أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب














المزيد.....

قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 11 - 08:29
المحور: الادب والفن
    


لم يكن يرى في الدنيا بعد موت أمه سوى وجه أخواله. كان صغيرا، غارقا في يتمٍ لا يملك له تفسيرا، وكان بوجه نحيل قد لفحته الشمس، وكل ما حوله بدا باهتا، لا يعرف كيف يتخلص من لغة الوقت، ومن دوامة العبثية التي وجد نفسه فيها، كأنه ورقة صغيرة تدور في حوض الزمن، لا تعرف من أين جاءت ولا إلى أين تمضي، فلا الثرثرة تجدي نفعا، ولا في الصمت يجد حلا، إلا في وجوه أخواله، كما كان يعتقد، كأنها النجاة الوحيدة من غرق الطفولة المجهولة، تلك الأسرة التي يرى فيها تلك البشاشة التي افتقدها، فمسرّته أنه وجد من يمنحه العطف، فهم لم يصرخوا عليه كما كان يتوقع من كل من حوله، ولم يلوموه إن أوقع شيئا أو أخطأ في كلمة.
لم يكونوا أكثر عطاءً من أهله، بل كانوا أشد ضيقاً في اليد، لكنهم منحوه رحماً بديلا، وصدرا لا يطالبه بثمن. ولأنه كان في حاجة إلى من يحتويه، فقد رآهم ملاذا، يجد فيهم بقايا حنان تسرب من أطياف الأم، ومن ثم، كانت رؤيته لهم تقف بصلابة تأملية، ويشعر براحة ويمكن أن يطلق عليها سعادة، أو ربما وهماً ارتضاه ليسكن فيه بعيدا عن التوبيخ والغياب.
وذات يوم، سمع أن أخواله سيذبحون جملاً، كانت تلك الأخبار بمثابة عيد خاص، إذ أن الجمل حتما سيحمل لحماً يفيض عن حاجتهم. حمل معه غبطة المستكشف، وشعر أنه في قلب المدى الفسيح لأخواله، مستندا على الثقة، إذ يحلم بنصيب يعيد إليه اعتباره المفقود، يُثبت أنه واحدٌ منهم، بل وأحبهم.
صار يتخيل حصته طوال الليل، مرة يتخيل الفخذ، ومرة الصدر، وأحيانا يخطر له أن ينال جزءاً أكبر. نام على سرير الحلم بكامل خيالاته، يحتضنه، يقلبه، محاطا بأغطية من الأمنيات، ينتظر صباحا لا يشبه أي صباح، صباحاً يحمل معه لحماً يُثبت مقدار المحبة ، فكأنما هناك جرس قديم يدق ساعات الظلام فيصل رنينه إلى أعماق روحه، فيفيق، ليجد الظلام لا يزال يخيم، ولم يعلن بانبلاج فجر جديد، لكنه لم يسمع سوى كلاب القرية تقطع سكون الليل، تقرع أذنيه في جنبات الظلام البهيم.
خرج مبكرا، دون أن يذوق طعم الفطور، إذ كان قلبه ممتلئ بنشوة التقدير، أرسل نظراته بعيدا، عبر الحقول الخضراء الممتدة إلى حافة نهر دجلة، وإلى الأشجار السامقة في جزره، فازداد استغراقا في صمته، وكان الزمن يبدو له وكأنه توقف. وصل ليجد الجمل قد ذُبح، واللحم يُقطع ويوزع في أوانٍ تمتلئ وتُحمل ثم تعود لتُملأ ثانية. ظل واقفا، لا يتكلم، فقط عيناه تلاحقان حركة السكاكين والأصابع والأواني التي تمتلئ ثم تعود فارغة، وكانت اللحظات تتساقط كسكاكين باردة على قلبه، كل لحظة تنزع منه قطعاً من اليقين، بينما هو ينتظر كلمة تُعيد له اسمه، يُقال فيها:
- هذه لك.
غير أن اللحظات مضت، والأواني فرغت، وما تبقى غير عظم الساق الخلفية، بالكاد عليه بقايا لحم. فتقدم خاله، ونزع ما تبقى من لحم حول العظم، ثم ناداه، وكأنما ينزع من قلبه نصلاً لا عظماً:
- خذ... هذه حصتك.
