أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: لها الفُ شبيه















المزيد.....

قصة قصيرة: لها الفُ شبيه


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8704 - 2026 / 5 / 13 - 09:59
المحور: الادب والفن
    


تتوقفُ آلةُ الزمن بعدما كانتْ تتراكضُ لتنقضي الأيام، في لحظةٍ فتحَ عينيه ليجدَ تلك الملامحَ الجميلةَ التي كانتْ تزوره في أحلام اليقظة والمنام، فألقى جناحي الضجر، ورمى الوهنَ عن كتفيه، صورةٌ لم يألف مثلها في واقعه الذي امتلأ بمحطاتِ الانكسارات، أيةُ صورةٌ تلك، وأيةُ حكايةٌ ستُفتح خلفها، والمسافةُ بدأتْ تقصرُ مع الأيام، وهو لا يعلمُ عن الجمالِ غير تلك المكوناتِ التي تُشبه الملامحِ البشريةِ لا أكثر، أما مع تلك التي وجدها في هذا الطيفِ العجيب، فلقد غيرتْ كلَّ شيءٍ في نظره، بل والألوان أصبحتْ زاهية، وتلاشتْ منها الباهتة، وبدأتْ معها رحلةُ المناجاةِ في اليقظةِ والحلم، في الليلِ أو في النهار.
يدورُ حولَ نفسه متى ما اختلَ توازنُ دواخله، يحاولُ النسيانَ في كلِّ منفذ، إلا أنه يجدها في كلِّ مكان، يُعاندُ ضعفه، لكنه لا يستطيعُ المقاومة، فيعودُ صاغرا، فالقلبُ يخفقُ اكثر، وتطوى المسافات، ليصبحَ مهيأ لِطرّقِ طيفِها، لتؤرقه الأحلام، والصمتُ يحاورُ الأشلاء، ثم يبدأ يستحضرها، فتحضرُ بهيئةِ ذلك الطيفَ الشفيف، صورةٌ اقرب من أن تكون من كوكبٍ اخر، إلى عالمٍ لم يُكتشفْ بعد، هكذا يتخيل، وهكذا اودعها في زوايا المقارنات، فتلكما العينان الواسعتان تسحرُ الألباب، تبتسمُ له، يحاولُ التماسك، أن يلتقطَ الأنفاس، يتظاهرُ بذلك، أن يمثلَ دورَ اللامبالاة، إلا أنه يشعرُ بشيءٍ غريب، شيءٌ يتسللُ في صدره على شكلِ انسامٍ هادئة، ويزحفُ إلى باقي الجسد، والقلبُ أخذ ينطقُ بلغةِ الصمت، والعقلُ بهمسِ الهذيان، فبدأ معه كلُّ شيءٍ يضحك، يقهقه، ويدركُ بأنه ربما على ابوابِ رحلةٍ جديدة، رحلةُ مناجاة، صورةٌ وطيفٌ كان يزوره في سالفِ الأيام.
- ما الذي يحدث؟
يتركُ الفراشَ بعدما تَعِبَ وهو يستجدي النوم، لعله يخففُ عن نفسه ذلك البعدَ الذي لا يعرفُ مداه، بعدما كانتْ عيونه تسبحُ في سقفِ الغرفة، لم يزره النوم، وصهيلُ أحصنة مخيلته يزداد، تجعله فريسةً سهلة، لذا بدا يتعذبُ على نارٍ هادئة، يغذيها ذلك الوجدُ الذي يزدادُ مع تقدمِ الأيام، يتحركُ فيه إحساس يشتد، يحاولُ أن يرفضَ الاستسلام، أن يقتلَ الكلماتِ قبل أن تقال، ربما أضغاثُ أحلام، إلا أنه أخذ يحنُ إليها، والقلبُ يَمُرُّ في دوامةِ اللهيب، وفي العينين أمواجٌ تغرقه، لذا فتحَ التلفاز على قناة غير محددةٍ في غرفةِ الاستقبال، هرباً من ثغرٍ أطلقَ العنان، أنها هي، صوتُها يتناهى إلى مسامعه، يسمعُ نداءَ الأشواق، يقلبُ إلى الثانية، أنها هي كذلك، وصوتُ الناي في الهمسات، أنها الأحلام، أضغاثٌ لا أكثر، لكنه موقنٌ بأنه في يقظةٍ تامة، يقلبُ اَلْقَنَوَات، القلبُ يخفقُ أكثر.
- هذا شيءٌ محال.
