داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8703 - 2026 / 5 / 12 - 09:05
المحور:
الادب والفن
يمضي كثيرا من الوقتِ وهو يجلسُ على التلةِ فوق صخرةٍ مرتفعةٍ استطاعت أن تقاومَ ظروفَ الطبيعة, واضعا سترته على ركبتيه وظهره باتجاهِ النهرِ وعلى يمينه المقبرة القديمة, ينظرُ صوبَ شمس الأصيل قبل أن تهربَ مسرعةً نحو الغروب, مستمتعا بحفيفِ أوراقِ النباتات القريبة منه, أو إلى الأمام في نهاية الوادي فهنالك شابٌ يرعى المواشي يتجاوز عددها العشرين, أخذت نبضاتُ قلبه تتسارع بعدما وصله صوتَ الناي وأخرج الروح من القيود التي كانت تصفدها, فيشده الشوقُ إلى أيامٍ خلت مع صدى الأحلام, لا يتذكر كم استغرق من الوقت, ولا يحاول أن يعرف, فبإمكانه معرفته وذلك بالنظر إلى ساعتهِ اليدويةِ على الرغمِ من تخلي الأغلب عن اقتناء تلك الساعات بعدما توفرت الأجهزة النقالة, فلغةُ الوقتِ تعني له في هذا المساء التعلق بعبثية الحياة والشوق اليها, في النهاية وجد نفسه يجلس على تلك الصخرة, يود أن يبدد الوقت بعيدا عما يشغله, يحاول أن يمحي الذكرياتِ المزعجة, فعلى مسرحها تطفو الوجوه, وتلك الآلام التي تصل إلى اعماق الروح, أن يحلم وحيدا منعما بمفهومِ السعادةِ التي لا يزال يبحث عنها, وأن يعيش الحياةَ على بساطتها, ينفصل عن ذاته وينطلق بجسده الأثيري ما بين المجرات, ويعزف لحنَ الروحِ التي لم يضنيها التعب وهي تبحث عن قرينٍ لها قد رسمته المخيلة, إلا أنَّ صهيلَ الحزنِ اعاده إلى ما كان يخشاه, يهزُ رأسه ويمد بصره إلى اللاشيء محاولا التخلص من أفكارٍ أخذت تعيش معه, إلا أنه وجد نفسه يدورُ في تكرار مهووس وبرأسٍ مليء بالضجيجِ وتجتاحه حالة من الوهن, إذ لم يكن قادرا على إخفاءِ ذلك الغم الذي يعكس مرارة الروح, وقد استنفد الجهد وهو يصارع تلك الهواجس, يخشى أن لا يجد المبرر الكافي الذي يؤدي إلى محاولةِ البعض الاختباء او التلاشي بحضور ذلك الرجل الشبح بوجهٍ أبيضٍ يعكس اختيار الأم بدقة, الذي أخذ يشغله في الآونةِ الأخيرة, وإن كان الأخير في الغالبِ يلجأ إلى الحسابات الباردة وإن بَعُدَ الزمن, وإن كان في عمقِ حدقتيه ثمة حقد دفين وخبث يشع ببريقهما, إذ يرفعُ الشخصُ إن لم يكن تحت وصايته إلى السحابِ ثم يطيح به عن بعد وكأن شيئا لم يحصل.
- اتخشاه؟
فيجيب نفسه بعدما ينتابه إحساس غريب.
- إنه يدس أكذوبة في كلِّ شيءٍ حقيقي.
يحاولُ الشابُ الجالسُ رغبة منه أن يخرجَ تلك الأسرارَ من أعماقه, وأن يزيلَ تخدر الإرادة في وقت الحاجة لحضورها, وخشية منه من أن قد يلتهمه الحزن ويدفعه إلى حافة التذمر, لذا فهو يحتاج إلى الوحدةِ والصمت, يجلس مسترخيا ساهما, وأن يناضل ضد نوازل الاكتئاب, أو التمسك بأضعفِ الإيمانِ بالتمرنِ على النسيان, والنظر في السهل الأخضر الذي تتخلله الروابي بحلتها الربيعية, فلا جدوى من التفكير, وقد يزداد زخمُ الصمت, فلربما سيعتاد مع الزمن, إلا أنه لم يتمكن من ذلك, فلقد أخذ يخامره الشك ليطلق العنان لغيظه وبدأ يضطرب, حينما أعيدت إليه فجأة من جديد ذكرى ذلك الرجل, مع الصور جميعها التي راحت تعيدها ذاكرته, هواجس لا يمكن تفاديها, ففي تلك البداية بدا كأنه يفكر في شيء هو نفسه لا يعرف أين سيضعه وتحت أي مسمى, مدفوعا بأمل يدفعه إلى فكرة تنتشل ذاته من ذاته لترميها الى خارج كيانه والهرب من الآم الوجود والشعور الضاغط بالعجز, وتحرره من قيود الرعب الخفي الذي لم يعد يجهل مصدره.
قبل أن يترك بصره يسرح مع ذلك المنخفضِ الذي يمتد امامه, شأنه شأن من يتمنون البقاء بعيدا عن الواقع, أخذت الذاكرةُ تعيد إليه تلك الصور التي رسمت في طفولته, وبدأ يتذكر بشكلٍ غريبٍ تجارب حياته بالتفصيل كلها, لم يبقَ في ذاكرته من ماضيه سوى تلك الصور الضبابية التي لا يود أن تعاود الظهور, إلا أنها مع هذا بدأت تتردد في رأسهِ على شكلِ صدى بعيد, وتركت على ملامحه تعبير عن إنهاك متعاظم, كأنه يصل إلى حدِ الحنقِ الدفينِ من تلك الفروقات التي قد توصله إلى حد الهذيان, يشعر بقلبه خارج عن السيطرة, فالاقتراب والجلوس في المكان الذي يختاره يعني أنه سيرتاب منه حتما بسبب المآثر القاتمة حسب المواقف, أو أن يذعن بولاء مطلق, إلا أنه لا يتقبل أن يكون كالطير الذي لا يستطيع العيش دون قفصه, فلا يصنع لنفسه اسما, وأما أن يكون مصيره النسيان في زاويةٍ بعيدةٍ عن الأنظار, لذا أحس بأنه كالغائبِ بمنولوجٍ متواصلٍ أبعده عن الحاضرِ الصامت, ولا يجرؤ على الاعتراف عنها حتى أمام نفسه أو حتى لذاته, إلا أنها لا تزال تشغله, لذا أخذ يسحب نفساً عميقاً عسى أن يتخلصَ من عذاباتِ تلك الذكريات, هروبا من الواقعِ والولوجِ في مساجلاتٍ روحية, كأقدمِ رغبة لديه, يمني النفسَ بذلك, مع قلقه من خصوماتِ التأريخِ الضبابيةِ وذلك الموروث الذي يثقل عليه, وإدراكه بعدم وجودِ الفائدةِ من النكرانِ مع وجودِ القناعةِ مع الذاتِ بوجود تلك الهواجس.
- ليتني أصرخ متى ما أشاء.
صراعٌ أخرس, فالماضي يحاصره, والوحشُ الضاري لا يزال يتخبطُ في دواخله يجبره على الشكِ والبحثِ في سبرِ الأشياء, والحاضرُ يتطلبُ منه أن يتبع اللامبالاة والسيرُ وفق متطلبات العصر, يقوده ذلك إلى البحثِ عن الروحِ المتسامحةِ في مرتع الطفولة, إلا أنَّ الأفكارَ أخذت تتصادمُ في رأسه بذاتِ الصمتِ الذي اكتسبه من خلالِ تلك الطفولةِ وكثرةِ التأمل, لذا فهو يحتاج إلى معجزة, كي تنبثق الحياةُ في دواخله وينحر الخوف, بعدما وجد الأحداثَ صورةٌ واحدةٌ متكررةٌ لا تتبدل, فهو لا يزال يعيش أسيرا ما بين الحدةِ والاستسلامِ بقوانينٍ تقوده بلا هوادة كلٌّ إلى جهته, والحياةُ الواقعيةُ تجري لصالحِ الجسورِ بعيدا عن القيم, يعزي نفسه بتجنبِ الخداعَ المتواصلَ الذي تمارسه الأغلبية من الناس.
