أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: على شفا المساء















المزيد.....

قصة قصيرة: على شفا المساء


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8706 - 2026 / 5 / 15 - 08:08
المحور: الادب والفن
    


عند كل مساء، تنهض تلك الذكرى في نفسه، تتقافز كلما اشتدت وحدته، حيث كان تائه الدرب في الحياة، لذا أخذ يلملم شتات الأيام في قلبه، بينه وبين ما كان، فذكرى المكان مرتبطة به، وتساؤلات تلاحقه كالظلال، إذ كان يرقص على جراحه كما يتقلب قلبٌ على جمر ذاكرته، حيث أقلع عن إيمانه بذات التضحية التي يتمسك بها دون مبرر، ويتساءل مع نفسه: ما جدوى من ذلك السعي؟ وما حقيقة العالم الضائع بين العبثية؟ لذا اقتنع بالتغيير، كما تتغير كلمة السر في كل ليلة في ذلك المكان المعزول عن العالم، وبعدما ايقن بأن الجسر الذي كان يعبر عليه بأمان، لم يكن إلا عالمٌ من سراب، فيتوه المعنى، حيث وجد العدالة تتوارى في ظل ضابط لم يعد يرى سوى انعكاس سادية في أعين الجنود، وبعد أن تصالح مع صوت ضميره الذي كان غالبا ما يدفعه إلى الحضور في مسرح الوجود.
كان صوته الداخلي يدفعه للتشبث بشيء من إنسانيته، لكن التحول بلغ ذروته، وهو يرى نفسه وسط حرب لا تتنافى ورغبته الجامحة في اكتشاف مجاهل المدن، بل تقوده إلى المجهول، حيث يتأرجح الحاضر على كف عفريت، فلا تفكير بماضٍ يُستعان به، ولا مستقبل يُرتجى سوى العدم على هيئة وقتٍ معلّق.
في ريعان روحه، اختطفت الحرب شقيقه، لم يكن أخا فقط، بل وطناً صغيراً، كان أملا للعائلة، لكنه كبى في أحد أتونها كصقر رغم تلك الجرأة التي كان يمتلكها، فغابت بغيابه أشياء كثيرة. هي الحرب حبلى بأحداثها، حبلى بكوابيس من هم في أتونها، ومن هم على أرصفة الانتظار، ينتظرون غائبا عزيزا في سوح الموت المجاني، ربما تخطى لحظات ذلك الموت المتكرر وعاد إلى الديار، يحمل ذكريات وصور لأشلاء في رأسه وخوالجه ممزقة بندوب لا تندمل.
سبحان من خلق حب الحياة في الناس سجية، وزرع فيهم رعب الموت، فمنهم من يتشبث بخيالات البقاء على حساب الأضعف، ومنهم من تتجلى ساديته كوحش لا يشبع من الصراخ. الحرب، هذا اللامعقول الفاجر، حيث المجاني هو الموت، والممنوع هو الأمل، والراحلون بلا وداع، ذلك الموت الذي يطمس الأمنيات، يطوي الذكرى، وتُسقط الأوراق المكتوبة في مجرى النسيان، وهو الذي يجفف الابتسامة ممن بقوا على قيد الحياة كما يجفف الدموع في المآقي، وتحول الأمل إلى هيكل عظمي من الحنين المبتور.
هي الحياة لا تعطي بقدر ما تأخذ، وقد تأخذ كل شيء قبل أن تمنح القليل، إنها تعكس صورا لمرايا ملطخة بالدم، وصور لصراع محتدم بثنائية الضد بين الحياة والموت، بين الأمل والانكسار، إنها صور ذهنية عن واقع يومي تبدو فيه المفارقة واضحة في سوحها، بعيدا عن أجهزة الأعلام التي تصوغ الأحداث وفق ما تشتهيه السلطات في كل زمان ومكان.
في زمن الهلع الإنساني، وكأن العالم على وشك أن يتحطم، إذ كان يقف كجندي في أحد سوح القتال الجبلية، بعينين تترقبان شيئا من المعنى وسط اللاجدوى، بحنين يعتلي الفضاء الواسع في ربيع بدأ بالظهور، وحين يحل الليل، تزدحم المخيلة بالمشاعر، فيكتب على الغيوم المسافرة رسائل عبور لم تصل، ويرسم الأحرف صمتاً في الهواء، ثم ينام على دفق الذاكرة، ويفيق على دوامة التكرار، بذات التجبر والصرامة في أحلك الظروف.
لا خيارات لديه، سوى خيار القبول، فالحرب قسوة لا تنتهي، كبحر عميق يسحب الأرواح في كل لحظة، يحول الأمل إلى رماد ويجعل الصمت هو لغة الجميع، لتصعد الدمى سفوح الجبال البعيدة، تسير على الاقدام بأجساد ميتة من الداخل، وعيونهم تتولى التعبير عما تعجز الألسن عن الافصاح به, لذا دارت رحى معركة عنيفة في دواخله:
- ترى هل أرفض؟
- وهل وُجدتُ فعلا لأجل هذه التربة؟
وفي الغالب بوجود الدليل، يكون الجواب ضبابياً بسبب الخوف، وعود بالعودة ربما بعد حين، أو بوعود الأوسمة الموشحة بالسراب، تتغذى على أحاسيس مجهضة، فيتلون الضباب بلون قنبرة دخان اسود، فيظهر الخداع، والأمل يغدو مشوهاً في مرجل البقاء، فتتواطأ الجبال مع الوجد، ويتربع الزمن في شهقة الروح التي كانت تتمدد كأنفاس أخيرة، والأصابع المعقوفة تشد ما يمكن حمله لديمومة الحياة، حينما تقف صرخات الشوق بلا حراك، نحو انتصارات بلهاء، فلا جدوى من جماح العقل، والولوج في لجة الانتظار الطويل.
