أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قصة حنين للدكتور رمضان علي عبود















المزيد.....

بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قصة حنين للدكتور رمضان علي عبود


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 02:49
المحور: الادب والفن
    


لا تبدو قصة "حنين" للـدكتور رمضان علي عبود مجرد حكاية رجل متقاعد يزور مدينة أحبها ذات يوم، بل تبدو رحلة داخل إنسان فقد بالتدريج صلته بالعالم، وبذاته القديمة معاً. فالقصة منذ سطورها الأولى تضع القارئ أمام سؤال وجودي عميق: ماذا يحدث للإنسان حين يفقد الدور الذي كان يمنحه الإحساس بالمعنى؟
لقد أحال الكاتب التقاعد من إجراء إداري عابر إلى جرح نفسي صامت، حين جعل "جمال" يقرأ كلمة متقاعد بوصفها: "مت... قاعداً" أو كما تتداوله الألسن حالياً، وكأن الحروف نفسها تحولت إلى مرثية داخلية. هنا لا يعود الفراغ مجرد وقت فائض، بل يتحول إلى مساحة قاتلة تلتهم الإنسان ببطء، لأن الروح حين تفقد وظيفتها في الحياة تبدأ بالتآكل من الداخل. وهنا يتجلى معنى الفراغ بوصفه قوة خفية قادرة على تفكيك الإنسان من الداخل، لأن الإنسان حين يفقد انشغاله الحقيقي يبدأ بمواجهة ذاته عارياً أمام الأسئلة الثقيلة والذكريات المؤجلة. فالفراغ لا يسلب الوقت فقط، بل يسلب الإحساس بالقيمة والدور، ولذلك لم يكن "جمال" يخشى الوحدة بقدر ما كان يخشى الإقامة الطويلة داخل نفسه المنكسرة. ولعل ما قاله الدكتور "غازي القصيبي" يختصر هذا الشعور بدقة مؤلمة:
"الفراغ يقتل أنبل ما في الإنسان"
فجمال لم يكن ضحية البطالة أو التقاعد وحدهما، بل ضحية ذلك الصمت الداخلي الذي جعل الأيام متشابهة، والوقت ثقيلاً، والروح عاجزة عن إيجاد معنى جديد للحياة.
ولعل ما يثير التأمل أن "جمال" لم يكن متعب الجسد بقدر ما كان مرهق المعنى؛ إذ شعر فجأة أن العالم استمر بالحركة بينما هو أُجبر على الوقوف خارجه. لذلك بدا الزمن ثقيلاً عليه، لأن الوقت حين يخلو من الغاية يتحول إلى عبء نفسي لا يُحتمل. وكأن الكاتب يريد القول إن الإنسان لا يشيخ بسبب السنوات، بل بسبب فقدانه الشعور بأنه ما يزال ضرورياً للحياة. وفي هذا السياق، تحضر مقولة الفيلسوف فريدريك نيتشه:
"من يملك سبباً يعيش من أجله، يستطيع احتمال أي شيء."
أما "جمال"، فقد بدأ يفقد ذلك "السبب" شيئاً فشيئاً، لذلك صار كل شيء حوله يبدو باهتاً وثقيلاً.
لقد بدا التعب في القصة نفسياً ووجودياً أكثر منه جسدياً، فالرجل الذي خرج من المؤسسة العسكرية لم يكن يشعر أن جسده قد انتهى، بل كان يشعر أن روحه فقدت قدرتها على الامتلاء بالحماس والرغبة. ولهذا بدت الحياة أمامه وكأنها تسير خارجه لا معه، وكأن الزمن سحب منه شيئاً لا يُرى لكنه يُحس بعمق. وهنا تحضر عبارة "إميل سيروان" بوصفها مرآة دقيقة لحالة "جمال":
"لم يعد التعب في جسدي، بل في أعماقي، في تلك المساحة التي كانت يوماً تمتلئ بالرغبة والمعنى"
فالتعب الحقيقي الذي أراد الكاتب الإشارة إليه ليس تعب العمل، بل تعب الروح حين تفقد علاقتها بالأمل، وحين يصبح الماضي أكثر حياة من الحاضر نفسه.
