أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة النهاية للدكتور رمضان علي عبود















المزيد.....

حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة النهاية للدكتور رمضان علي عبود


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8705 - 2026 / 5 / 14 - 00:52
المحور: الادب والفن
    


هناك فرق شاسع بين زواج يقوم على المشاركة الحقيقية، وبين زواج يتحول بمرور الوقت إلى مجرد إطار اجتماعي يحافظ على شكله الخارجي فقط. فالزواج لا يقوم على عقدٍ يوثق العلاقة فحسب، بل يحتاج إلى روحٍ تتقاسم التعب والمسؤولية والاهتمام، لأن البيت الذي يفقد معنى الشراكة يتحول تدريجياً إلى مساحة صامتة من الإرهاق النفسي والخذلان المؤجل.
ومن هنا، تبدو قصة النهاية وكأنها محاولة للكشف عن ذلك الغياب الذي لا يُرى بالعين مباشرة؛ فليس كل غياب يعني الرحيل الجسدي، إذ قد يبقى الإنسان داخل البيت سنوات طويلة، لكنه يكون أبعد من الغائبين أنفسهم. وكما يقول "طه حسين":
"ليس الفقد أن يموت من نحب، بل أن يعيش بعيداً عن أرواحنا."
بل إن ما يجعل الفقد أكثر قسوة، أن يتحول الحضور نفسه إلى شكلٍ من أشكال الغياب، فيُفقِد الكثير من الكلمات كالاشتياق وانتظار اللقاء، فيتحول الحضور مع الوقت إلى فراغ عاطفي يستهلك العلاقة بصمت، وهو ما يقترب من قول "جبران خليل جبران":
"أقسى أنواع الفقد أن يكون الراحل جالساً أمامك."
ومنذ بداية القصة، يحرص الكاتب على رسم صورة أسرة هاشم المكنى بأبي حمودي تبدو مثالية في أعين الجيران؛ بيت هادئ، وأبناء مهذبون متفوقون، وزوجة تتقن إدارة المنزل بعناية. غير أن هذا الهدوء لم يكن سوى قشرة اجتماعية تخفي وراءها تعباً عميقاً وصراعاً يومياً صامتاً. فبعض البيوت لا تنهار بالصوت المرتفع، بل بالصمت الطويل الذي يستهلك أرواح ساكنيه ببطء.
ولهذا، لم يكن الجيران يرون سوى النظام الخارجي، بينما كانت أم حمودي تخوض وحدها معركة التربية والتعليم وإدارة الحياة كاملة، في مقابل زوجٍ انسحب تدريجياً من دوره الأسري، حتى صار وجوده داخل البيت أقرب إلى العابر منه إلى الأب الحقيقي. وهنا تتجلى مأساة القصة؛ لأن الغياب لم يكن غياب نفقة فقط، بل غياب مسؤولية واحتواء ومتابعة وشعور بالمشاركة. ولعل هذا ما يجعل مقولة "ديوستويفسكي" أكثر التصاقاً بروح النص:
"إن أشد أنواع الألم قسوة هي تلك التي لا يراها أحد."
فالأم لم تكن تطلب بطولة خارقة من الزوج، بل كانت تبحث عن شريك يتحمل معها عبء الحياة، غير أن الزوج كان يرى الأسرة من زاوية مختلفة تماماً؛ فقد اختزل دوره في فكرة الحرية الشخصية، وعدّ كل ما يتعلق بالأبناء والبيت واجباً نسائياً خالصاً، وكأن الأبوة مجرد صفة اجتماعية لا مسؤولية أخلاقية وتربوية.
ومن هنا، تتسع الفجوة النفسية بين الطرفين شيئاً فشيئاً، لأن المشكلة الحقيقية لم تكن في الخلافات المباشرة، بل في اختلاف مفهوم الأسرة ذاته؛ فالزوجة كانت ترى الزواج شراكة حقيقية تقوم على تقاسم المسؤولية، لذلك بدأت تشعر مع مرور الوقت بأن استمراها في هذه العلاقة لم يعد سوى محاولة مرهقة للحفاظ على شكل الأسرة الخارجي. ومع تصاعد شعورها بالوحدة النفسية، صار الحزن بالنسبة لها تعبيراً صامتاً عن عجزها عن تقبل هذا الغياب المتواصل عن البيت، بينما كان الزوج يراه مساحة تمنحه الراحة المطلقة دون التزام فعلي.
ولهذا التجأت الزوجة للقضاء، بعد أن ادركت بعبثية النهاية مع زوجها، بعد سنوات من الاستنزاف النفسي، أدركت الزوجة أن محاولاتها المستمرة لإنقاذ العلاقة لم تعد تقود إلى أي تغيير حقيقي، وأن بقاءها في هذا الواقع يعني مزيداً من التآكل الداخلي لها ولأبنائها، فالفراق صار يتسع كلما فكرت فيه، وتكشف أنها في مأزق، ويفتضح عجزها عن الثبات، ولهذا تقول الزوجة أمام القاضي جملتها التي تختصر وجعها كله حين تؤكد:
"أن رب الأسرة مسؤوليته داخل البيت وخارجه، لا أن يقضي أيامه ولياليه بعيداً عن كل شيء."
فالقصة هنا لا تناقش مجرد خلاف عائلي عابر، بل تناقش فكرة الانسحاب البطيء من الواجبات حتى يصبح البيت قائماً على طرف واحد فقط، ليصبح الحضور شكلاً من أشكال الغياب، وكما يقول "محمود درويش":
"الغياب شكل من أشكال الحضور."
غير أن القصة تعكس شكلاً آخر أكثر إيلاماً؛ حضوراً جسدياً يقابله غياب نفسي كامل، حتى بدا الأمر وكأنها تعيش حياتها من الخارج، تؤدي واجباتها اليومية فيما يتراكم داخلها شعور عميق بالإنهاك والوحدة.
