أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر في قصة أحلام للدكتور رمضان علي عبود














المزيد.....

بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر في قصة أحلام للدكتور رمضان علي عبود


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8707 - 2026 / 5 / 16 - 03:33
المحور: الادب والفن
    


ليست أكثر المآسي إيلامًا تلك التي يولدها الشر، بل تلك التي تنشأ من سوء فهم البراءة، حين تتحول الإشارات البسيطة إلى أوهام كبرى، ويصبح السلام العابر مشروعَ حلمٍ كامل. ففي قصة أحلام للدكتور رمضان علي عبود لا نجد حكاية حب تقليدية بين رجل وفتاة، بقدر ما نجد مواجهة صامتة بين زمنين: زمنٍ يتفتح كزهرة ربيعية تمثله "نادية"، وزمنٍ يخشى الأفول ويمثله الرجل العجوز. ومن خلال هذا التوتر النفسي العميق، يفتح الكاتب باب التأمل في هشاشة الإنسان أمام حاجته إلى الشعور بأنه ما يزال مرئيًا، مرغوبًا، وقادرًا على استعادة شيء من شبابه الضائع.
ومنذ المشاهد الأولى، يحرص الكاتب على رسم عالم ريفي هادئ، تملؤه السواقي والخضرة وروتين الحياة اليومية، لكن خلف هذا الهدوء كان ثمة فراغ داخلي يتسلل بهدوء إلى روح الرجل العجوز. فالرجل لم يكن مجرد فلاح يعمل في مزرعته، بل كان إنسانًا يقاوم شعور التلاشي، ويحاول عبر نشاطه الجسدي أن يقنع نفسه بأن الزمن لم يهزمه بعد. ولهذا لم تكن "نادية" بالنسبة إليه فتاةً فحسب، بل نافذةً مفتوحة على شبابه القديم، أو وهجًا أخيرًا يحاول الإمساك به قبل أن ينطفئ.
وهنا تتجلى براعة الكاتب في تصوير الكيفية التي يصنع بها الإنسان أوهامه الخاصة. فــ "نادية" لم تمارس سوى عفوية الحياة؛ تحية صباحية بريئة، وابتسامة ريفية مألوفة، ونظرات عابرة تنتمي إلى صفاء البيئة التي تعيشها. غير أن الرجل العجوز قرأ كل تلك التفاصيل بوصفها اعترافًا خفيًا بالمحبة. فالعقل، حين يكون مثقلًا بالرغبة والحرمان، لا يرى الأشياء كما هي، بل كما يتمنى أن تكون. ولذلك يبدو قول الفيلسوف الروماني "إميل سيوران" شديد الانطباق على أجواء القصة حين قال:
“الإنسان يعيش أقل على الحقيقة، وأكثر على أوهامه.”
فالرجل لم يقع في حب "نادية" وحدها، بل وقع في حب الصورة التي أعاد تشكيلها داخل ذهنه، صورة الرجل القادر على استعادة شبابه ومكانته العاطفية. ولذلك أخذ يفسر كل إشارة صغيرة باعتبارها دليلًا على اهتمام متبادل، متجاهلًا الفارق العمري الهائل، واختلاف طبيعة المشاعر بينه وبين فتاة لم تتجاوز السادسة عشرة.
ومن هنا تتحول القصة من حكاية عابرة إلى تأمل فلسفي في خوف الإنسان من الشيخوخة. فالدكتور رمضان علي عبود لا يقدم الشيخوخة بوصفها تجاعيد أو شعرًا أبيض فحسب، بل بوصفها خوفًا داخليًا من الخروج من دائرة الحياة والانتباه. ولهذا لم يكن مشهد صبغ الشعر، وتهذيب الشارب، واختيار الملابس الجديدة، مجرد تفاصيل شكلية، بل كانت طقوس مقاومة ضد الشعور بالأفول. وفي هذا السياق، يحضر قول الروائي التشيكي "ميلان كونديرا":
“الإنسان لا يخشى الشيخوخة، بل يخشى أن يصبح غير مرئي.”
فالرجل العجوز كان يريد أن يُرى من جديد، أن يشعر بأن الحياة ما تزال تلتفت إليه، وأنه لم يتحول بعد إلى كائن هامشي تبتلعه الأيام بصمت. ولذلك بدا انتظاره لـ"نادية" تحت شجرة الخوخ وكأنه انتظار رمزي لعودة الزمن نفسه، لا انتظار فتاة فقط.
لكن المفارقة المؤلمة التي ينسجها الكاتب تكمن في أن البراءة كثيرًا ما تُساء قراءتها من قبل القلوب المتعبة. فــ "نادية" لم تمنحه وعدًا، ولم تفتح له بابًا عاطفيًا، بل منحته من حيث لا تدري شعورًا مؤقتًا بالحياة. وهنا تتكشف مأساة الفراغ النفسي، إذ إن الإنسان المحروم من الدفء قد يبالغ في تفسير أبسط مظاهر اللطف. وكأن الدكتور رمضان علي عبود يريد القول إن الوحدة الطويلة تجعل القلب يصنع المعنى حتى من الصمت. ولعل هذا ما يجعل مقولة "غازي القصيبي" ذات دلالة عميقة هنا:
“الفراغ يقتل أنبل ما في الإنسان.”
فالفراغ العاطفي عند الرجل العجوز لم يقتله جسديًا، بل دفعه إلى بناء عالم كامل من التوقعات والأحلام فوق إشارات صغيرة لا تحتمل كل ذلك التأويل.
أما اللحظة الأكثر قسوة في القصة فهي لحظة الانكسار النهائي. حين وقفت "نادية" أمام الرجل المتأنق المرتبك، لم ترَ فيه ذلك الفلاح البسيط الذي اعتادت أن تطمئن لرؤيته صباحًا، بل رأت محاولة مرتبكة لتقمص زمن لم يعد موجودًا. ولذلك جاءت نظرتها إليه كصدام بين الحقيقة والوهم. وهنا لا يكون الرفض مجرد رفض عاطفي، بل لحظة سقوط قناع الحلم الذي بناه الرجل داخل روحه. وفي هذه اللحظة تحديدًا، تتجسد فكرة الفيلسوف "فريدريك نيتشه" حين يقول:
“ليس الألم في سقوط الحلم، بل في اكتشاف أننا صدقناه طويلًا.”
فالرجل لم ينكسر لأن "نادية" رفضته فقط، بل لأنه أدرك فجأة المسافة الهائلة بين ما تخيله وبين الواقع. لقد عاد دفعة واحدة إلى عمره الحقيقي، وإلى صورته التي كان يحاول الهروب منها عبر الأناقة والانتظار وأحلام الصباح.
وعلى امتداد القصة ينجح الدكتور رمضان في تقديم تأمل إنساني عميق حول حاجة الإنسان إلى المعنى والانتماء. فالقصة في جوهرها ليست عن الحب بقدر ما هي عن الخوف من العزلة، وعن توق الروح لأن تشعر بأنها ما تزال حيّة في عيون الآخرين. ولذلك يبدو قول غابرييل غارسيا ماركيز حاضرًا بقوة:
“العمر ليس ما نعيشه من سنوات، بل ما تبقى فينا من رغبة.”
غير أن القصة تكشف أيضًا أن الرغبة وحدها لا تكفي، ما لم تكن محكومة بوعي الواقع وحدوده. فالحياة لا تُستعاد عبر الإنكار، ولا عبر مطاردة الأوهام، بل عبر التصالح مع الزمن وإيجاد معنى جديد للوجود.
وفي خاتمة القصة، لا يتركنا الكاتب أمام رجل عجوز خائب فحسب، بل أمام سؤال إنساني موجع:
كم مرة نبني في داخلنا عوالم كاملة من إشارات صغيرة؟ وكم مرة نصدق ما نريده أكثر مما نرى الحقيقة؟
فبعض الأحلام لا تؤلم لأنها مستحيلة، بل لأنها تبدو للحظة ممكنة إلى الحد الذي يجعل سقوطها أشبه بسقوط جزء من الروح نفسها.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
في رحيل جليل شهباز، عضو هيئة إدارة الحوار المتمدن
في رحيل شاكر الناصري، أحد مؤسسي الحوار المتمدن


