلان: تأملات في قصي ...
- قصة قصيرة: بانتظار الرحيل
- بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة ...
- قصة قصيرة: فتاة القلعة
- مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في ...
- قصة قصيرة: الحصة الإضافية
- قصة قصيرة: أغوارُ الحيرة


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور رمضان على عبود