هو ذاهب لا يدري إلى أين، يحمل عدته حسب الأوامر، حتى الطريق، لم يكن هناك فيه صوت هديل المرتبط بطفولته البريئة، وكان الصمت يملأ ذلك الطريق كجدار هلامي من كيانٍ لا يدرك كنهه، كانت خطواته ترتجف فوق أرض وعرة، فحفيفها يولد في نفسه نوعا من وجل غريب، فذاك الدرب كانت حالته تجعل من السير فيه ضربا من المستحيل، والصعود يبدو شديد ومستمر، كأنه يبدو أبدياً، لكنه كان يواصل.
منذ الصباح، كان واقفاً على الراقم البعيد المثبت موقعه في الخريطة، استقبل يومه الأول بذات القلق والاضطراب مع سراب البال المجهول، وهناك أثر لغسل العيون من ألم بدأ يتفاقم، يرصد الطائرات المعادية، ويرسلها بجهاز لا سلكي يؤمن الاتصال لمسافات بعيدة، كمن يصرخ في وادٍ لا يسمعه أحد. الغيوم تقترب من الرؤوس، كأن السماء تهبط قليلاً كل ساعة، فلا وجود للرفض.
تغزوه أحاسيس وخيالات وتساؤلات اغترابية، ففي المدافن وجوه اتعبها التفكير، وجف فيها ماء الحياة، إنه الجرح في عالم الحقيقة، بعد أن وجد نفسه بحالة انقطاع تام عن كل ما هو معقول، فالمكان محفوف بالمخاطر، كأنما شارف على نهاية الحياة، فالظروف هنا غير اعتيادية، وجوه اعتادت سماع أنينها، فالطعام قليل، ، والشرف على ما يبدو معلق على جدران الزيف في وضح النهار، والأرق ينتشر في جفون الليل. مكان يقف على حافة المجهول، والصخور تمتد كشواهد بلا أسماء، نمت من بينها أشجار داكنة اللون.
ففي الحرب، لا يمر يوم دون أن تكون الأرض تحت أقدامهم كالجمر المتقد، وطريق العودة يمتد كجرح يضيق كلما ابتعد، كل خطوة فيه تُكلف الروح أثمانا مضاعفة، العزلة تصبح جدارا من صمت يلتهم كل ما في القلب من أصوات، حتى الرياح التي تعوي حولهم تصير مثل أسراب غربان تغني بلحن الموت. الأوامر تُستلم من الجهاز اللاسلكي كخناجر مسمومة، تقطع الأمل من جذوره، فكل أمر يتمثل في عيونهم كظل طويل يقودهم نحو حتفهم بلا رجعة، والسادية تأخذ شكل الوحش الذي لا يشبع من أوجاعهم، يطلب أكثر فأكثر، حتى يتحول الجنون إلى ظل لا يفارقهم، يتسلل إلى عروقهم كالسم، يتسرب في اللحظات الأخيرة من الوعي، فيتوهمون بين الأوامر وبين الخوف، فالأخير كان يلتهمهم كما تأكل النار العشب الجاف، فكلما ازداد الزمن سطوة عليهم، ازداد الجنون تطرفاً، فلا يكاد يمر يوم إلا ويترك آثارا جديدة على وجوههم التي صارت أطراً لصوت الموت البطيء، والانتظار يتحول إلى قبضة من اليأس، يتشبث بها الجنود في كل لحظة، كأنهم ينتظرون انفجارا لا موعد له، وصوتا قادماً من اللامكان، والانتماء يذوب كالشمع تحت حرارة الخوف، يصبح حلما مكسورا على حافة الهاوية، حيث لا شيء يربطهم بالوطن سوى أوامر بلا هوية.
كأنما كل شيء ينتحر بصمت، حتى الليل هنا مظلم كظلمة القبور، فيسافر دون وعي بعيدا عن راقم الأحزان، فيأخذه النعاس، غير أن صوتا خفيفا يناديه من الداخل يقطع عليه ذاك السفر:
- أتكون هكذا حقيقة الحياة؟ صدى يتكسر في رأسي؟ أم أنا ظلٌّ كُتبَ باسمي؟
ظل يشكو الحيرة، فتحيل أحلامه غصةً مؤجلةً تنسجها عتمة الليل، ويفيق على وهم يُعيد المساء إلى نقطة البداية، فيعوي الصدى في داخله، وينهشه الفراغ، وتلك الأسئلة التي كلما حاول ملامسة إجاباتها انفجر صمته شظايا مبعثرة، ولم يعد يدري، أيعاتب الحياة على وأد أحلامه، أم يشكرها على تحريره من أوهام قديمة، المساء ذاته لا يجيبه، بل يعيده كل مرة إلى حيث بدأ، إذ تلقى الأمر الأخير عبر الجهاز اللاسلكي "نطلب الثبات". نظر إلى ذلك الجهاز، فرأى انعكاس وجهه المشوه في شاشته المكسورة، وجه لم يعد يعرفه. لذا أمسكه بيديه، وكأنه يحمل كل ذنوب الأرض، ثم صرخ:
- كفى.
ارتطم الجهاز بالصخور، فتشظى صوته في الوادي كنداء أخير، ثم انهار على الأرض بدموع تُذيب الثلج تحت قدميه، فصمت العالم من حوله، وكان أثقل من كل الرصاص.
بعد كل تلك السنين، في ظل ذلك الارتباك، حيث يتراقص الغضب مع الشك، ومنذ ذلك اليوم، ادرك أن الحرب لم تنتهِ هناك، بل احتلت كيانه، وأقامت في ذاكرته، تُنسى الوجوه، وتبقى الأصوات معلقة، أصوات من مضوا بلا وداع، أما هو، فيُمنح الندم كل ليلة، كضريبة باهظة للبقاء.