يذهب مع شروده بعدما بدأ يشعر كأنه ليس هو ذلك الشابُ الذي صعد هذه التلة, إذ وجد نفسه ما بين الحضورِ والغيابِ عن الزمان, فهو أحيانا يمسه الجلاءُ الروحاني, لتبدأ الأشباحُ تتكرر أمام الأنظار, أشباهٌ بلا وجوه وأخرى بأجسادٍ متكسرة, عالمٌ يتماوج في مرآة, حالةٌ من التشويش, يشعر بالذهول, ويحس بأنه يدور في متاهة, كأنما فقد اللحظاتِ التي تربطه بالحاضر, يتملكه إحساسٌ بأنه بدأ يزحفُ في صحراءٍ ممتدةٍ إلى مالا نهاية, يعود إلى زمنٍ آخرٍ لم يحن بعد إلا أنه يبدو قريبا وبنفسِ المكانِ مع وجودِ بعض التغيير, ينهالُ عليه خوفٌ أصم, ويستولي عليه الضيقُ ذاته الذي كان يراوده في أحلامه, يحاولُ فك أساريرَ الوجوه, الملامح, فأُسسُ الدارِ القريبةِ منه بدأت الملوحةُ تتصاعد عليها, تنخره وتتساقط قشور من تلك الأملاح كلما حركتها نسمات الهواء, وصراخاتٌ تجلجلُ الأرضَ فحواها الوعيد كان قد تعود على سماعها, وكلماتٌ موشاة بظلالٍ من التهكم, بدأت تختفي إلا أن صداها لا يزال يتردد.
الوقتُ يمر, يبدأ المشهدُ باقترابِ ذلك الشابِ الراعي في جوٍ مقيتٍ متوشحٍ بلباسٍ رمادي, ينتصبُ في قامته في منتصفِ السهل, وصوتُ الناي يصدحُ في الآفاق, وكأنه بدأ يحضر من ضمن الذكريات التي يحتفظ بها, فالأرضُ تتحول إلى جرداء, يراوده إحساسٌ بأنَّ ذلك السهلَ قد تغير وانتشرت الحصى الكبيرة فوقه, وهو الشيءُ الأغربُ الذي لفت انتباهه, وقد نمت فيما بينها أعشابٌ شائكةٌ قصيرةٌ تكاد لا تكفي لسد رمق المواشي كما يبدو, لأنها تظهر هائمة من خلال تنقلها الدائم, وفي المقابلِ إحساسٌ هائلٌ من راحةِ البالِ حلّت على هذا الراعي رغم صعوبةِ المكانِ الذي لا يصلح للرعي, يظن أنه يطفو في الفراغ, إنها السعادة الكاملة, إذ أخذ يتهادى مع الناي وهو يتأبط عصاه تحت إبطه الأيسر, وهنالك كلبٌ يثبُ حول الأغنامِ ثم أخذ يتقافز من رابيةٍ إلى أخرى مبتعدا عن المواشي التي بدأت تطلقُ ثغاءً أقرب إلى الهمسِ من شدةِ الإنهاك, أبصر الشابُ الجالسُ في تلك اللحظةِ مشهداً يصبح أكثر غموضا وساده التوجس, جامدا دون حراك, يفاجئه الشك, وهزته حالةٌ من الغضبِ كأنما يعرف ذلك الراعي أو ما يشبهه, إذ بدأت تلك المواشي بالانتشارِ مع اختباءِ الشمسِ خلف التلالِ وظهور الشفق الأحمر, شقّت طريقَها عبر الممراتِ الفرعيةِ مع كثرةِ المطباتِ باندفاعاتٍ شبه محمومةٍ في الاتجاهاتِ كلها عدا جهة الأمام, لم يرَ شيئا بهذا من قبل, فالراعي لا يزال يغني على أنغامِ نايه بذاتِ الفرحِ ووصل إلى حد الاطمئنان, بعدما أصبح يتوهم أنه لا يزال يرى عكس الحقيقة, ويظن أنَّ الكلبَ على أطرافِ المرعى يتبعه.