ثم تأتي المدرسة داخل النص بوصفها لحظة كشف حقيقية، فهي ليست مجرد مكان للتعليم، بل مؤسسة تكشف مقدار حضور الأسرة في حياة الأبناء. وحين عجز الأب حتى عن حضور مجلس الآباء، انكشف الفراغ الذي كانت الأم تحاول ستره سنوات طويلة. وهنا لم يعد الأمر مجرد تقصير عابر، بل تحول إلى تهديد مباشر لمستقبل الأطفال الذين جعلتهم الأم مشروع حياتها الوحيد.
ومن هذه اللحظة تحديداً، تبدأ النهاية الفعلية للأسرة؛ لأن بعض العلاقات لا تنهار بسبب الخيانة أو الصراخ، بل بسبب الاستنزاف البطيء للروح. فالأم وصلت إلى لحظة أدركت فيها أن الصبر لم يعد ينقذ أبناءها، وأن استمرار الوضع يعني خسارة البيت كله.
ولذلك، لم يكن وصولهما إلى المحكمة مفاجئاً بقدر ما كان نتيجة طبيعية لتراكم طويل من الغياب والإهمال وسوء فهم المسؤولية المشتركة.
وفي هذا السياق، تبدو مقولة "علي شريعتي" منسجمة مع طبيعة التصلب الذي أصاب الزوج:
"من الصعب أن تتعايش مع أناس يرون أنفسهم دائماً على صواب."
فهاشم لم يحاول أن يرى حجم الانهيار الذي تعيشه زوجته، بل ظل متمسكاً بفكرة أن حريته الشخصية فوق كل شيء، حتى لو أدى ذلك إلى تصدع الأسرة نفسها.
كما أن النهاية التي رسمها الكاتب كانت شديدة الدلالة؛ إذ لم يكن الزوج يبحث عن شريكة حياة بقدر ما كان يبحث عن امرأة تمنحه الراحة الكاملة دون أن تطالبه بمسؤولية، بينما كانت الزوجة تحلم فقط برجل يشعر أن الأسرة مسؤولية مشتركة وليست عبئاً نسائياً خالصاً.
ومن هنا، تبدو القصة وكأنها تقول إن الأب لا يغيب حين يترك البيت فقط، بل يغيب منذ اللحظة التي يتوقف فيها عن حماية المعنى الإنساني للأسرة.
فهل نعيد تعريف الأبوة قبل أن تكتب المزيد من البيئات قصص نهاياتها الصامتة؟
وهكذا تبقى قصة النهاية أكثر من مجرد حكاية زواج فاشل؛ إنها تشريح دقيق لمرض اجتماعي صامت حين يتحول الأب إلى غائب حاضر. فالنهاية الحقيقية لم تكن في قاعة المحكمة، بل في تلك اللحظة الهادئة التي اختار فيها ذلك الأب أن يكون متفرجاً على حياته لا مشاركاً فيها. وربما كان السؤال الذي تتركه القصة في النفوس أكثر إيلاماً من إجابتها: كم أباً يرحل قبل أن يغادر الباب؟ وكم أسرة تتداعى ليس بالصراخ، بل بذلك الصمت المطبق الذي يلي سنوات من الغياب؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب ...
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
- الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا ...
- قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل
- بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ن ...
- قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب
- قصة قصيرة: تجدد الأحزان
- من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور ...
- تأملات في صراع الهويةِ والانتماءِ في كتاب أدب النزوح في آشور ...
- قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة
- بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت: قراءة تأمل ...
- قصة قصيرة: عقدُ اللؤلؤ
- رمزية العشق والهوية: تأملات في قصيدة الزير والثأر في ديوان ا ...
- قصة قصيرة: فات الأوان
- حديثُ البراءة: ارحالٌ في ظلالِ الماضي وتوقٌ للزمنِ النقي وقص ...
- قصة قصيرة: فضيلة
- قصة قصيرة: شبيهُ الروح
- تأملات في قارئة قواعد العشق في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر ...
- قصة قصيرة: ليلةٌ ممطرةٌ
- على صدى أنينُ الأحلام: تأملات في فضاء مشاعر صماء والشاعرة سو ...


المزيد.....




- هل راح المغني!؟
- تغريد النجار: كيف نحكي للطفل عن دمية ضاعت عام 1948 وحروب في ...
- الشاعر الفلسطيني محمود مفلح: الصهاينة دمروا قريتي بالنكبة ول ...
- مأزق التمثيل الفلسطيني والمصير الوطني
- سوريا.. الشرع يستقبل الفنان السوري جمال سليمان في قصر الشعب ...
- من الأجمل في افتتاح مهرجان كان السينمائي 2026؟ إطلالات نجمات ...
- أميريغو فسبوتشي: لماذا تحمل أميركا اسم بحار إيطالي؟
- عبور مؤجل إلى ما خلف العدسة.. عبد الله مكسور يكتب يومه في ال ...
- -أشعر وكأنني ماكولي كولكين في فيلم وحدي في المنزل-.. فانس ما ...
- أزمة قلبية مفاجئة.. رحيل الفنان الجزائري كمال زرارة


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة النهاية للدكتور رمضان علي عبود