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص ...
- حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن ...
- بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب ...
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
- الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا ...
- قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل
- بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ن ...
- قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب
- قصة قصيرة: تجدد الأحزان
- من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور ...
- تأملات في صراع الهويةِ والانتماءِ في كتاب أدب النزوح في آشور ...
- قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة
- بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت: قراءة تأمل ...
- قصة قصيرة: عقدُ اللؤلؤ
- رمزية العشق والهوية: تأملات في قصيدة الزير والثأر في ديوان ا ...
- قصة قصيرة: فات الأوان
- حديثُ البراءة: ارحالٌ في ظلالِ الماضي وتوقٌ للزمنِ النقي وقص ...
- قصة قصيرة: فضيلة
- قصة قصيرة: شبيهُ الروح
- تأملات في قارئة قواعد العشق في ديوان المُكتفي بالعشق للشاعر ...


المزيد.....




- بيان قائد الثورة الإسلامية بمناسبة اليوم الوطني للاحتفاء بال ...
- ياسمين صبري تسرق الأضواء بـ3 إطلالات متميزة في مهرجان كان ال ...
- وزير الثقافة لموقع العالم: تدمير المواقع التراثية يكشف نزعة ...
- وزير الثقافة لموقع العالم: نتابع الإجراءات القانونية من أجل ...
- وزير الثقافة لموقع العالم: ليعلم العدو أن هذا العدوان لم يكن ...
- -الشمس تدور كعجلة من نار-: -الرؤية- التي تنبأت بسقوط الاتحاد ...
- حوار خاص مع وزير الثقافة الإيراني
- ست صور تروي قصة الثورة الثقافية في الصين قبل 60 عاماً
- فانس يشبّه نفسه ببطل فيلم «وحدي في المنزل» خلال غياب ترمب في ...
- من فريدي ميركوري إلى مايكل جاكسون.. أفلام تعيد تسويق نجوم ال ...


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: على شفا المساء