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- قصة قصيرة: على شفا المساء
- بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص ...
- حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن ...
- بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب ...
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
- الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا ...
- قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل
- بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ن ...
- قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب
- قصة قصيرة: تجدد الأحزان
- من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور ...
- تأملات في صراع الهويةِ والانتماءِ في كتاب أدب النزوح في آشور ...
- قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة
- بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت: قراءة تأمل ...
- قصة قصيرة: عقدُ اللؤلؤ
- رمزية العشق والهوية: تأملات في قصيدة الزير والثأر في ديوان ا ...
- قصة قصيرة: فات الأوان
- حديثُ البراءة: ارحالٌ في ظلالِ الماضي وتوقٌ للزمنِ النقي وقص ...
- قصة قصيرة: فضيلة
- قصة قصيرة: شبيهُ الروح


المزيد.....




- الموضة الإيرانية.. التعبير بالفن
- التحقيق في مصرع منتج سينمائي مصري بطريقة مأساوية
- الثقافة المركزية السودانية.. إرث تاريخي أم ورقة تفاوض سياسي؟ ...
- موسكو تُعيد إحياء منزل -المعلّم- من رواية -المعلّم ومارغريتا ...
- اختبار اللغة السويدية للحصول علي الجنسية قد يتأجل مجددا
- مصر.. مصرع منتج سينمائي غرقا
- إعلام لبناني: إخلاء سبيل فضل شاكر في 3 ملفات وترجيح حسم الرا ...
- في الذكرى الـ 250 للاستقلال، كيف أعادت أمريكا اختراع اللغة ا ...
- أعقاب سجائر ومفتاح مكرر يكشفان سارقي منزل الفنانة منى واصف
- -خطوة صبيانية-.. سخرية واسعة على منصة -إكس- من نواب بريطانيي ...


المزيد.....

- كتاب «عين على القصة القصيرة: تأملات نقدية في تسع رؤى قصصية م ... / حميد عقبي
- كتابنا ـ كتابات غير.. ساخرة / حسين جداونه
- رسالة الى عام 3026 / ايه رياض الجبوري
- نافذة ـ قصص قصيرة جدا / حسين جداونه
- جسد الكرنفال في رواية حدث أبو هريرة قال / كمال التاغوتي
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الث ... / السيد حافظ
- سِنّمار / كمال التاغوتي
- مسرحة التراث بين التشكيل النصي والتجلي الركحي في مسرح السيد ... / عيسى بن ريمة
- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر في قصة أحلام للدكتور رمضان علي عبود