ومن جهة أخرى، لم يكن مجلس القرية في القصة مجرد مكان اجتماعي، بل كان صورة رمزية لعلاقة الإنسان بالمجتمع الريفي المحافظ، حيث تتحول العلاقات أحياناً إلى نوع من الرقابة الجماعية المقنعة بالمحبة. ولهذا شعر "جمال" بالغربة رغم وجود الناس حوله؛ إذ أدرك أن العودة إلى الحياة المدنية ليست سهلة كما كان يتصور، لأنه خرج من نظام عسكري صارم إلى فضاء اجتماعي له صرامته الخاصة أيضاً.
ومن هنا بدأ الحنين يعمل داخل روحه بوصفه محاولة للهروب من الحاضر أكثر من كونه اشتياقاً بريئاً للماضي. فالإنسان كما يبدو في القصة لا يحن إلى الأمكنة وحدها، بل يحن إلى النسخة القديمة من نفسه التي عاشتها تلك الأمكنة. ولذلك فإن "جمال" لم يكن يبحث عن "الموصل" فقط، بل كان يبحث عن الشاب الذي تركه هناك منذ أكثر من عشرين عاماً؛ الطالب الحالم، الممتلئ بالحياة، والذي لم تكن روحه قد أثقلتها الخسارات بعد.
ولهذا بدت جامعة "الموصل" في ذاكرته أشبه بفردوس داخلي محفوظ بعيداً عن خراب الزمن. كانت الحدائق، والأصدقاء، وأغاني فيروز، والمقهى، وحتى حركة الطلبة في الشارع، كلها أجزاء من ذاكرة عاطفية يحتمي بها من قسوة واقعه الحالي.
لكن الصدمة الكبرى جاءت حين عاد إلى المكان الحقيقي، فاكتشف أن الأمكنة لا تحفظ روحه كما يتخيل. لقد وجد المباني قائمة، لكن الروح التي كان يعرفها قد اختفت. وهنا تتجلى براعة الكاتب في تصوير الاغتراب؛ إذ جعل "جمال" يشعر أن المكان نفسه أصبح غريباً عنه، وكأن الزمن قد محا العلاقة الحميمة بين الإنسان وأمكنته القديمة.
إن الوجوه الجديدة، والحديقة المهملة، والمركز الطلابي الذي فقد موسيقاه ودفأه، كلها لم تكن تفاصيل عابرة، بل إشارات إلى أن الحياة لا تنتظر أحداً. فالذاكرة غالباً ما تحتفظ بالماضي بعد أن تنقيه من شوائبه، ولهذا يبدو الماضي أكثر جمالاً مما كان عليه فعلاً. وقد أشار "مارسيل بروست" إلى هذا المعنى حين قال:
"الذكرى ليست استعادة للماضي، بل إعادة خلق له."
وهذا ما حدث مع "جمال" تماماً؛ إذ لم يكن يتذكر "الموصل" كما كانت، بل كما أراد قلبه أن تبقى.
ثم إن الكاتب يذهب أبعد من الحنين التقليدي، حين يجعل التفاصيل الصغيرة تحمل دلالات فلسفية عميقة. فمشهد كوب الشاي الكارتوني لم يكن اعتراضاً على شكل الكوب بقدر ما كان احتجاجاً على زمن فقد طقوسه الإنسانية. لقد كان "جمال" يريد استعادة ذلك الإحساس القديم: استكان الشاي الزجاجي، ورائحة الهيل، وأصوات المكان، والبطء الجميل الذي يمنح اللحظة معناها.
لكن العالم الحديث كما توحي القصة صار أكثر سرعة وأقل روحاً. الأشياء ما تزال موجودة، لكنها فقدت دفأها الإنساني. ولذلك غضب "جمال"، لأنه شعر أن الحداثة لم تطور الحياة فقط، بل نزعت منها شيئاً خفياً كان يجعلها أكثر قرباً من القلب.
وهنا تحديداً تتجلى الفكرة الأكثر وجعاً في القصة:
"أن الإنسان لا يعود إلى الماضي أبداً، حتى لو عاد إلى المكان نفسه. لأن الأمكنة تتغير، والناس يتغيرون، والأهم أن أرواحنا نحن أيضاً تتغير."
ولهذا جاءت عبارة "جمال":
"لا المكان مكاننا ولا الزمان زماننا"
بوصفها خلاصة شعورية موجعة، لا تعبّر عن الحنين فقط، بل عن انكسار داخلي أمام حقيقة الزمن.