يتمتمُ الشابُ الجالسُ الذي زُرع فيه ذلك الإحساسَ الخانقَ, ضائعا في المتاهات بعدما استوعب بشكلٍ مؤكدٍ بعدم الجدوى من وجودِ من أمثالِ هذا الراعي الذي بدأ يراه بذلك الرجلِ الذي كان وما يزال يشغله بعدما كانت لديه بعض الهواجس المسبقة التي كانت تختبئ في أعمقِ أسرارِ دماغه, وزادت خيبةُ الأملِ التي جاءت بالتدرجِ حينما بدأت تتوضح عباءةُ النجوم, والمواشيُ تختلطُ بالليل, طاقةٌ وحشيةٌ تدفعه إلى ذلك, يتصوره كأنه دميةٌ جوفاءٌ تتحركُ بتحكمٍ مؤقتٍ في أرضٍ مليئةٍ بالحصى تتخللها بعضُ الممراتِ الضيقةِ التي يسلكها إلا أنها لا تعرقل مشيته الذي يبدو قد اعتاد عليها.
نباحٌ يمزق سكونَ الليلِ الذي أخذ يشوه حدودَ الأشياء, وشذراتٌ من كلماتٍ منقوصةٍ تنقلها الريحُ التي بدأ للتو, يطلقُ ذلك الشابُ الجالسُ تنهيدةً تكتنفها الحسرةُ, حتى بدأ الظلام يغشى تفكيره, واختلجت أطرافه برهاب الأمكنة, حتى غشته الظلمةُ في ثوان, فلم يتمكن من تجاوز تلك الجدية في حياته ولا أن يشفى من المخاوفِ التي تجعله يستنفر دائما, إذ كان على ذلك الراعي أن يتصرفَ ولابد أن تستثار حفيظته, يحاولُ أن يجد شيئا في الظلامِ الذي في أعماقِ الذاكرة, لا يريد أن يبني أوهاما, إنما خشيته من ذلك الرجلِ الشبحِ الذي يرافقه من دون هوادة, الذي استولى على ما تبقى من فراغ في خياله, لذا أخذ يحاول التوغلَ في تعبيره, وأن لا يكف ولو للحظةٍ محاولا استنهاض مكامنه قبل أن تعصف به الأيام, وقد لا يتمكن حينها من لملة أشلاءه, يأبى أن يُهزم, أن يوقف الشعور الجارف الذي يلاحقه باللاجدوى, فهو دائما ما كان يرى ذلك الرجلُ وهو يتكلمُ بطريقةٍ مفخمةٍ عن نفسه وأكثرها أنه لا يقهر, كأنه مؤمنٌ بها, والشعورُ بذاتِ التفوق, إنها مرتبطةٌ بشكلٍ وثيقٍ في ذهنه.
- إنها بداية النهاية.
لا حاجة له أن يحمل السلاح أو أن يشغل نفسه بالتفكير, لا ضرورة لذلك, فسيكتفي بأن يفتش في دفاترِ الغيبِ عن رحلةٍ في موروث قديم, إذ تتوالى الأسماء, فيظهر أحد أجداده الذي سيسعفه حتما من على حصانه الأدهم ويكسر المستحيل, أو قد يستعين بمن يلملم الحطبَ لحفلةِ تأبينٍ لمن بدأ يقرأ الأفكار.
يشعر الشابُ الجالسُ بثقلٍ كبيرٍ في رأسه وبدأ يستمع بصعوبةٍ إلى رنينِ الجرسِ الذي أخذ يبتعد كثيرا ومن ثم اختفى تماما, فلم يعد يسمع سوى الناي الذي يضاهي الأسى المتشكل, ووقع حوافر الحمار وهي تضرب الأرضَ ببردعتهِ التي حُشيت خرقا وزفيرٌ يخرجُ من المنخرين الكبيرين, يتبع الراعي ظنا منه بأنه وُجِدَ لأجله, وكلبٌ يكثرُ من العواءِ المتقطعِ من مسافاتٍ بعيدة.
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