داود سلمان عجاج
روائي، قاص
الحوار المتمدن-العدد: 8712 - 2026 / 5 / 21 - 01:05
المحور:
الادب والفن
تتهادى اللحظات، مثقلةً بلهيبِ الشوق، نحو البصرة، المدينةُ التي تتشابك فيها الذاكرةُ والتاريخُ في نسيجٍ واحد، أرضُها السمراءُ ومدنُها الطاهرةِ شاهدةٌ على المناجلِ التي احتضنت سنابل الأحلام في صمتِها العميق، إلى حيث لهيب الشمس، مدينةُ العلمِ وحقولِ النخيل، مهدُ اللغةِ وموطنُ البنان، كانتِ الحكاياتُ تسكنها، لكنّها بدأت تغيبُ خلفَ غيمةِ الغربةِ الآن، مما يعكسُ الانفصالَ العاطفي الذي يُمزّقُ خيطَ الماضي عن نسيجِ الحاضر.
مع أولى خيوطِ الفجرِ وصدى صياح الديك، يصلُ الشاعرُ، فالمدينةُ تتلفعُ بالسوادِ كأنّها تُخفي ملامحها تحت قناعِ الغجر، للوهلةِ الأولى وكما كان يتصوره من زمنٍ بعيد، تختبئ البصرةُ بين ثنايا الحلم، على أملِ أن يهزمَ الفرحُ التجاعيدَ كلها.
وبقاربٍ يبحرُ بسلاسةٍ في شطِّ العرب، وأغنية تصدحُ في الآفاقِ" بصراوي عينه مكحلة"، وانشودة" السياب" ترتسم أمامه بهيئةِ صورٍ ناطقة" مطر، مطر، مطر"، بعد أن هربَ من واقعٍ يضيّقُ عليه أنفاسه، خشية أن يُتهمُ بأنّه يعيشُ في سرابِ الأحلام"، فحتى في الحلمِ يخشى اللاجدوى، فالسوطُ المغلَّفُ بالحريةِ يصطخبُ في وطنِ الحزنِ المتراكمِ بلا ثمن، فمن يسمعُ همسَه عند الفجر؟، والجوعُ أرهقَ الأسودَ، فهل تبقى للوحوشِ شراسةٌ في ساحةِ القيد؟.
فذلك السوطُ يتجاوز كونه مجردَ مفارقةٍ رمزية، ليكشفَ التناقض العميق في مفهومِ الحريةِ ذاتها: هل هي قناعٌ يخفي أدواتِ القمع، أم إنّها تجربةٌ معقدةٌ يعيشها الإنسانُ بين الوهمِ والحقيقة؟ إذ تخلقُ بعضُ الأنظمةِ مفارقةً في تصورِ الحريةِ كقناعٍ يخفي الهيمنة، وتفتح مجالاً للتساؤلِ حول الحريةِ في ظلِّ تلك الأنظمةِ التي تضفي قشرةً من الحريةِ بينما تبقي الأفرادَ أسرى واقعهم، والأمثلة كثيرة في هذا المجالِ، ابتداءً من شعاراتِ الاستعمار الحديث باسم الحرية لتبرير تدخله العسكري في الدول، وانتهاءً بالدول التي تعلن الديمقراطية وتمارس العنف السياسي.
فعليه فإنَّ السوط َالمغطَّى بطلاءِ الحريةِ الزائفِ يكشفُ تناقضَ الحريةِ ذاتها، فهل هي قناعُ للقمعِ أم تجربةٌ معقدةٌ بين الوهمِ والحقيقة؟ هذا يعيد إلى الاذهانِ مفهومَ" العبودية المختارة" حيث يوهمُ الإنسانُ نفسه بأنهُ طليقٌ بينما قيودهُ أعمق مما يظن، مما يدعو للتساؤل: هل الخوفُ من اللاجدوى هو القيد الحقيقي الذي يمنع التحرر؟.
وماتت الكلماتُ في فضاءِ الخداع، تلاشت كأنها لم تكن، بينما كانتِ الطرقاتُ تضجّ بالمتسولين، يتزاحمون بحثاً عن الفتات، كأنهم اسرابٌ في مدينةٍ أرهقها الضياع، والشمس، تلك التي كانت شاهدة على الحكايات، كُفنتْ بظلامٍ دامس، ووريت الثرى بلا شاهد أو قبر، كأنَّها لم تشرقْ يوماً، تمضي عقاربُ الأيامِ بلا اكتراث، لا تلتفتُ إلى عنادِ الزمنِ ولا تنحني أمامَ توسلاتِ العابرين، فلا تزالُ تمضي دون هوادة، فيما الماضيُّ يطاردُ روحه حتى في الأحلام، يطرقُ ذاكرته كظلٍّ لا يندثر.
لذا فهو في رحلتهِ يبحثُ عن السكينةِ التي كانت كلّما اقتربَ منها، ابتعدت عنه، يريد أن يصلَ إلى قناعةٍ: ما معنى أن يظلَّ يحلم؟، أن يجدَ قافيةٌ تنبضُ بالحياةِ فتكون المفرداتُ محطةَ استراحةِ وسط زحام التيه، يتلمّسُ فرحاً غائباً، عن حرمانٍ استوطنَ روحه، أن يتأكد أنّه قد نجى من الطوفانِ المتكرر، يبحثُ عن لحظاتِ تأملٍ روحي قد تُنير عتمةَ الأيام، يتذكرُ قول "شمس الدين التبريزي":
" لا يوجد أسهل من الكراهيةِ والبغضاء، أمّا الحبُ فهو يحتاجُ نفوساً عظيمة".
لكنه يعلم أن السواقي الجافة في داخله لا تروى إلا بالدمع، بعدما أغلقت في وجههِ مفاتيح البهجة، وتاهت عنه دروب الخلاص، فاجتاحه الخواءُ الموجع، كأنما تتقاذفه رياحُ التيهِ دون أن يجدَ لنفسه مرسى.
في المفاهيمِ الصوفية، يمثل" الطريق" رحلة ذاتية وروحية، حيث لا يكون الغرضُ مجردَ الوصول، بل التحول الداخلي الذي يعيشه السالك عبر تجاربه، فكما يسعى الشاعرُ في القصيدةِ إلى فهمِ ذاته واستعادة السكينة، كذلك يسعى الصوفيُّ إلى الفناءِ في الحق.
إذ لا تقاس الرحلة بالمكانِ أو الزمان، بل بمدى اقترابِ القلبِ من الحقيقة، وهنا، يصبح البحثُ عن العشقِ والهويةِ تجربةً صوفيةً، حيث يتلاشى فيها الفاصلُ بين الواقعِ والحلم، بين الذاتِ والمطلق، وكأنَّ الطريقَ ليس إلا وسيلةً لاكتشافِ جوهر الوجود.
يتفحصُ العرجونَ المتدلي أمامه، في النخلةِ الباسقة، يتصورُ ثمارَها التي تحملُ ثقلَ الزمن، كأنَّها ذاكرةٌ مصلوبةٌ بين الماضي والحاضر، يأسره المكانُ، فيغدو الوصفُ سيدَ الموقف، حيث تمتزجُ اللحظةُ بين ماضٍ يأبى الرحيلَ ومستقبلٍ يكسوه الضبابُ، وكأنَّ الزمنَ يدورُ في حلقةٍ مفرغة، يحاصر الروحَ بين أملٍ بعيدٍ وحاضرٍ يوشكُ على التلاشي.
في فلسفةِ نيتشه، يتجلى مفهومُ الحلقةِ الزمنيةِ كدورةٍ لانهائية، حيث تتكرر التجاربُ والأحداثُ بشكلٍّ أبدى، إذ يراه تحدياً للإنسان، حيث يطرحُ السؤال، إذا كانت حياتُنا ستتكرر إلى الأبد، فكيف نعيشها؟ وهنا تكمن الدعوةُ إلى تبني الحياةَ بحريةٍ مطلقةٍ، وقبولِ كلِّ ما تقدمه، رغم الألمِ والشكوك.
هنا لا مكانٌ للنوم، وهنا الشواطئ التي تشهدُ اختلاطَ الدمِ بالماء، هنا ساحةُ "سعد" كانت ستقلكَ حافلةٌ حتماً إلى حيث المجهول، لو كنتَ من جيلِ الخمسينيات، وكنتَ ستسألُ نفسكَ، ترى هل لهذه النهايةِ المجهولةِ ولِدتُ؟، وهناك من بعيد تتراءى له شعلةٌ تتهادى مع الريح، لتعلن أنَّ هنا النعمةَ وهنا النقمةَ، ومنها تتساقط سنون العمر بلا معنى، بإرادة السلطان لكي يبقى.
ما بينَ البصرةِ، المدينةِ التي تنبضُ بعبقِ التاريخ، وما بين الفاوِ والحناءِ، وبين "السياب"، الشاعرِ الذي أحبَّها وانتمى إليها، يمتدُّ النسيجُ الممتزجُ بوهجِ الأرضِ وروحِ الإنسانِ، تلك الأرضُ التي صبغتها الشمسُ بلونِها الذهبي، فتوشحتْ بالسواد، تحمل في تجاعيدها آثارُ الزمنِ وندوبُ المعاناة، هناك، يقف النخيلُ شامخاً، يروي حكاياتِ الصبرِ والثباتِ رغمَ العواصفِ التي لا تكفُّ عن الهبوب، وكأنَّ جذوره الممتدةُ في عمقِ الأرضِ تستمدُّ قوتَها من تاريخٍ لا يشيخ، فالبصرةُ في نظرِ الشاعر لحظات تأملية توقف فيها بعد رحلة حياتية مليئة بالصراعات والتحديات، لذا، ارتدى لها ثوباً مطرزاً بالأفراح، بعدما استحضر عظمة أوروك وآشور وبابل، واندمج مع حلمه الذي لم يبرحه مع السنين.
"على البصرة السمراء والنخلُ قائمٌ
مررتُ لكي أرتاحَ من سَفَرِ العُمرِ"
ثم يمتدُّ الأملُ لدى السويدي، فما أجملَ هذه المفارقات، متجاوزاً كل الخيبات، إذ تتجلى مفارقةٌ رائعةٌ بين الصياد، الذي عادة ما يكون مصدراً للخطر، وبين فعلِ الإيقاظ، الذي يحملُ معنى الحياةِ والانتباه، فبدلاً من أن يكونَ الصيادُ مهدداً للطيور، نجده هنا كأنّه ناقلُ رسالةٍ، يُوقظ السربَ ليخبره بأنَّ اللقاءَ سيكون على الجسر، فالجسرُ في بعده الرمزي، يمثل الانتقالَ والتغيير، فهو نقطةُ عبورٍ بين حالتين، ربما بين الخوفِ والحرية، أو بين الماضي والحاضر، أو بين السجنِ والتحرر، ليتها لم تكن لحظات حلم سينقضي، لتكون لحظاتٌ فارقة، سنين وهو ينتظرُ لحظةَ الوعي الجماعي وفكرةَ التحوُّل، يرسم الأمل، وربما الشكُ لا يزال يراوده، حتى في الحلمِ يخشى، وفي الواقعِ يتوجع، فكأنَّ الصيادَ هنا انسلخ من طبيعته في أن يصطاد، وانعجنَ بطينِ الفضيلة، وتحولَ إلى رسولٍ يبلغُ عن دخولِ زمنٍ جديد، زمن التحرر من الخوفِ المتراكم، ليكون اللقاءُ هنالك على الجسر، ليكون اعلاناً عن بدايةِ مرحلةٍ تجاوز القيود نحو أفقٍ أوسع.
ومن زاوية أخرى يمكن النظر إلى البيت، فكأنما حطّم المسافات، واختصر الزمن، وكأنما انكشفَ خيطٌ رفيعٌ من غيبٍ خفي، ربما لا أحد يصدق، فالسربُ في تمثيله الجماعة البشرية التي تخضع للظروف القاهرة، وانطوت عليهم خديعةُ الزمان، وادمنتْ مسلسلَ الحرمان، إلا أنَّ السويدي يفاجئنا بأنَّها بدأت تعي وتدرك لحظةَ التغيرِ واتخاذِ قرارِ العبور، فأتجولُ في ذاكرتي فلربما الآن أهذي، وربما أقنعني بكلكامشَ وفكرةِ الخلودِ في الأثرِ لا في الأجسادِ، إذ تمكَّن الشاعرُ السويديُّ من أن ينقلنا بدلالاتهِ الرمزيةِ إلى فكرةِ التحوُّلِ وتقريرِ المصير.
"وقد أيقظ الصيادُ سرباً من القطا
ليخبره أن اللقاءَ على الجسرِ"
من تحليلِ صورةِ الصيادِ كرمزٍ للتحولاتِ في طبيعةِ القيادةِ، يتطلبُ استكشاف البعد الرمزي للصياد وتحوله من قاتلٍ أو مفترسٍ إلى حاملِ رسالة، فمن الطبيعي أن يرتبطَ ذلك الصيادُ بالهيمنةِ والسيطرة، فهو يطارد الفريسة، مما يجعله رمزاً للسلطة والقوة القسرية، غير أنَّ التحولَ الذي يطرأ عليه، حيث يصبح مرسلاً للخبر وليس تلك الصورة النمطية، يعكس تحولاً في مفهومِ القيادة، هذا التحول يمكن اسقاطه على أدوارِ المثقفين والقادةِ في المجتمع، فبدلاً من أن يكون القائدُ مجردَ قوةٍ قمعيةٍ تحكم السيطرة، يمكنه أن يكونَ ناقلاً للوعي ومبشراً بالتغيير، كما يتجسدُ في الصيادِ الذي " ايقظ السربَ ليخبره أنَّ اللقاءَ على الجسر" هذا الفعلُ يحملُ دلالةً رمزيةً على استنهاضِ الوعي الجمعي، حيث لم يعدْ القائدُ أو المثقفُ مجردَ متحدثٍ باسم السلطة، بل صار محفزاً للانتقالِ إلى مرحلةٍ جديدةٍ من الفهمِ والتحرر.
وهنا لا بدَّ من الإشارةِ إلى دورِ المثقفِ في المجتمعِ الحديث، فهو يعد ذلك الصوتَ الوحيدَ للحقيقة، بل أصبح في كثيرٍّ من الأحيانِ مجردَ ناقلٍ للواقعِ أو حتى جزءاً من آلةِ الإعلامِ الرسمية، ومع ذلك، ففي لحظاتِ التحولاتِ الكبرى، قد يعودُ المثقفُ إلى دوره الأصيلِ كرسولٍ للوعي، تماماً كما يفعلُ الصيادُ في القصيدة، الذي يوقظُ الطيورَ بدلاً من صيدها، ثم يحضرُ تساؤلٌ يفرضُ نفسه، ترى، هل نحن جميعاً نبقى في انتظار ذلك الصياد الذي يوقظنا، أم أنَّ علينا أن نصبحَ الصيادَ بأنفسنا؟.
هنا الشاعر، بعد أن أضاء لنا لحظة الأمل وانعقاد الرجاء الذي يتسلل إلى القلوبِ المرهقة، يأخذنا إلى مشهدٍ آخر، حيث تتبددُ الطمأنينةُ وتحلّ محلها النوايا المشوهة وغير الصافية، خاصة من أولئك الذي تجمعهم به رابطة الدم وذكريات التعايش الطويل، ولكنهم يخفون وراء الأقنعة مآربهم الذاتية، فالليلُ هنا ليس مجردَ لحظةٍ زمنيةٍ عابرةٍ، بل رمز للخداع والمؤامرات التي تُحاك في الظلام، حيث تُخفى النوايا وتُنسج شِباكَ المكرِ بعيداً عن أعين النور، أمَّا الأب، فهو تجسيد للضعف الحاني، الذي يجعله أكثر تأثرا بالخذلان، مما يزيد من وطأة المأساة.
أمَّا البئرُ الذي اخفى فيه اخوته سره، فانه لا يقتصر على كونه مجرد مكان عميق مظلم، بل هو صورة غنية بالرمزية، إنّه يحمل أبعاداً نفسيةً واجتماعيةً عميقة، فالبئرُ يمثل وعاء للأسرار المظلمة، ومستودعاً للخيانة التي تعيش في أعماقِ العلاقات، كما يعكس العزلةَ القسريةَ التي تفرضها الظروفُ القاسيةُ أو القيودُ الاجتماعية، هي مكانٌ يسجنُ فيه الإنسانَ بين جدرانِ صمته وخوفه، فيعيش بين الرجاءِ الذي يحيي الأملَ والخذلانَ الذي يمزقُ الروح.
"ولي إخوةٌ جاؤوا عشاءً إلى أبٍ
وقالوا له يا شيخُ سرُّكَ في بئرِ"
ما بين ماضي المدينة المتجسد في الشيخ، وامتدادها المستمر المتمثل بالنهر، يتكرر حديثُ الناسِ عن حضورِ الهويةِ في الذاكرةِ الجمعية، حيث تصبحُ مواعظه جزءاً من كيانِ البلدةِ وتاريخها، في هذا المشهد، الهويةُ ليست فقط في تلك المواعظ، بل في طبيعةِ المكانِ الذي تحلقُ فيه تلك الحكاياتُ، وكأنّها تمتزجُ مع النهرِ الذي يجسدَ الزمنَ المتدفق، أمَّا العشقُ فيتمثلُ في حبِ الحكمةِ والتعلق بها، أو حتى التاريخ الذي يتجسدُ في شخصيةِ الشيخ، فالشيخُ هنا يمثل الحكمةَ المتوارثة، والتعاليمَ التي تترسخُ في الوجدانِ الجمعي، وكأنَّ كلماتهِ تنسابُ كما ينسابُ الماءُ في النهر، حاملةً معاني عميقة.
"هنا كان يحكي الناسُ عن شيخ بلدةٍ
مواعظه كانت تطل على النهر"
#داود_سلمان_عجاج (هاشتاغ)
ترجم الموضوع
إلى لغات أخرى - Translate the topic into other
languages
الحوار المتمدن مشروع
تطوعي مستقل يسعى لنشر قيم الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة في العالم
العربي. ولضمان استمراره واستقلاليته، يعتمد بشكل كامل على دعمكم.
ساهم/ي معنا! بدعمكم بمبلغ 10 دولارات سنويًا أو أكثر حسب إمكانياتكم، تساهمون في
استمرار هذا المنبر الحر والمستقل، ليبقى صوتًا قويًا للفكر اليساري والتقدمي،
انقر هنا للاطلاع على معلومات التحويل والمشاركة
في دعم هذا المشروع.
كيف تدعم-ين الحوار المتمدن واليسار والعلمانية
على الانترنت؟