فالقصة في جوهرها ليست عن "الموصل" وحدها، ولا عن التقاعد وحده، بل عن الإنسان حين يكتشف متأخراً أن بعض الأبواب التي يغادرها لا يمكنه العودة إليها مهما حاول، وأن الماضي لا يعيش في الأمكنة بقدر ما يعيش داخلنا نحن.
وفي خاتمة القصة، بدا "جمال" وكأنه لم يخسر الجامعة أو المقهى أو الشارع فحسب، بل خسر تلك النسخة القديمة من روحه التي كانت ترى العالم بعين أكثر صفاءً. لقد عاد محملاً بحنين أكبر مما جاء به، لأن الزيارة لم تُعد إليه ما فقده، بل جعلته يدرك حجم ما ضاع منه عبر السنوات.
وهكذا ينجح الكاتب رمضان علي عبود في تحويل الحنين من مجرد شعور عابر إلى سؤال فلسفي عميق عن الزمن، والهوية، والمعنى، مؤكداً أن بعض الأمكنة تبقى حيّة في ذاكرتنا لا لأنها ما تزال كما كانت، بل لأننا نخشى الاعتراف بأننا نحن الذين لم نعد كما كنا.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن ...
- بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب ...
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
- الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا ...
- قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل
- بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ن ...
- قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب
- قصة قصيرة: تجدد الأحزان
- من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور ...
- تأملات في صراع الهويةِ والانتماءِ في كتاب أدب النزوح في آشور ...
- قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة
- بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت: قراءة تأمل ...
- قصة قصيرة: عقدُ اللؤلؤ
- رمزية العشق والهوية: تأملات في قصيدة الزير والثأر في ديوان ا ...
- قصة قصيرة: فات الأوان
- حديثُ البراءة: ارحالٌ في ظلالِ الماضي وتوقٌ للزمنِ النقي وقص ...
- قصة قصيرة: فضيلة
- قصة قصيرة: شبيهُ الروح
- تأملات في قارئة قواعد العشق في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر ...
- قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ


المزيد.....




- ست صور تروي قصة الثورة الثقافية في الصين قبل 60 عاماً
- فانس يشبّه نفسه ببطل فيلم «وحدي في المنزل» خلال غياب ترمب في ...
- من فريدي ميركوري إلى مايكل جاكسون.. أفلام تعيد تسويق نجوم ال ...
- تحديا لآثار الحرب: بائعو الكتب في الخرطوم يحولون الأرصفة إلى ...
- مهرجان كان السينمائي: المخرج الإيراني أصغر فرهدي يعود إلى ال ...
- حفظ الهوية الفلسطينية.. معركة على الذاكرة والحق في الرواية
- -الطاهي يقتل.. الكاتب ينتحر-.. حين تصبح الكتابة مطبخا لإعادة ...
- فان ديزل وأبطال سلسلة -ذي فاست أند ذي فيوريوس-... نجوم السجا ...
- مهرجان كان السينمائي- لماذا يبدو الحضور العربي خجولا في هذه ...
- مهرجان كان يحتفي بمرور ربع قرن على فيلم -السريع والغاضب-


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قصة حنين للدكتور رمضان علي عبود