تناوله بكفين صغيرتين مرتجفتين، لا من برد، بل من ارتباك السؤال" هل هذه صورتي في عيونهم؟". حمله مع خيبته، ومشى دون أن يتفوه بحرف، لا أحد ناداه، لا أحد ربت على كتفه، لا أحد قال له" أنت أكبر من هذا الاستحقاق". ومع ارتباك يديه، ورجفة لم يعرف لها اسماً، وكأن العظم قد غدا أثقل مما تصور.
عاد إلى البيت، فلما وصل وجد الوجوه مبتسمة باستغراب، كصفعة على اعتزازه بنفسه. عندئذ، فَهِمَ مغزى تلك النظرات. وجد نفسه منفردا، غريبا بين الوجوه، لذا عاد إلى نفس الطريق، وجلس على حافته، يذرف دموعا لم يعرف كيف يخفيها.
كان مستغرقا في تفكيره، يتأمل ظل جسده على الأرض الرطبة، كأنه يرى شتاته ممدودا على تراب الحياة، وإذا به يسمع صوتاً يشبه النداء، لكنه ظل صامتاً، كأن جسده جمده الخذلان:
- إرمِ هذا الثقل عنك.
في سكرةٍ من الألم، رمى العظم في حفرة أعدّت لخزن المياه، كأنه رمى خيبته في هوة لا قاع لها، ولم يسمع للارتطام صدى، إذ إن الخيبة ابتلعت كل صوت. بقي هناك صامتا، لا يعرف ماذا يعمل. عاد متأخرا، لم يذق طعم الكلام، فقلبه مثقل بندوب الأسئلة.
في ذلك اليوم، لم يُكسر قلبه فقط، بل تصدعت صورة الأمان التي رسمها ببراءة، فلم يكن الجمل هو المذبوح الوحيد، بل الطفل في داخله، واليقين، والصورة التي أحبها، وكم تمنى لو لم يغادر ذلك الابتداء ولم يصل إلى هذا الانتهاء، قبل أن يَعِيَ أنَّ الخيبةَ أحيانا لا تأتي دائماً من العدم، بل يحيكها ظلٌّ قريب.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: تجدد الأحزان
- من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور ...
- تأملات في صراع الهويةِ والانتماءِ في كتاب أدب النزوح في آشور ...
- قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة
- بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت: قراءة تأمل ...
- قصة قصيرة: عقدُ اللؤلؤ
- رمزية العشق والهوية: تأملات في قصيدة الزير والثأر في ديوان ا ...
- قصة قصيرة: فات الأوان
- حديثُ البراءة: ارحالٌ في ظلالِ الماضي وتوقٌ للزمنِ النقي وقص ...
- قصة قصيرة: فضيلة
- قصة قصيرة: شبيهُ الروح
- تأملات في قارئة قواعد العشق في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر ...
- قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ
- على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سو ...
- قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي
- أحلامِ الموتى وتيه الهوية بين المجدِ والخذلان: تأملات في قصي ...
- قصة قصيرة: بانتظار الرحيل
- بين حلم البندقية وتابوت الخشب: تأملات في الفقد المبكر في قصة ...
- قصة قصيرة: فتاة القلعة
- مرافعة مع الذات؛ تأملات بين المفروض الإنساني ونداء السوء في ...


المزيد.....




- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...
- محسن رضائي يوجه تحذيرا للعرب والمسلمين باللغة العربية
- نجوم الفن السابع يلتقون في مهرجان كان السينمائي بدورته التاس ...
- يحدث في اتحاد الكتاب العرب
- توقيف مغني الراب Moewgli في تونس بتهمة التورط بقيادة شبكة “ف ...
- مهرجان كان السينمائي 2026: تنافس 22 فيلما على جائزة السعفة ا ...
- الغذامي.. رحلة سقوط الأصنام وانتصار التنوير


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب