أخبار عامة - وكالة أنباء المرأة - اخبار الأدب والفن - وكالة أنباء اليسار - وكالة أنباء العلمانية - وكالة أنباء العمال - وكالة أنباء حقوق الإنسان - اخبار الرياضة - اخبار الاقتصاد - اخبار الطب والعلوم
إذا لديكم مشاكل تقنية في تصفح الحوار المتمدن نرجو النقر هنا لاستخدام الموقع البديل

الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: بين ضفَتين














المزيد.....

قصة قصيرة: بين ضفَتين


داود سلمان عجاج
روائي، قاص


الحوار المتمدن-العدد: 8708 - 2026 / 5 / 17 - 11:08
المحور: الادب والفن
    


وقف على ضفة النهر الموسمي بعد أن مضى بخطوات تلجم الهواء، كمن يواجه مرآة ذاته الأولى. فهناك لحظات لا يمكن الحديث عنها بذات الدقة إلا أن تحياها كما هي، عارية من التفسير. إذ كان الماء يجري بعنف ظاهري، يصطدم بالحجارة، فيتناثر رذاذه كغضب قديم يُستعاد، كأن النهر يُخرج من جوفه ذاكرةً لم تُدفن بعد. هناك، عند هذا المجرى نفسه، إذ استعاد حادثة طفولته البعيدة، حيث شهد غرق أحد رجال قريته، فصار الماء منذ ذلك اليوم يحمل ذاكرة ناطقة بالخوف والفقد معا، ومن دواخله يولد ذئب في الذاكرة، ذئب من الخوف لا يموت مع السنين.
فالطفولة، كما أدرك، لا تمحو الحوادث، بل تنقشها على صخر الوعي، لتظل حاضرة كظل طويل يرافق كل عبور نحو المجهول. ومع مرور السنين، ظل المشهد يتكرر في ذاكرته كلما وقف أمام نهر أو أمام قرار يشبه التيار، فتسكنه تلك الفكرة القديمة التي مفادها أن التيار لا يرحم، وأن الموج ليس ماء فحسب، بل هو كائن متربص ينتظر الضعف في أعين الداخلين. فهو صورة معلقة في عنق الماضي، وربما يحاوره بصمت، فكيف له أن يكبح جماح نفسه في أن يتجاوز ما يدور في خلده، وكأن كل عبور بالنسبة له امتحاناً لذلك الماضي، وصدى لأسطورة تهمس في داخله، فالمشهد القدري مكرر في المخيلة في معظم الأمكنة وفي أغلب الأزمان.
وفي غمرة الصمت الذي يسبق الغياب، حين التبس الخوف بخفقان قلبه، هبت ريح خفيفة على وجهه، فمرت أمام عينيه صور أسرته الصغيرة التي تنتظر عودته بطعام يسد رمقها، وكأنها تتشبث به تطالبه بالعودة. كان الجوع هناك ينتظره، كما ينتظره النهر هنا، فتمزق بين خوفه القديم وواجب لا يقبل التأجيل، كأنما هو في عالم يتقلب على كفيّ عفريت، لذا حضرت كل قراءات التضرع بقلب يستجدي، كأنها ساعة الصفر فتهاجمه كل الأوجاع.
تساءل في صمت متأرجح بين العقل والوجل:
- ترى، هل أعبر فأخون خوفي، أم أتراجع فأخون الحياة؟
ثم أضاف:
- ترى هل اقابله بقلب أبيض؟
لكنه كان يدرك أن الماء لا يجيب، فرفع بصره نحو امتداده الغامض، وأرتجف قبل الرمش. رأى في تموجه صورة لذاته المرتبكة. لكن الريح مرت فجأة على وجهه كصفعة توقظه من غيبوبة التفكير. فمد يده إلى صدره كمن يحاول الإمساك بنبضه المتسارع. وتذكر، بعد لحظة وعي خاطفة، أن لا خلاص لمن يقف في المنتصف، وأن العبور وحده يفسر معنى البقاء. غير أن سؤالاً لاذعاً تسلل إلى أعماقه:
- من يشهد أنني كنت هنا؟ وهل سيكون لي شاهد على قبر؟
توقف الكلام، إذ تزاحم هاجس الحياة والموت معاً.
وفي لحظة متوترة انفصل فيها الوعي عن الجسد، إذ فقد الاحساس بوجوده بشكله الفعلي، فشد ملابسه حوله كمن يستعد لمعركة حاسمة، واندفع إلى الأمام. شعر كأن قوة خفية لا يعرف مصدرها، ليست من جسده، تدفعه إلى المواجهة، فهتف في أعماقه:
- إن عبرت عشت، وإن تراجعت ماتوا.
لكن هدير الماء ارتفع، وراح يسمع صخب الأمواج وهي تتحدى صمته، إذ طفت على سطحها رغوته بيضاء كأنها فحيح النهر، وكأنما رد عليه بتحد صاخب:
- اقترب إن كنت تجرؤ.
ارتجف، وداهمته فكرة حادة:
- سيجرفني التيار حتما.
وبدأ الأمل يتفتت شيئاً فشيئاً أمام زحف الخوف، غير أن صدى قديم اخترق الصخب، صوت الشيخ الذي علمه معنى الثبات ذات مساء بعيد، كان يردد على مسامعه في طفولته:
- يا بني... الأمل يقطعه الخوف.
أغمض عينيه كأنها لحظة الانفصال، لحظة لم يعد يشعر فيها بذات الخوف، لحظة صفاء غريبة، أقرب إلى الغياب من الحضور، وكأن هناك فترات فاصلة من العتمة، لحظة تجاوز تكبيل الأغلال، ففي حدود الأسى ربما يتوقف التفكير وقد يغادر أماكن الإحساس الاعتيادية في معاقل النفس، أو كأنه يحاول أن يستمد من صوت الشيخ شجاعة العبور ببصيرته لا ببصره. لذا لم يعد يرى اندفاع الماء وهو يدمدم بشكل غامض مع نفسه، ولا يسمع ارتطام الصخور، كأنما كبلت الأمواج، ولا يشعر ببرد الريح. لذا زفر زفرة حارة دون وعي، ثم اندفع، وإذا به يبلغ الضفة الثانية.
جلس على الضفة الأخرى منهكاً، كان يحتاج لأخذ نفس عميق كي يرفع نفسه، ثم التفت خلفه. ينظر بعينيه إلى الأشياء يجدها كما هي، مألوفة، لا شيء تغير سوى نظرته، فلم يرَ في النهر ذلك الوحش الغاضب الذي تخيله طويلاً، بل هو مجرى هادئاً كما كان يراه في كل فصول السنة، فلم يعد يدرك أنه الذي كان يرتجف وأنه حي الآن. لذا ابتسم بعد أن تزاحمته الدهشة، وقال مازحاً نفسه:
- أكنتُ حقاً أنا من عبر؟ أم أن كل ما جرى لم يكن سوى كابوس فظيع، أو حلم غريب عن يقظة الحياة؟