فأسنانُها شبيهة باللؤلؤِ المرصوص، وشعرهُا الناعمُ الأسودُ الفاحمُ يتطايرُ مع كُلِّ حركةٍ منها، والأنوثةُ طاغيةٌ بقوامٍ ممشوق، بثباتِ النخلةِ الباسقة، يحاولُ الهروبَ منها إلى حيث لا يدري، يخرجُ إلى الشارع، الصورُ في المحالّ تشبهها، وعلى إيقاعِ الموسيقى الهادئةِ تتراقصُ الآمال، النسوةُ المارة، كلُّها تناديه، بركانٌ ينفجرُ في الدواخل، يقفُ حائراً عند مفترقِ طرق، أنها هي في إعلانٍ كبير، بتلك العينين الواسعتين.
يَدُقّ جرسُ الحنينِ بعدما أخذ الطيفُ يؤنسه، ويغوصُ في غياهبِ الود، أخذ صدى صوتُها يتوسع، تناديه.
- اقبلْ ولا تهربْ, فبحرُ عيناي بلا قرار.
تستحضرُ الحروف، طَلَاسِم غير مفهومه، إلا أنها تسري فيه كما الروحُ في الأوردة، يشعرُ بأن لها روحا تَشُقُّ الصخر، فيفقدُ السيطرةَ، ليمتطي خيولَ الشوقِ إلى حيث تكون، في البلادِ البعيدة، خلف التلال والأنهار، يبحثُ عنها حتى في قارورةِ المستحيل، ورغبةٌ في بوحٍ متدفق، وانطلاقٌ من غير رجعة، يستمعُ إلى صوتِ ناي بلحنٍ يزيلُ عنه تراكماتِ الحزنِ من سنين، أفكارٌ شتى تتدفقُ في رأسه، يتمنى لو كان بإمكانه أن يهمسَ لها بعينيه، فلا يتطلبُ منه أكثر من نظرةٍ ولو كانتْ على شكلِ خلسة، يقطعُ شروده صدى صوتِ الشخصِ القابعِ في زاويةٍ من زوايا الأحشاء.
- إلى أين تذهب؟
- لا, أرجوك, لم يكن عبثا, فنبضُ الحقيقةِ نار.
- احذرك من مغبةِ الاستمرار.
- اسكنْ أيها الصوت، فأني أعرفك لا تجلبُ لي السعادة ولا تمتلكُ الإيثار، فصاحبُ اَلْوِدّ لا يبحرُ في لجةِ العبث، فحبهُ إعصار.
يتعمقُ في عيونها، تستنفرُ المشاعرُ وتلتهبُ الحواس، لذا بدأ يحاولُ أن يهجو نفسه، عله أن يخففَ من تلك الشعلةِ التي أوقدت في دواخله، فجمالُ تلكما العينين يغارُ الهدبُ من البؤبؤ، فيبحرُ فيهما بِكُلِّ ثقةٍ وأمان، أن يجدَ فيهما ذلك الوطنَ المحصنَ بأسوار.
بدأتْ عيناها تعلمه الإبحار، تعلمه الهمسَ بعد منتصفِ الليالي، تعلمه ألا يبعثر الأحلام، لذا أخذ يتشتتْ، لا يعرفُ ماذا يفعل، وينسى الرجوع.
- ترى هل أبوحُ لها؟
يعاودُ النظرَ في تلك الصورةِ التي حفظها في القلبِ قبل جهازهِ الجوال، في تلكما العينين قبل ساعةِ الغروب، فيتمددُ بين أحضانِ السكينة، تحت الرموش، في شطآن الدموع، فيغتسلُ من كُلِّ الآلام، لحظاتٌ جميلةٌ أشعرته بوطنٍ قد غابَ منذ زمان، وحريةٌ قد سُلبت منه منذ أن بدأ يتعلمُ الأبجديةَ في دروبِ الإخلاصِ والإيثار، لكنه لا يمتلكُ الزمام، والعيونُ العسليةُ تضحكُ وتذرفُ المزيدَ من تلك الدموع.
- أرأيت أيها المجنون, كيف تضاحك الهواء.
- اسكتْ أيها الصوت, فلقد رأيتها تبتسمُ لي دون سواي.
يُلاحقُها، يلاحقُ أسهمَ الفراق، بأعصابٍ مشدودةٍ وشريطٍ من ذكرياتِ طيفها، صورُها التي يجدها في كُلِّ مكان، والزمنُ يبتلعُ نفسه في دائرةِ الحيرةِ والشكوك، نامَ في الشاطئ الضحل، ثم بعد برهةٍ آفاق فزعاً، لذا بدأ يتمنى الخلاص، من أخطبوطٍ يحاصرُ الروح، لذا أخذ يتوقُ إلى الرحيل، كَالذِّئْبِ للخلاء، يهرعُ إلى هاويةِ الصمت، كي يتمكن من استحضارها من جديد، يطرقُ أبوابَ المستحيل، لا أثر للكلام، من يفهمْ صمته، من يفهمْ همسه مع نفسهِ بغير الجنون، والمسافةُ ربما بالأميال، أنه الهذيان، إذ وقع في تلك العيونِ أسيرٌ من دون فكاك، بانتظارِ نظرة، أو كلمةٍ تخففُ الأوجاع، فالوجعُ يحشدُ جنودَه بعد منتصفِ الليل، فلقد سكنتْ العقلَ والجسدَ وناجتْ الروح، فيهربُ منه إلى دائرةِ الظلامِ خشيةً من ذلك النورِ الذي أضناه، فتهيمُ بها روحه من جديد، فيتشبثُ بوقعِ كلمة أخرى أو نظرةٍ لتكون كخيطِ نجاة، تلك النظرةُ الدافئةُ بألسنةِ لهبِ الحزنِ الدفين، لِتُلْهِبَ المشاعرَ وتوقظُ الأحاسيس، والجسدُ يستنجد، يطلبُ إيقافَ وقعِ طوالِ الفراق، والدموعُ تنسابُ بغزارةٍ حينما يَشْتَدُّ وقعه على الأحشاء، يحاولُ الهروبَ من حديثِ القلب، إلا أنه لن يتمكن، ثم أخذ ينصتُ إليه بنظرةِ العارفِ ماذا سيقول، وهو عارُ الروحَ فلا يجيدُ فنَ المهارةِ والإتقان.
يعاودُ الصوتُ من جديد.
- عن ماذا تتحدث؟
- عن الذي لا خلاص منه.
- لم أفهم.
- أنا اَلْمُحِبُّ الصامت، أنا المتيم، فلدي القدرةَ على إيصالِ لغتي إلى عالمِها وإن بعدتْ المسافات.
مسافةُ الانتظارِ تقصر، وأشواقُ الحيرةِ تزداد، ودموعٌ تنسابُ خفيةً من دون إفصاح، والروحُ تلهثُ لأدراكَ موعدَ اللقاء، ووطأةُ زمنِ ذلك الانتظار قاسية، والكلمةُ ستبقى هي المفتاح.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل
- بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ن ...
- قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب
- قصة قصيرة: تجدد الأحزان
- من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور ...
- تأملات في صراع الهويةِ والانتماءِ في كتاب أدب النزوح في آشور ...
- قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة
- بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت: قراءة تأمل ...
- قصة قصيرة: عقدُ اللؤلؤ
- رمزية العشق والهوية: تأملات في قصيدة الزير والثأر في ديوان ا ...
- قصة قصيرة: فات الأوان
- حديثُ البراءة: ارحالٌ في ظلالِ الماضي وتوقٌ للزمنِ النقي وقص ...
- قصة قصيرة: فضيلة
- قصة قصيرة: شبيهُ الروح
- تأملات في قارئة قواعد العشق في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر ...
- قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ
- على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سو ...
- قصة قصيرة: مكلومٌ يا ولدي
- أحلامِ الموتى وتيه الهوية بين المجدِ والخذلان: تأملات في قصي ...
- قصة قصيرة: بانتظار الرحيل


المزيد.....




- افتتاح الدورة الـ 79 لمهرجان كان السينمائي بحضور نخبة من الن ...
- نجمة عربية تكشف جنس مولودها بفستان -زهري- في حفل افتتاح مهرج ...
- هروب أم تهجير؟ حرب الرواية وأحداث النكبة تتكرر في -يانون- با ...
- “مركز اللغة الفرنسية يوجد في حوض نهر الكونغو” تصريح ماكرون ي ...
- غواية التشكيل وتجليات الأنثى: قراءة في قصيدة -امرأة... وكفى- ...
- الفنانة الفلسطينية إليانا تطلق أغنية -Illuminate- الرسمية لك ...
- انطلاق فعاليات الدورة التاسعة والسبعين من مهرجان كان السينما ...
- تاريخ يرويه رئيس.. شكري القوتلي من القصر إلى السجن والمنفى
- مهرجان كان السينمائي ينطلق بحضور نخبة من النجوم العالميين وس ...
- فيلم لم يقصد تصويره.. كيف حول مخرج -الحياة بعد سهام- الفقد إ ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: لها الفُ شبيه