#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)      


ترجم الموضوع إلى لغات أخرى - Translate the topic into other languages



الحوار المتمدن مشروع تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم. ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي، انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة في دعم هذا المشروع.
 



اشترك في قناة ‫«الحوار المتمدن» على اليوتيوب
حوار مع الكاتبة انتصار الميالي حول تعديل قانون الاحوال الشخصية العراقي والضرر على حياة المراة والطفل، اجرت الحوار: بيان بدل
حوار مع الكاتب البحريني هشام عقيل حول الفكر الماركسي والتحديات التي يواجهها اليوم، اجرت الحوار: سوزان امين


كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية على الانترنت؟

تابعونا على: الفيسبوك التويتر اليوتيوب RSS الانستغرام لينكدإن تيلكرام بنترست تمبلر بلوكر فليبورد الموبايل



رأيكم مهم للجميع - شارك في الحوار والتعليق على الموضوع
للاطلاع وإضافة التعليقات من خلال الموقع نرجو النقر على - تعليقات الحوار المتمدن -
تعليقات الفيسبوك () تعليقات الحوار المتمدن (0)


| نسخة  قابلة  للطباعة | ارسل هذا الموضوع الى صديق | حفظ - ورد
| حفظ | بحث | إضافة إلى المفضلة | للاتصال بالكاتب-ة
    عدد الموضوعات  المقروءة في الموقع  الى الان : 4,294,967,295
- جدليةُ الغناءِ في زمنِ الصمتِ في حكايةِ الولد الخرافي للشاعر ...
- قصة قصيرة: ذات ليلة
- بين براءة الحلم ووهم الشيخوخة: تأملات في سوء قراءة المشاعر ف ...
- قصة قصيرة: على شفا المساء
- بين الحاضر والماضي: تأملات في فراغ الروح وحنين الأمكنة في قص ...
- حين يغيب الأب قبل الرحيل: تأملات في الغياب الصامت في قصة الن ...
- بين العشق والحرب في حكايات الهايكو: تأملات في ديوان كما الأب ...
- قصة قصيرة: لها الفُ شبيه
- الانعتاقُ في وسطِ ظلماتِ اليأس: تأملات في رحلةٌ مع رواية بلا ...
- قصة قصيرة: تراتيلُ الوجل
- بين الإقدام والندم: تأملات في الخوف من مواجهة الذات في قصة ن ...
- قصة قصيرة: حصةٌ من الغياب
- قصة قصيرة: تجدد الأحزان
- من فائض الحياة إلى عتبة الغياب: تأملات في يوميات مسن للدكتور ...
- تأملات في صراع الهويةِ والانتماءِ في كتاب أدب النزوح في آشور ...
- قصة قصيرة: بين رصاصة ونجاة
- بين الغنى والفقر مساحة لا تنتهي حتى ما بعد الموت: قراءة تأمل ...
- قصة قصيرة: عقدُ اللؤلؤ
- رمزية العشق والهوية: تأملات في قصيدة الزير والثأر في ديوان ا ...
- قصة قصيرة: فات الأوان


المزيد.....




- مناقشة رسالة ماجستير عن سخرية قصص سناء الشّعلان في جامعة عمر ...
- في -مذكرات طفلة لم تشهد الحرب-.. اليمن بعين الكاتبة رغدة جما ...
- غموض يحيط بانفجار بيت شيمش.. والإعلام الإسرائيلي يشكك بالروا ...
- معرض كتاب الرباط 31.. نجاح تنظيمي تخدشه حوادث -منع- وجدل حول ...
- مهرجان كان السينمائي: حضور ياباني واسباني وأمريكي في أفلام م ...
- مباراة -يد الله-... وثائقي في مهرجان كان السينمائي يعيد إحيا ...
- -اللغة العربية هي لغتنا-: موقف حارس الجيش الملكي يشعل مواقع ...
- من سيكون -جيمس بوند- القادم؟.. تجارب أداء نجم سلسلة أفلام 00 ...
- هشاشة الإنسان بين أمير تاج السر وهاروكي موراكامي
- هالاند يستعد لدخول عالم السينما بشخصية -فايكنغ-


المزيد.....

- يونان أو قهر النبوّة / كمال التاغوتي
- إلى أن يُزهر الصّبّار || دراسة للدكتور جبار البهادلي / ريتا عودة
- طوفان النفط . . رواية سياسية ساخرة / احمد صالح سلوم
- حارس الكنوز: الانسان والحيوان الالهي / نايف سلوم
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- رواية هروب بين المضيقين / أمين أحمد ثابت
- احلام الفراشة مجموعة قصصية / أمين أحمد ثابت
- اعترافات السيد حافظ والأصدقاء ما وراء الكواليس الجزء الثا ... / السيد حافظ
- تمارين أرذل العمر / مروة مروان أبو سمعان
- اترجمة السيرة الذاتية لاجاثا كريستي للعربية / أجاثا كريستي ترجمة محمود الفرعوني


المزيد.....
الصفحة الرئيسية - الادب والفن - داود سلمان عجاج - قصة قصيرة: بين ضفَتين